الفأس في الرأس

لم تنبر أية مؤسسة أو مركز دراسات إستراتيجية لا في العراق الجمهوري ولا في زمن الانقلابات العسكرية ولا في صلف وعنجهية النظام الشمولي وصولا عند عتبة باب عهد الديمقراطية الجديدة في العراق على دراسة وتحليل مقولة (ايزنهاور) التي أطلقها في العام 1958 مناديا بعلو صوته:  «سنجعل من العراق الحصن الحصين للنفوذ الأمريكي في المنطقة»! 

وها قد جاء اليوم الذي نرى فيه ونسمع ونتشمم صدق ما نادى به الرجل قبل أكثر من نصف قرن وبالدقة التي لوح بها، فيما نحن نيام بعز الظهر نطقطق عظم أرجلنا من دون أمل مرتجى يعيد لنا فرصة اللحاق بركب عالم اليوم الذي يتلاهث راكضا لمجرد ان يبقى واقفا على قدميه  وإلا لماذا -الى الآن- لم ندقق ونحلل آثار وجوانب الادعاء الواثق لرئيس الولايات المتحدة آنذاك، لكي نتحوط أو نتلافى أو نتهيأ ونتحسب لما يجب ان نفعل كما تتحسب وتفعل الدول  التي تحترم ما يتعلق بها من معلومات وتصريحات وأخبار وتحليلات بغية تجنب مخاطر أهداف الدول الأخرى في رسم استراتيجياتها قبل عقود وعقود من الزمن،, بالمناسبة (إستراتيجية) هي كلمة يونانية معناها (القائد) ويا مكثر القادة والزعماء عندنا من تفريخ مفقسات الأنظمة بكل أنواعها العسكرية والمدنية بشقيها الشمولي والديمقراطي، بل كل الأنظمة التي لم تتعلم لغة التعامل مع مجريات الأحداث والظروف حتى بعد وقوع الفأس في (اليافوخ) في ظل ربيع القادة الضروريين منهم وغير الضروريين من أولئك الذين يتطلعون ولا يرون غير أصابع لا تؤشر الى أبعد من أنوفهم!!

تصادف أن أطلعت على تقرير يتعلق بطروحات وأفاق تصورات رئيس جهاز المخابرات الأمريكية السابق (ليون بانيتا) قبل ان يخطف حقيبة البنتاغون بأيام قليلة جدا أوضح فيه لدى استجوابه من قبل لجنة القوات المسلحة في الكونغرس لبحث آليات وتداعيات الانسحاب من أفغانستان والعراق، ان بلاده تمر وتحيا في خضم تحولات تاريخية وبعد تجاوزها الحرب الباردة وأصبحت في مواجهة حرب عاصفة – قاصفة، توهمت أنا المسكين أول الأمر ان قوة أكبر من أمريكا وأبو أمريكا ستطيح بهذه الدولة الغاشمة وتنحدر بها الى أسفل السافلين لكن توقعي جاء مخالفا الى حد كبير قد يشبه ويقترب من تفكير قادتنا بكل أصنافهم الواردة سلفا حين عرفت على لسان السيد (ليون بانيتا) ان تلك القوة أو العواصف – على حد وصفه – هي مقدار تطور التكنولوجيا الهائل ولم ينس ان يحذر من خطورة عمليات القرصنة الالكترونية التي تستهدفهم في الصحو وفي النوم ولم يستبعد وقوع هجوم الكتروني ضخم يعادل في خطورته وتأثيراته الهجوم الياباني – حسب قوله نصا – على ميناء (بيرل هابور) الأمريكي أبان الحرب العالمية الثانية، ولا أدري لماذا تذكرت لحظتها مقولة قرأتها قبل أكثر من خمسة عشر عاما تقريبا تلخص حقيقة ترى في حالة سيطرة الكومبيوتر على العالم – وهذا ما حصل فعلا – فان ذلك يعني بداية أمية جديدة لكل من لا يعرف استخدامه، فقلت من دون تفكير وبالمباشر الى (الهدف) أين نحن من الأعراب مما يحصل في العالم الآن وقبل الآن يا جماعة الخير؟!!!.    

أعــــــــراس جامعية

أوشكت ان أعلن انسحابي وتوقفي عن كتابة هذا العمود في هذه الجريدة الغراء بعد ان تكرر وبإصرار تبديل صورتي الشخصية أكثر من مرة واختيار الأسوأ لنشرها، ومرة أخرى لنشر احد الردود على مقالاتي بطريقة أظهرته بالحجم غير الطبيعي لغرض الإثارة والإساءة لشخصي الذي اعتاد على تلقي الحجارة مثل كل الأشجار التي يعتقد الناس أنها مثمرة وغيرها خاوية يجملونها ويتملقون لها…!

وكدت أتوقف مع صدور هذا العدد بعد ان شعرت بالاستفزاز، فقد ذهبت للجريدة ووجدت حسن الاستقبال وتبددت الكثير من همومي وهواجسي وقررت الاستمرار في كتابة عمودي برغم الاتهامات الغريبة بوصف كتابة الأعمدة بأنها عملية معيبة وهي وسيلة للمعيشة وليس للمجاهرة بالحقيقة، لم يزعجني هذا الاتهام فقد وصفته الصحف التي اكتب فيها بأنها نكتة الموسم لأنها تعرف ما يكتب ومن هو الكاتب الذي لا يجامل ولا ينافق ويحظى باحترام الناس وغضب أصحاب النفوذ والشأن باستثناء المنصف منهم.

غضبي من جريدة (المستقبل العراقي) هذه المرة سببه وقوع خطأ في عنوان الزاوية فقد حول المصمم العزيز سامحه الله اسم العمود من (كاتيوشا) الى (نقار الخشب) وشتان بين العنوانين ودلالاتهما، وسر الغضب ليس شخصيا بل حرصا  مني على تقليد يجب ان ترسخه الصحافة مع جمهورها الذي يفترض ان يعتاد على مكان الزوايا وإشكالها وتوجهات كتابها وثبات التبويب والسياسة العامة للجريدة بالشكل والمحتوى وعدم التفريط بذلك مهما كانت ضغوط العمل.

تراجعت عن قراري وأنا امسح عن عيوني دموع الفرح وأنا أصغي للنشيد الوطني وكانت تقف أمامي عشرات الكراديس التي تضم صفوف الخريجين من جامعة بغداد مع أساتذتهم النجباء الذين نجحوا في اختبار التحدي ومواصلة الدراسة والمواظبة على الدرس برغم قسوة الهجمات الإرهابية التي وصلت لأبواب الجامعة وحصدت أرواحا بريئة مازالت في ريعان الشباب واستشعرت ان أرواحها الطاهرة كانت ترفرف في سماء الحفل البهيج مع حمامات السلام البيض التي حلقت فوق الحضور مع أقواس القزح التي رسمتها الألعاب النارية لترسم في سماء بغداد علامات نصر جديد عنوانه التفوق العلمي واستمرار العطاء المبدع للجامعة الأم.

شاهدت ابتسامات ودموع لبناتنا وأبنائنا للآباء والأبناء للعراق كله الذي يحاول الوقوف مجددا على قدميه برغم قطعان الذئاب التي تحاصره وبينهم أشقاء وأصدقاء وآخرون يحملون للأسف شهادة الجنسية العراقية وشهادة الدكتوراه….!

نعم كانت ليلة سعيدة أعادتني للكتابة ومنحتني قوة جبارة لأن أحيا مع أهلي وارصد بأعمدتي حزنهم وفرحهم، أعاد أليّ الحفل الشعور بكرامة الاستاذ الجامعي وصدق مشروع إصلاح التعليم العالي، حين أعلن السيد معالي وزير التعليم العالي بصوت جهوري بأن لا سياسة ولا تسييس في الجامعات بل الكل سواسية والعلم للجميع وغير ذلك حق يجب ان يمارس خارج أسوار الجامعة… لقد صفقنا جميعا لهذا المنهج بل نبضت له وخفقت قلوبنا قبل ان تتحرك اكفنا بالتصفيق وسألنا الله ان يتحول هذا الشعار لواقع نحياه لنقطع الطريق عن المنافقين والمزايدين وبالعلم متاجرين…!

أمسية سعيدة زرعت الغبطة في قلوب كل الطيبين وأعادت لنا الأمل في بناة المستقبل وهم يرفدون حياتنا العملية بدماء جديدة تسهم في البناء والإعمار بالعلم والعمل الجاد والإيمان برسالة السماء وعمق الانتماء لوطن كان أصل الحضارة ونبعا للإبداع … تحية لجامعة بغداد فقد كان حفلها الناجح صولة علمية أطلقت الآمال ووجهت رسالة معبرة لردع الارهاب وتحطيم أحلامه المريضة بعرقلة المسيرة.

“استعلامات الكترونية”

هي ظاهرة حضارية, ومرفق حديث يُليق ببغداد ودوائرها, وهي منفذ متطور للقضاء على ركام من الروتين المتوارث في دوائرنا الرسمية التي تسبب الملل والضجر والمقت والقهر الشديد للمواطن أثناء مراجعتها. محافظة بغداد هي التي بادرت هذه المرة وأنشأت قبل سنة من الآن مثل هذه الاستعلامات وبدأتها في مقرها إيذاناً بانتشارها كظاهرة إيجابية في بقية دوائر الدولة في العاصمة, مادة يد العون لإنشاء استعلامات مماثلة وبتمويل من المحافظة نفسها في أية دائرة ترغب ذلك بخاصة تلك الدوائر التي تمتاز بكثرة المراجعين كدائرة التقاعد والجنسية والجوازات .. وما أدراك ما الجنسية والجوازات .. المهم أن مميزات هذه الاستعلامات استنادا الى محافظ بغداد الدكتور صلاح عبد الرزاق “أن المراجع لها سيتعامل مع جهاز حديث موجود في الاستعلامات إذ سيضغط على زر القسم الذي يرغب مراجعته” فيخرج له الموظف ليقول له شبيك لبيك، أنا وجميع الموظفين ومدير الدائرة بين يديك. فيسقط المواطن صريعاً مغشياً عليه من شدة الصدمة التي ألمت به والأجواء الغريبة التي يعيشها، حتى يشعر أنه في عالم آخر وفي كوكب آخر، ليس هذا فحسب بل أن محافظ بغداد أكد أن القاعة مزودة بكاميرات لمراقبة عملية المراجعة.. وإنها قد تستخدم ككاميرات خفية تداعب المواطنين عندما يأتي الموظف بعد خمس دقائق فقط ليقول أن معاملتك أنجزت فضلا عن أن في هذه الاستعلامات أشياء كثيرة وحديثة من أهمها تخصيص مكان لألعاب الأطفال. وطبقاً لبعض المواطنين المارين قرب المحافظة فأنهم استمعوا الى زغاريد النسوة من موظفات المحافظة اللواتي تعودن على جلب أطفالهن معهن للدوام الرسمي.. حيث ستوفر هذه الملاعب فرصة للهو أطفالهن ما يتيح الوقت أمامهن للحديث عن أكلة اليوم وآخر المسلسلات وسعر الذهب في أسواق الكاظمية والاعظمية. والتجربة الجديدة التي وصفت بالفريدة وتمنع ابتزاز المواطنين إضافة الى حفظ  كرامتهم وتقلص الروتين الإداري, فأنها تنظم عمل المراجعين وتنجز معاملاتهم بوقت قياسي.. فان البعض أعتبرها نظاماً أوربيا متقدماً. وبغض النظر عن هذا كله.. فهي مبادرة قيمة من محافظة بغداد التي عودتنا على إنجازات متميزة وهمة عالية في بناء بغداد واعمارها وحرصاً منها على توفير مكان يليق بالمواطن ويحفظ  له كرامته التي تهدر غالباً عند مراجعته دوائر الدولة بخاصة وان هذه الاستعلامات تعمل على وفق أنظمة الحاسوب لتكون الأولى في العاصمة. وكم شدني نبأ هذه الاستعلامات العجيبة. وكم تمنيت أن تكون لي معاملة في محافظة بغداد للوقوف على عملها.. بخاصة وأنها تجاوزت السنة الأولى من عمرها المديد، ولا ندري ان كانت المحافظة قد أوقدت شمعة بهذه المناسبة السعيدة .. وتبقى التجربة أكبر برهان.

القادسية الثالثــــــة

للمرة الأولى ألبي دعوة لحضور مناظرة سياسية على إحدى الفضائيات العربية ، لان القضية المطروحة للنقاش حساسة ، وعنوانها (السنة والشيعة الى أين ؟) وكان معي في الأستوديو ضيف من مدمني الظهور على الشاشات ، كما كان معنا من واشنطن مسؤول لجنة التنسيق (سابقا) بين المعارضة العراقية وبين وزارة الخارجية الأميركية … كنا ثلاثة في مواجهة قضية واحدة وكان واضحا من طريقة اختيارنا إننا نمثل 3 وجهات نظر متباينة ، وقد اكتشفت قبل بدء الحوار ، ان مقدم البرنامج منحاز الى الضيف المدمن على الفضائيات .

كان أول المتحدثين هو مسؤول لجنة التنسيق ، وذلك أمر لا يغضب أحدا ، فهذا الرجل الظريف الذي يحسن الكلام بالعربية الفصحى ، يعد من الناحية الواقعية بمنزلة ولي الأمر لنا جميعا ، وخلاصة ما ذهب إليه ، ان قضية السنة والشيعة ، هي واقع حال من مخلفات النظام الدكتاتوري ، وان هذه القضية قابلة للانفجار في أية لحظة ، ولكن أميركا بذلت جهودا مضنية ومازالت من اجل “تطبيع العلاقة” بينهما ، وقد قطعت شوطا طيبا على هذه الطريق !

وتحدث المدمن قائلا: [في الحقيقة لا أضيف جديدا الى التحليل الموضوعي والرؤية الصائبة التي ذهب إليها زميلي من واشنطن ، سوى التأكيد على ان قضية السنة والشيعة ستقود الى حرب أهلية لا مفر منها  على الرغم من المساعي الأميركية المشكورة] !

كنت في اشد حالات امتعاضي عندما جاء دوري للحديث ، ولكنني تمالكت نفسي وخاطبت مقدم البرنامج بهدوء [سيدي … أنا احترم ماقاله الضيفان الكريمان ، ولكنني ابن العراق الذي يعيش هذه القضية عن قرب ، ولهذا …] وقاطعني الرجل متسائلا [هل تعني بانك تؤيد الضيفين وان قضية السنة والشيعة في طريقها الى حرب أهلية ؟!] ، وبالهدوء نفسه أجبته [معذرة … إنما أردت القول ، إنني أكثر احتكاكا ومعايشة بحكم عملي الصحفي ، واستطيع الجزم ، انه لا توجد بين السنة والشيعة قضية] ، استشاط المقدم غضبا وسألني [هل تنكر وجود سنة وشيعة في العراق ؟!] ، قلت له [أبدا … مثلما لا أنكر وجود مسلمين ومسيحيين ، وعرب وكرد … ولكنني اعترض على من يتحدث عن وجود خلاف بين المذاهب والديانات والقوميات] ، وفقد الرجل صوابه وسألني [ولكن يا أستاذ .. يا من تنكر ان الحرب الأهلية قادمة .. هل تستطيع إثبات ذلك ولو بدليل واحد ؟!] ، أجبته [الأمر بسيط .. انظر الى النسيج العراقي ، فانا من أب سني وأم شيعية ، وولدي سني وزوجه شيعية من الانباريين ، وابنة عمي سنية وزوجها شيعي من بابل و..] فقاطعني منفعلا [حالتك استثنائية و..] وقاطعته بدوري [أنت تجهل تركيبة البيت العراقي ، ان صديقي الشاعر تركي كاظم ، شيعي وأزواج بناته الثلاث سنة ، ولا يختلف الأمر مع صديقي الشاعر عيسى الياسري ، فزوج ابنته سني ، وزميلي الصحفي سلام الشماع ، شيعي ، وزوجه سنية ، ولا يختلف الأمر مع زميلي الصحفي واثق صادق .. هل تريد المزيد ؟!] لم يقتنع ، وقال مرتبكا: [سنلجأ الى الاستفتاء] وفيما عدنا الى حوارنا الساخن لمدة 15 دقيقة أخرى ، أعلن الرجل فجأة عن انتهاء الوقت المخصص للبرنامج ، وكانت نتيجة الاستفتاء تفيد على ذمته ، ان 98 % يرون ان الحرب الأهلية قادمة و 2 % فقط لا يرون ذلك ، ولم يبق له إلا ان يشكر ضيوفه على عجل ، تاركا المشاهدين في حيرة من استفتائه الغريب الذي يؤكد ان السنة والشيعة على أبواب قادسية ثالثة ستنطلق من فراش الزوجية !!.

نبل الحياة وثرثرة المكتبات

(المثقفون جنس قائم بذاته، فهم يعودون على الدوام في أسانيدهم الى المكتبة، وهي على كل حال أعظم نبلا وأقل ثرثرة من الحياة..) اندريه مالرو

في إعادة النظر بشأن وظيفة الشاعر في الحياة اليومية لدى اعراب الجاهلية بوصفه جهازها الاعلامي والمفاهيمي، سيطفو الى سطح الوعي العنف الطافح في الثيمة المحورية للقصيدة ليتماهى عمودها الشعري مع هيئة السيف الذي ظل يشكل لازمة لا فكاك منها في خطابه الاعلامي ـ الثقافي حتى أسست أغراض الشعر الجاهلي تمظهرات متعددة لذات الثيمة المحورية المشار إليها آنفاً.

وتأسيساً على جوهر الطبيعة البدوية التي تنسرح في فضاءات بلا شواخص او حدود بشرية والتي انتجت بنحو عميق امضى واشد خطاب لغوي عربي تأويلاً واحتمالية حتى بات الشاعر الجاهلي متمثلاً ببيئته مرآة لغوية ـ معرفية يندرج على سطحها خطاب قيم وأعراف عربية معروفة في سكونيتها إذ لم يجر على محمولات خطابها وكذا وظيفة حاملها ـ المثقف العربي ـ كثير تغير عبر التاريخ العربي الممتد مما قبل زمن الدعوة الاسلامية وحتى يومنا الراهن، وذلك يعود بتقدير مراقب متريث الى تلك الطبيعة السكونية التي اسهمت اولا واحدية المقدس بالاقتران مع سملطة الاستبداد البطرياركي المتمثلة بالمشيخة القبلية ومن ثم تمظهر تلك الواحدية في الدوغمائية الايديولوجية أخيراً، وقد اسهمت كل تلك المعيقات العنيفة في تكريس طبيعة الدعة والسكون في اللاوعي العربي الذي ظل يسعة ـ بحثاً عن الراحة ـ على الدوام الى الركون لاجوبة القديم من دون مواجهة باثارة الاسئلة التي تفترض اقتحام المجهول المثير للقلق غير المرغوب فيه بالنسبة لسكونية الوعي العربي، وهو ما يجرد بنحو مضطرد وظيفة المثقف والثقافة الحقيقية التي ينبغي لها ان تعنى باستشراق المستقبل وجعلت منها منظومة سلفية تامة الاجابة وغير قادرة بالتالي على القيام بقيادة الانسان والمجتمع كما هو متوخى منها. أن هذا التوصيف لا يعني فيما يعنيه مهيمنة شمولية تاريخية مطلقة إذ يمكننا التقاط التماعات عدة مبثوثة هذا وهناك في ثنايا التاريخ العربي الاسلامي وقد شهدت عدداً من لحظات تمرد خاصة حاول التاريخ الرسمي المكتوب باقلام السلطات المتعاقبة تجاهلها ولولا ذلك ذلك كان يمكن لها ان تمسي سياقات وانماط متطورة تدفع في عجلة تقدم السكون الى التغيير المستمر، غير ان التاريخ العربي ظل تاريخا من القطيعة المعرفية يفتقر الى التراكم اللازم لاقامة تقاليد حضارية متطورة ومثلما ان هناك حملا حقيقيا تنبثق عنه ولادة حقيقية فان هناك حملا كاذبا يمكن له ان يغوي بتصديق ولادة حقيقية، كان تغيير التاسع من نيسان 2003 قد اوهم الكثيرين بانه حمل حقيقي يمكنه موازنة المعادلة الازلية المختلفة بين قياد السياسي وقياد الثقافي، وللتو استبشر المثقف المقموع والمقصي خيرا كما يقتضي الحال غير انه ظل يجتر اتكاءه الى اريكة السلب يتصفح ويقرأ الوقائع المتسارعة ليس على الارض ولكن كتابه على صفحات جريدة ظنا منه ـ وهو واهم قطعا ـ ان مال الامور سوف يستقيم من دون مشاركته، وراح يترك مكانه الواقعي شاغراً ليحتله مجددا الادعياء من الساسة وهذه المرة كما في المرات السالفة كان السياسي مستبدا في جوهر ادائه، فالوحدية ذات الواحدية والايديولوجية ذاتها مع فارق كون المستبد السالف واحدا فيما غدا اليوم مجموعة غرماء لا يمكن التمييز والفرز بين يافطاتهم اخذوا يمعنون في الاقصاء والتهميش اكثر فاكثر لكل ما يمت للثقافة والمثقف بصلة، وبفعل ذلك ودواع اخرى أمسى المثقف وبنحو واضح مشوش الرؤيا مضطرب الموقف، يتلبسه العجز فيما يتلقى النتائج مشلولا من دون ان يمد اصبعا سلبا ام ايجابا للمشاركة في مجريات الحال الراهنة المتسارعة الاحتدام. يكاد يكون من قبيل التهويمات المثيرة للهزء والسخرية ان نضع ما قلناه آنفا بطريقة “الكولاج” في الصورة الراهنة الحافلة بدموية المفخخات والعبوات والمشهد المتصل لقتل الغيلة والغدر، إذ مضى غول العنف يقتطف رؤوس عدد المثقفين سواء رأس من ادلى منهم بمجرد رأي او رأس من تابعا اعلاميا حدثا او تفصيلا ما، ما اسهم وبنحو متزايد في دحر المثقف والثقافة نحو الانزواء والاستسلام الى حاضنة التوحد التي كانت ولم تزل تعد الحاضنة الاكثر أمنا، والأوفر راحة لكثير من المثقفين، فيما اللجم والتكميم يستفحلان اكثر فاكثر فما العمل والحال على هذا الوصف من البؤس المحبط؟ ان الاجابة في تقدير مراقب متريث تكمن في فحص عدة الفريقين وآليات اشتغالاتها  فمن المعلوم سلفا ان عدة المثقف خطابه اللغوي المنتج، كما هو مفترض، لرؤيا خاصة ينبغي لها ان تنهج نهج المغايرة على الدوام وان يكون ميدان اشتغالها فضاءات لا تحدها مهيمنات المقدس والايديولوجيا واي تمظهر لأي نوع من الاستبداد… فيما تتشكل عدة السياسي راهنا من منظومة كوابح متسقة مع اشتراطات هدف آني ينبغي له تحقيقه على وفق منهجه خدمة لجماعة من دون اخرى او حتى فرد من دون الآخرين، ويمسي من طبيعة الحال انتاج اصناف مختلفة من اصناف القسر والعنف “مفيداً” في سبيل المثال تحقيق تلك الغايات. وهنا يقف الفريقان على طرفي نقض وتصادم وكيما نخلص الى حل ينقذنا من هكذا مأزق ينبغي اللجوء بدا الى التفريق بين اللبس الحاصل في فهم وظيفة الدولة ووظيفة السلطة، إذ تكون وظيفة الدولة مدينة بنيتها ادائية تخدم الجميع من دون استثناء عبر تنفيذها فقط لمقررات المشرع بغير ما تتأثر  بأية مواجهات عقائدية او مذهبية او شخصية، فيما يكتمل اللبس في فهم وتحديد ماهية وظيفة السلطة التي تمارس قياد الآخرين قسرا من اجل تحقيق غايات خاصة بشرائح محدودة لتمسي من ثم بنية استبدادية منتجة للعنف. ان ازالة هذا اللبس مرهونة بدفع الثقافة والمثقف الى ساحة الصراع نحو فاعل ومؤثر من اجل تصحيح اختلال المعادلة كيما يعي الجميع مدى وحجم الحق العائد له ومدى حجم الواجب المناط به، عبر الاحتكام الى سلطة القانون، ومسؤولية الانجاز تقع على عاتق المثقف، فقط المثقف الذي يعي ان الحياة “أكثر نبلا واقل ثرثرة من المكتبة”.     

الفأس في الرأس

لم تنبر أية مؤسسة أو مركز دراسات إستراتيجية لا في العراق الجمهوري ولا في زمن الانقلابات العسكرية ولا في صلف وعنجهية النظام الشمولي وصولا عند عتبة باب عهد الديمقراطية الجديدة في العراق على دراسة وتحليل مقولة (ايزنهاور) التي أطلقها في العام 1958 مناديا بعلو صوته:  «سنجعل من العراق الحصن الحصين للنفوذ الأمريكي في المنطقة»! 

وها قد جاء اليوم الذي نرى فيه ونسمع ونتشمم صدق ما نادى به الرجل قبل أكثر من نصف قرن وبالدقة التي لوح بها، فيما نحن نيام بعز الظهر نطقطق عظم أرجلنا من دون أمل مرتجى يعيد لنا فرصة اللحاق بركب عالم اليوم الذي يتلاهث راكضا لمجرد ان يبقى واقفا على قدميه  وإلا لماذا -الى الآن- لم ندقق ونحلل آثار وجوانب الادعاء الواثق لرئيس الولايات المتحدة آنذاك، لكي نتحوط أو نتلافى أو نتهيأ ونتحسب لما يجب ان نفعل كما تتحسب وتفعل الدول  التي تحترم ما يتعلق بها من معلومات وتصريحات وأخبار وتحليلات بغية تجنب مخاطر أهداف الدول الأخرى في رسم استراتيجياتها قبل عقود وعقود من الزمن،, بالمناسبة (إستراتيجية) هي كلمة يونانية معناها (القائد) ويا مكثر القادة والزعماء عندنا من تفريخ مفقسات الأنظمة بكل أنواعها العسكرية والمدنية بشقيها الشمولي والديمقراطي، بل كل الأنظمة التي لم تتعلم لغة التعامل مع مجريات الأحداث والظروف حتى بعد وقوع الفأس في (اليافوخ) في ظل ربيع القادة الضروريين منهم وغير الضروريين من أولئك الذين يتطلعون ولا يرون غير أصابع لا تؤشر الى أبعد من أنوفهم!!

تصادف أن أطلعت على تقرير يتعلق بطروحات وأفاق تصورات رئيس جهاز المخابرات الأمريكية السابق (ليون بانيتا) قبل ان يخطف حقيبة البنتاغون بأيام قليلة جدا أوضح فيه لدى استجوابه من قبل لجنة القوات المسلحة في الكونغرس لبحث آليات وتداعيات الانسحاب من أفغانستان والعراق، ان بلاده تمر وتحيا في خضم تحولات تاريخية وبعد تجاوزها الحرب الباردة وأصبحت في مواجهة حرب عاصفة – قاصفة، توهمت أنا المسكين أول الأمر ان قوة أكبر من أمريكا وأبو أمريكا ستطيح بهذه الدولة الغاشمة وتنحدر بها الى أسفل السافلين لكن توقعي جاء مخالفا الى حد كبير قد يشبه ويقترب من تفكير قادتنا بكل أصنافهم الواردة سلفا حين عرفت على لسان السيد (ليون بانيتا) ان تلك القوة أو العواصف – على حد وصفه – هي مقدار تطور التكنولوجيا الهائل ولم ينس ان يحذر من خطورة عمليات القرصنة الالكترونية التي تستهدفهم في الصحو وفي النوم ولم يستبعد وقوع هجوم الكتروني ضخم يعادل في خطورته وتأثيراته الهجوم الياباني – حسب قوله نصا – على ميناء (بيرل هابور) الأمريكي أبان الحرب العالمية الثانية، ولا أدري لماذا تذكرت لحظتها مقولة قرأتها قبل أكثر من خمسة عشر عاما تقريبا تلخص حقيقة ترى في حالة سيطرة الكومبيوتر على العالم – وهذا ما حصل فعلا – فان ذلك يعني بداية أمية جديدة لكل من لا يعرف استخدامه، فقلت من دون تفكير وبالمباشر الى (الهدف) أين نحن من الأعراب مما يحصل في العالم الآن وقبل الآن يا جماعة الخير؟!!!.    

أعــــــــراس جامعية

أوشكت ان أعلن انسحابي وتوقفي عن كتابة هذا العمود في هذه الجريدة الغراء بعد ان تكرر وبإصرار تبديل صورتي الشخصية أكثر من مرة واختيار الأسوأ لنشرها، ومرة أخرى لنشر احد الردود على مقالاتي بطريقة أظهرته بالحجم غير الطبيعي لغرض الإثارة والإساءة لشخصي الذي اعتاد على تلقي الحجارة مثل كل الأشجار التي يعتقد الناس أنها مثمرة وغيرها خاوية يجملونها ويتملقون لها…!

وكدت أتوقف مع صدور هذا العدد بعد ان شعرت بالاستفزاز، فقد ذهبت للجريدة ووجدت حسن الاستقبال وتبددت الكثير من همومي وهواجسي وقررت الاستمرار في كتابة عمودي برغم الاتهامات الغريبة بوصف كتابة الأعمدة بأنها عملية معيبة وهي وسيلة للمعيشة وليس للمجاهرة بالحقيقة، لم يزعجني هذا الاتهام فقد وصفته الصحف التي اكتب فيها بأنها نكتة الموسم لأنها تعرف ما يكتب ومن هو الكاتب الذي لا يجامل ولا ينافق ويحظى باحترام الناس وغضب أصحاب النفوذ والشأن باستثناء المنصف منهم.

غضبي من جريدة (المستقبل العراقي) هذه المرة سببه وقوع خطأ في عنوان الزاوية فقد حول المصمم العزيز سامحه الله اسم العمود من (كاتيوشا) الى (نقار الخشب) وشتان بين العنوانين ودلالاتهما، وسر الغضب ليس شخصيا بل حرصا  مني على تقليد يجب ان ترسخه الصحافة مع جمهورها الذي يفترض ان يعتاد على مكان الزوايا وإشكالها وتوجهات كتابها وثبات التبويب والسياسة العامة للجريدة بالشكل والمحتوى وعدم التفريط بذلك مهما كانت ضغوط العمل.

تراجعت عن قراري وأنا امسح عن عيوني دموع الفرح وأنا أصغي للنشيد الوطني وكانت تقف أمامي عشرات الكراديس التي تضم صفوف الخريجين من جامعة بغداد مع أساتذتهم النجباء الذين نجحوا في اختبار التحدي ومواصلة الدراسة والمواظبة على الدرس برغم قسوة الهجمات الإرهابية التي وصلت لأبواب الجامعة وحصدت أرواحا بريئة مازالت في ريعان الشباب واستشعرت ان أرواحها الطاهرة كانت ترفرف في سماء الحفل البهيج مع حمامات السلام البيض التي حلقت فوق الحضور مع أقواس القزح التي رسمتها الألعاب النارية لترسم في سماء بغداد علامات نصر جديد عنوانه التفوق العلمي واستمرار العطاء المبدع للجامعة الأم.

شاهدت ابتسامات ودموع لبناتنا وأبنائنا للآباء والأبناء للعراق كله الذي يحاول الوقوف مجددا على قدميه برغم قطعان الذئاب التي تحاصره وبينهم أشقاء وأصدقاء وآخرون يحملون للأسف شهادة الجنسية العراقية وشهادة الدكتوراه….!

نعم كانت ليلة سعيدة أعادتني للكتابة ومنحتني قوة جبارة لأن أحيا مع أهلي وارصد بأعمدتي حزنهم وفرحهم، أعاد أليّ الحفل الشعور بكرامة الاستاذ الجامعي وصدق مشروع إصلاح التعليم العالي، حين أعلن السيد معالي وزير التعليم العالي بصوت جهوري بأن لا سياسة ولا تسييس في الجامعات بل الكل سواسية والعلم للجميع وغير ذلك حق يجب ان يمارس خارج أسوار الجامعة… لقد صفقنا جميعا لهذا المنهج بل نبضت له وخفقت قلوبنا قبل ان تتحرك اكفنا بالتصفيق وسألنا الله ان يتحول هذا الشعار لواقع نحياه لنقطع الطريق عن المنافقين والمزايدين وبالعلم متاجرين…!

أمسية سعيدة زرعت الغبطة في قلوب كل الطيبين وأعادت لنا الأمل في بناة المستقبل وهم يرفدون حياتنا العملية بدماء جديدة تسهم في البناء والإعمار بالعلم والعمل الجاد والإيمان برسالة السماء وعمق الانتماء لوطن كان أصل الحضارة ونبعا للإبداع … تحية لجامعة بغداد فقد كان حفلها الناجح صولة علمية أطلقت الآمال ووجهت رسالة معبرة لردع الارهاب وتحطيم أحلامه المريضة بعرقلة المسيرة.

“استعلامات الكترونية”

هي ظاهرة حضارية, ومرفق حديث يُليق ببغداد ودوائرها, وهي منفذ متطور للقضاء على ركام من الروتين المتوارث في دوائرنا الرسمية التي تسبب الملل والضجر والمقت والقهر الشديد للمواطن أثناء مراجعتها. محافظة بغداد هي التي بادرت هذه المرة وأنشأت قبل سنة من الآن مثل هذه الاستعلامات وبدأتها في مقرها إيذاناً بانتشارها كظاهرة إيجابية في بقية دوائر الدولة في العاصمة, مادة يد العون لإنشاء استعلامات مماثلة وبتمويل من المحافظة نفسها في أية دائرة ترغب ذلك بخاصة تلك الدوائر التي تمتاز بكثرة المراجعين كدائرة التقاعد والجنسية والجوازات .. وما أدراك ما الجنسية والجوازات .. المهم أن مميزات هذه الاستعلامات استنادا الى محافظ بغداد الدكتور صلاح عبد الرزاق “أن المراجع لها سيتعامل مع جهاز حديث موجود في الاستعلامات إذ سيضغط على زر القسم الذي يرغب مراجعته” فيخرج له الموظف ليقول له شبيك لبيك، أنا وجميع الموظفين ومدير الدائرة بين يديك. فيسقط المواطن صريعاً مغشياً عليه من شدة الصدمة التي ألمت به والأجواء الغريبة التي يعيشها، حتى يشعر أنه في عالم آخر وفي كوكب آخر، ليس هذا فحسب بل أن محافظ بغداد أكد أن القاعة مزودة بكاميرات لمراقبة عملية المراجعة.. وإنها قد تستخدم ككاميرات خفية تداعب المواطنين عندما يأتي الموظف بعد خمس دقائق فقط ليقول أن معاملتك أنجزت فضلا عن أن في هذه الاستعلامات أشياء كثيرة وحديثة من أهمها تخصيص مكان لألعاب الأطفال. وطبقاً لبعض المواطنين المارين قرب المحافظة فأنهم استمعوا الى زغاريد النسوة من موظفات المحافظة اللواتي تعودن على جلب أطفالهن معهن للدوام الرسمي.. حيث ستوفر هذه الملاعب فرصة للهو أطفالهن ما يتيح الوقت أمامهن للحديث عن أكلة اليوم وآخر المسلسلات وسعر الذهب في أسواق الكاظمية والاعظمية. والتجربة الجديدة التي وصفت بالفريدة وتمنع ابتزاز المواطنين إضافة الى حفظ  كرامتهم وتقلص الروتين الإداري, فأنها تنظم عمل المراجعين وتنجز معاملاتهم بوقت قياسي.. فان البعض أعتبرها نظاماً أوربيا متقدماً. وبغض النظر عن هذا كله.. فهي مبادرة قيمة من محافظة بغداد التي عودتنا على إنجازات متميزة وهمة عالية في بناء بغداد واعمارها وحرصاً منها على توفير مكان يليق بالمواطن ويحفظ  له كرامته التي تهدر غالباً عند مراجعته دوائر الدولة بخاصة وان هذه الاستعلامات تعمل على وفق أنظمة الحاسوب لتكون الأولى في العاصمة. وكم شدني نبأ هذه الاستعلامات العجيبة. وكم تمنيت أن تكون لي معاملة في محافظة بغداد للوقوف على عملها.. بخاصة وأنها تجاوزت السنة الأولى من عمرها المديد، ولا ندري ان كانت المحافظة قد أوقدت شمعة بهذه المناسبة السعيدة .. وتبقى التجربة أكبر برهان.

القادسية الثالثــــــة

للمرة الأولى ألبي دعوة لحضور مناظرة سياسية على إحدى الفضائيات العربية ، لان القضية المطروحة للنقاش حساسة ، وعنوانها (السنة والشيعة الى أين ؟) وكان معي في الأستوديو ضيف من مدمني الظهور على الشاشات ، كما كان معنا من واشنطن مسؤول لجنة التنسيق (سابقا) بين المعارضة العراقية وبين وزارة الخارجية الأميركية … كنا ثلاثة في مواجهة قضية واحدة وكان واضحا من طريقة اختيارنا إننا نمثل 3 وجهات نظر متباينة ، وقد اكتشفت قبل بدء الحوار ، ان مقدم البرنامج منحاز الى الضيف المدمن على الفضائيات .

كان أول المتحدثين هو مسؤول لجنة التنسيق ، وذلك أمر لا يغضب أحدا ، فهذا الرجل الظريف الذي يحسن الكلام بالعربية الفصحى ، يعد من الناحية الواقعية بمنزلة ولي الأمر لنا جميعا ، وخلاصة ما ذهب إليه ، ان قضية السنة والشيعة ، هي واقع حال من مخلفات النظام الدكتاتوري ، وان هذه القضية قابلة للانفجار في أية لحظة ، ولكن أميركا بذلت جهودا مضنية ومازالت من اجل “تطبيع العلاقة” بينهما ، وقد قطعت شوطا طيبا على هذه الطريق !

وتحدث المدمن قائلا: [في الحقيقة لا أضيف جديدا الى التحليل الموضوعي والرؤية الصائبة التي ذهب إليها زميلي من واشنطن ، سوى التأكيد على ان قضية السنة والشيعة ستقود الى حرب أهلية لا مفر منها  على الرغم من المساعي الأميركية المشكورة] !

كنت في اشد حالات امتعاضي عندما جاء دوري للحديث ، ولكنني تمالكت نفسي وخاطبت مقدم البرنامج بهدوء [سيدي … أنا احترم ماقاله الضيفان الكريمان ، ولكنني ابن العراق الذي يعيش هذه القضية عن قرب ، ولهذا …] وقاطعني الرجل متسائلا [هل تعني بانك تؤيد الضيفين وان قضية السنة والشيعة في طريقها الى حرب أهلية ؟!] ، وبالهدوء نفسه أجبته [معذرة … إنما أردت القول ، إنني أكثر احتكاكا ومعايشة بحكم عملي الصحفي ، واستطيع الجزم ، انه لا توجد بين السنة والشيعة قضية] ، استشاط المقدم غضبا وسألني [هل تنكر وجود سنة وشيعة في العراق ؟!] ، قلت له [أبدا … مثلما لا أنكر وجود مسلمين ومسيحيين ، وعرب وكرد … ولكنني اعترض على من يتحدث عن وجود خلاف بين المذاهب والديانات والقوميات] ، وفقد الرجل صوابه وسألني [ولكن يا أستاذ .. يا من تنكر ان الحرب الأهلية قادمة .. هل تستطيع إثبات ذلك ولو بدليل واحد ؟!] ، أجبته [الأمر بسيط .. انظر الى النسيج العراقي ، فانا من أب سني وأم شيعية ، وولدي سني وزوجه شيعية من الانباريين ، وابنة عمي سنية وزوجها شيعي من بابل و..] فقاطعني منفعلا [حالتك استثنائية و..] وقاطعته بدوري [أنت تجهل تركيبة البيت العراقي ، ان صديقي الشاعر تركي كاظم ، شيعي وأزواج بناته الثلاث سنة ، ولا يختلف الأمر مع صديقي الشاعر عيسى الياسري ، فزوج ابنته سني ، وزميلي الصحفي سلام الشماع ، شيعي ، وزوجه سنية ، ولا يختلف الأمر مع زميلي الصحفي واثق صادق .. هل تريد المزيد ؟!] لم يقتنع ، وقال مرتبكا: [سنلجأ الى الاستفتاء] وفيما عدنا الى حوارنا الساخن لمدة 15 دقيقة أخرى ، أعلن الرجل فجأة عن انتهاء الوقت المخصص للبرنامج ، وكانت نتيجة الاستفتاء تفيد على ذمته ، ان 98 % يرون ان الحرب الأهلية قادمة و 2 % فقط لا يرون ذلك ، ولم يبق له إلا ان يشكر ضيوفه على عجل ، تاركا المشاهدين في حيرة من استفتائه الغريب الذي يؤكد ان السنة والشيعة على أبواب قادسية ثالثة ستنطلق من فراش الزوجية !!.

نبل الحياة وثرثرة المكتبات

(المثقفون جنس قائم بذاته، فهم يعودون على الدوام في أسانيدهم الى المكتبة، وهي على كل حال أعظم نبلا وأقل ثرثرة من الحياة..) اندريه مالرو

في إعادة النظر بشأن وظيفة الشاعر في الحياة اليومية لدى اعراب الجاهلية بوصفه جهازها الاعلامي والمفاهيمي، سيطفو الى سطح الوعي العنف الطافح في الثيمة المحورية للقصيدة ليتماهى عمودها الشعري مع هيئة السيف الذي ظل يشكل لازمة لا فكاك منها في خطابه الاعلامي ـ الثقافي حتى أسست أغراض الشعر الجاهلي تمظهرات متعددة لذات الثيمة المحورية المشار إليها آنفاً.

وتأسيساً على جوهر الطبيعة البدوية التي تنسرح في فضاءات بلا شواخص او حدود بشرية والتي انتجت بنحو عميق امضى واشد خطاب لغوي عربي تأويلاً واحتمالية حتى بات الشاعر الجاهلي متمثلاً ببيئته مرآة لغوية ـ معرفية يندرج على سطحها خطاب قيم وأعراف عربية معروفة في سكونيتها إذ لم يجر على محمولات خطابها وكذا وظيفة حاملها ـ المثقف العربي ـ كثير تغير عبر التاريخ العربي الممتد مما قبل زمن الدعوة الاسلامية وحتى يومنا الراهن، وذلك يعود بتقدير مراقب متريث الى تلك الطبيعة السكونية التي اسهمت اولا واحدية المقدس بالاقتران مع سملطة الاستبداد البطرياركي المتمثلة بالمشيخة القبلية ومن ثم تمظهر تلك الواحدية في الدوغمائية الايديولوجية أخيراً، وقد اسهمت كل تلك المعيقات العنيفة في تكريس طبيعة الدعة والسكون في اللاوعي العربي الذي ظل يسعة ـ بحثاً عن الراحة ـ على الدوام الى الركون لاجوبة القديم من دون مواجهة باثارة الاسئلة التي تفترض اقتحام المجهول المثير للقلق غير المرغوب فيه بالنسبة لسكونية الوعي العربي، وهو ما يجرد بنحو مضطرد وظيفة المثقف والثقافة الحقيقية التي ينبغي لها ان تعنى باستشراق المستقبل وجعلت منها منظومة سلفية تامة الاجابة وغير قادرة بالتالي على القيام بقيادة الانسان والمجتمع كما هو متوخى منها. أن هذا التوصيف لا يعني فيما يعنيه مهيمنة شمولية تاريخية مطلقة إذ يمكننا التقاط التماعات عدة مبثوثة هذا وهناك في ثنايا التاريخ العربي الاسلامي وقد شهدت عدداً من لحظات تمرد خاصة حاول التاريخ الرسمي المكتوب باقلام السلطات المتعاقبة تجاهلها ولولا ذلك ذلك كان يمكن لها ان تمسي سياقات وانماط متطورة تدفع في عجلة تقدم السكون الى التغيير المستمر، غير ان التاريخ العربي ظل تاريخا من القطيعة المعرفية يفتقر الى التراكم اللازم لاقامة تقاليد حضارية متطورة ومثلما ان هناك حملا حقيقيا تنبثق عنه ولادة حقيقية فان هناك حملا كاذبا يمكن له ان يغوي بتصديق ولادة حقيقية، كان تغيير التاسع من نيسان 2003 قد اوهم الكثيرين بانه حمل حقيقي يمكنه موازنة المعادلة الازلية المختلفة بين قياد السياسي وقياد الثقافي، وللتو استبشر المثقف المقموع والمقصي خيرا كما يقتضي الحال غير انه ظل يجتر اتكاءه الى اريكة السلب يتصفح ويقرأ الوقائع المتسارعة ليس على الارض ولكن كتابه على صفحات جريدة ظنا منه ـ وهو واهم قطعا ـ ان مال الامور سوف يستقيم من دون مشاركته، وراح يترك مكانه الواقعي شاغراً ليحتله مجددا الادعياء من الساسة وهذه المرة كما في المرات السالفة كان السياسي مستبدا في جوهر ادائه، فالوحدية ذات الواحدية والايديولوجية ذاتها مع فارق كون المستبد السالف واحدا فيما غدا اليوم مجموعة غرماء لا يمكن التمييز والفرز بين يافطاتهم اخذوا يمعنون في الاقصاء والتهميش اكثر فاكثر لكل ما يمت للثقافة والمثقف بصلة، وبفعل ذلك ودواع اخرى أمسى المثقف وبنحو واضح مشوش الرؤيا مضطرب الموقف، يتلبسه العجز فيما يتلقى النتائج مشلولا من دون ان يمد اصبعا سلبا ام ايجابا للمشاركة في مجريات الحال الراهنة المتسارعة الاحتدام. يكاد يكون من قبيل التهويمات المثيرة للهزء والسخرية ان نضع ما قلناه آنفا بطريقة “الكولاج” في الصورة الراهنة الحافلة بدموية المفخخات والعبوات والمشهد المتصل لقتل الغيلة والغدر، إذ مضى غول العنف يقتطف رؤوس عدد المثقفين سواء رأس من ادلى منهم بمجرد رأي او رأس من تابعا اعلاميا حدثا او تفصيلا ما، ما اسهم وبنحو متزايد في دحر المثقف والثقافة نحو الانزواء والاستسلام الى حاضنة التوحد التي كانت ولم تزل تعد الحاضنة الاكثر أمنا، والأوفر راحة لكثير من المثقفين، فيما اللجم والتكميم يستفحلان اكثر فاكثر فما العمل والحال على هذا الوصف من البؤس المحبط؟ ان الاجابة في تقدير مراقب متريث تكمن في فحص عدة الفريقين وآليات اشتغالاتها  فمن المعلوم سلفا ان عدة المثقف خطابه اللغوي المنتج، كما هو مفترض، لرؤيا خاصة ينبغي لها ان تنهج نهج المغايرة على الدوام وان يكون ميدان اشتغالها فضاءات لا تحدها مهيمنات المقدس والايديولوجيا واي تمظهر لأي نوع من الاستبداد… فيما تتشكل عدة السياسي راهنا من منظومة كوابح متسقة مع اشتراطات هدف آني ينبغي له تحقيقه على وفق منهجه خدمة لجماعة من دون اخرى او حتى فرد من دون الآخرين، ويمسي من طبيعة الحال انتاج اصناف مختلفة من اصناف القسر والعنف “مفيداً” في سبيل المثال تحقيق تلك الغايات. وهنا يقف الفريقان على طرفي نقض وتصادم وكيما نخلص الى حل ينقذنا من هكذا مأزق ينبغي اللجوء بدا الى التفريق بين اللبس الحاصل في فهم وظيفة الدولة ووظيفة السلطة، إذ تكون وظيفة الدولة مدينة بنيتها ادائية تخدم الجميع من دون استثناء عبر تنفيذها فقط لمقررات المشرع بغير ما تتأثر  بأية مواجهات عقائدية او مذهبية او شخصية، فيما يكتمل اللبس في فهم وتحديد ماهية وظيفة السلطة التي تمارس قياد الآخرين قسرا من اجل تحقيق غايات خاصة بشرائح محدودة لتمسي من ثم بنية استبدادية منتجة للعنف. ان ازالة هذا اللبس مرهونة بدفع الثقافة والمثقف الى ساحة الصراع نحو فاعل ومؤثر من اجل تصحيح اختلال المعادلة كيما يعي الجميع مدى وحجم الحق العائد له ومدى حجم الواجب المناط به، عبر الاحتكام الى سلطة القانون، ومسؤولية الانجاز تقع على عاتق المثقف، فقط المثقف الذي يعي ان الحياة “أكثر نبلا واقل ثرثرة من المكتبة”.