الطائفية وأنساق الدوغمائية
في احد تمظهراتها تعني الدوغمائية جموداً عقائدياً يتمترس خلف وابل منطروحات ميتافيزيقية – كليانية غير قابلة للجدل او الدحض فضلاً عن كونها ترى في معتقداتها تلك صيغة نهائية للحقيقة المطلقة.
و(الدوغما) تعني فيما تعنيه الموضوعة التي تفتقد البرهان الفلسفي او المنطقي وذلك لانه يقبل فقط عن طريق الايمان من دون النظر الى المبررات العقلية او المساجلة المنطقية وكذلك يجب ان يتم قبولها بمعزل عن حدوثها الزمني او ظروفها الموضوعية المحيطة بها.
و(الديماكوك) هو ذلك الشخص الذي يبرع في اجتذاب الناس الى جانبه عن طريق تشويه الحقائق والتملق واطلاق الوعود الزائفة.
وعبر التاريخ ظلت الاكثرية لزمن متراكم تحت سلطة دوغمائية متمثلة بالسلطة الدينية المتعسفة التي سادت طوال القرون الوسطى، غير ان بوادر عصر النهضة المتمثلة بتمرد مغاير افصح عنه خير افصاح القديس او غسطين في مقولته الشهيرة ” آلهنا الذي في السموات … أبق في السموات” داعيا الى فصل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية، وكانت الدعوة تلك فصلاً بين دوغمائية الماوراء وواقعية الحياة وقد احالت الفلسفة في ذلك العصر الى المقولة الاساسية في موضوعة ” الجبر والاختبار” وفيما راح اللاهوت يجتهد في صنع التبريرات والعلل على وفق ما تطرحه نصوصه المقدسة للمحافظة على المكاسب السياسية لرجال الكنيسة، مضى الشك الديكارتي في الاطاحة بكل يقينيات المطلق الراسخة بفعل تقادم السلطة الكنسية، وفعلت مقولة ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) فعلها السحري في تمجيد الانسان وتحقيق كينونته وحفزت العقل البشري على السير في الاتجاه المضاد للدوغمائية الدينية وساعدت بنحو لا نظير له في المضي المتزايد في احتدام السجال العقلي لطرح موضوعة “الجبرو الاختيار” والانحياز لها لتبلغ الفلسفة مرحلة النضوج الكامل في الجدل الهيغلي الذي اطاح بصورة نهائية بالسطوة العقلية للدوغمائية عبر منظومته “الوحدة والصراع” وقد ساعدته بنحو رصين الثورة العلمية في الفيزياء والرياضيات وعلم الاحياء بوجه خاص وشتى العلوم الانسانية والادب والفنون بوجه عام.
ان مقولة هيغل الشهيرة “ان التناقض يعبد الطريق الى الامام” كانت كشفا هائلاً لما استغلق على العقل البشري اذ سفهت كل مواقف التعصب والتخندق وجعلت من آفاق العقل البشري ساحة واحدة بشتى اتجاهات معارفها وافكارها واضفت عليها مسحة تفاعلية راحت تحتدم لتنتج الكثير من الحقائق والكشوفات التي دفعت بالبشرية خطوات واسعة لاستكناه مجاهل عدة في المستقبل، غير ان المصالح الاقتصادية والسياسية ذات الافق الضيق للدوغمائية المندحرة عادت لتتخندق من جديد ولكن في لبوس آخر وهذه المرة أضحت تحت مسمى “ايديولوجيا” التي مثلت المدافع الحقوقي للمصالح الاقتصادية والاخلاقية والدينية والسياسية لشتى الشرائح والطبقات الاجتماعية، وكان ان كرست الايديولوجية كمنظومة فكرية سلطة الصراع على حساب الوحدة، والتناحر والتشتت على حساب التضامن والتكافل الانسانيين وتمظهرت اجتماعياً وتاريخياً في سوق قطعان من البشر وضمهم في قوالب برامجيه لاحزاب مختلفة كل منها يدعي احقيته التاريخية وواحديته، واستخدمت في ذلك الكثير من التضليل والخداع لاجتذاب شرائح واسعة من الجماهير، وما تجربة “الرايخشاع” وعراب أعلامها السيئ الصيت (غوبلز) إلا دليل قاطع على عبقرية الترويج والدعاية الدوغمائية التي كانت تمارس عملها على وفق “اكذب … اكذب … ثم اكذب حتى يصدقك الناس” وقد تجلى ذلك بمهارة الفوهرر في خطابته المتأججة الحماسة التي راحت تعصف بعواطف الجماهير وتلهب مشاعرهم عبر تلقينهم اطروحة النازية الدوغمائية بتفوق العنصر الآري.
إن أول ما حققته الأيدولوجيا هو عرقلة التطور الفكري للفلسفة على الرغم من ادعائها الاستناد اليها وانتجت بموجب تلك العرقلة عقائد ظلامية ، مجدت العنف والاستبداد واوقعت بالبشرية سلسلة من الكوارث في الحربين الكونيتين الاولى والثانية ومن ثم دفعت لهاث سباق التسلح للاستعار والصراع على مناطق النفوذ واشعال فتيل سلسلة متصلة من الحروب الصغيرة توزعت الكرة الارضية هنا وهناك.
وكان من الطبيعي ان تكون المناطق المتخلفة التي سمتها الايديولوجيا خداعا ببلدان العالم الثالث او البلدان النامية صاحبة الحظ الاوفر من الاضرار لتشكل بمجموعها ردة حضارية اوتاريخية شديدة البأس وقد أخذت الدوغمائية فيها تمظهراً آخر ومسمى اخر تمثل بـ “حركات التحرر الوطني” التي اسهمت بنحو مؤثر وفاعل بزيادة مضطردة في تكريس العنف والاستبداد عبر أمثلة” البطل” و “المخلص” و “القائد الجماهيري” وتقديس مسميات من مثل “النضال” و”المناضل” وراحت الدوغمائية متدرعة بالمقدس تستوطن العقول وتوغل في انتاج انساق متخلفة من التحزب السياسي والطائفي والمذهبي الذي الحق ويلحق حتى الان افدح الاذى بوحدة التاريخ لهذه الشعوب اجتماعياً وانسانياً.
والعراق الذي لم يكن تاريخه عبر مفازاته الحافلة سوى تمظهر دائب لحركة تفاعلية محتدمة بين قطبين متناحرين على الدوام تمثلاً بغالب اوحد ومغلوبين او حاكم اوحد ومحكومين ، كان للقطب الاول على مر التاريخ كل الامتيازات والصلاحيات والحقوق فيما ظل القطب الثاني على مر التاريخ ايضاً مرتعاً عريضاً غاصاً باستمرار بالمظلومية والمكابدة والعسف ، ولم يكن العراق بعيداً عن ساحة التاريخ الواسعة لشعوب المنطقة وبالتالي الساحة التاريخية الأوسع لشعوب العالم، وإذ تطفو اليوم على سطح وعيه السياسي حصراً وليس الاجتماعي او الانساني قطعاً ، ظاهرة شاذة تكمن في ظهورها بذور خراب شامل يمكن له ان يطيح بكل منجزه الحضاري والإنساني العتيد، الا وهي ظاهرة الدوغمائية الطائفية.
ان الطائفية من وجهة نظر طوبوغرافية – تاريخية شأن لاغبار عليه اذ هي نتاج طبيعي لاختلاف وحهات النظر ودليل عافية لتعدد الطروحات والأفكار، غير ان الأمر غير الطبيعي وغير السوي هو التخندق السياسي – الطائفي من خلال واحدية الدوغمائية ورفضها الاخر ومن ثم قطع كل سبيل للحوار معه، وذلك يقتضينا ان نعود الى جدوى المنهج الجدلي الهيغلي ، اذ ان فهمه على الوجهة الصحيحة وجهة ان الاختلاف يؤدي الى الوحدة وليس للواحدية ان تخدم احداً حتى نفسها ، وان ما تؤدي اليه – بالحتم بالضرورة – وعبر اقصائها الاخر والغاء الحوار معه الى الضعف والوهن الحضاري وذلك بسبب التشرذم والتشتت الناتجين عن تشبثها المستميت بذاتها.
يشكل اندغام المقاصد السياسية بالمقدسات الفردية واحداً من الاعراض الخطيرة والعديدة المنتجة للطائفية السياسية اذ ان دوغمائية المقدس تتقاطع بل تتنافى مع تشكيل انساق براغماتية تقتضيها العملية السياسية، وهنالك عرض آخر من الاعراض المؤدية الى اصابة المجتمع بوبال الطائفية السياسية هو النظر الى التراث بعين التراث نفسه فيما يقتضي المنطق ان يقرأ التراث على وفق انساقه الحاضرة ، بل ينبغي استنباط ما يتوافق منه مع الانساق المستقبلية المراد اقامتها ، يقول محمد عابد الجابري (ان قراءة التراث قراءة تراثية ستجرنا حتما الى قراءة الحاضر قراءة تراثية أيضاً) وحينئذ سنغلق على الحاضر باسيجة سميكة وعالية لرؤية اية تطلعات مغايرة في المستقبل.
ان القضاء على فايروس الطائفية الدوغمائية يشترط على السياسي جملة من الاشتراطات لعل اهمها:
1- تبديد النظرة القاصرة للمناهج العلمانية بوصفها مناهج الحادية في الوقت الذي اقرت فيه اعتى المناهج العلمانية الحاداً شرعية الايمان كونه طقساً شخصياً ، وتشكل المناهج العلمانية بالاضافة الى ايمانها بالتعددية نظرة واقعية وعلمية في ذات الوقت لمفردات الواقع ومجرياته.
2- مغادرة المعطيات الكليانية السلفية الجامدة المستهلكة والتأسيس العملي لثقافة منتجة لا نساق معرفية مستقبلية.
3- تسليط الضوء على مراحل الاشعاع الحضاري في التاريخ العراقي والعربي والإنساني، وإعادة نشر التماعات الثقافة العراقية المبدعة في شتى مناحي الاداب والعلوم والفنون.
4- ترسيخ قيم الانتماء الى الوطن وتعميق مشاعر المواطنة ومنحها الاولوية المطلقة على أي انتماء آخر ، والتثقيف على دعم الانتماءات الاخرى سواء كانت سياسية او قومية او دينية للانتماء الاول للوطن.
ان ما يكفل تحقيق ما سلف يكمن في وجود حكومة تمتلك زمام السلطة التنفيذية على وفق اشتراطات محددات وطنية خالصة فوق الجهوية او القومية او المذهبية ، تحتكم في جميع قرارتها واعمالها الى سلطة تشريعية ممثلة للشعب وقانون يسنه دستور يجري التوافق عليه، وفيما عدا ذلك فان مصائر الشعب العراقي التي تقف اليوم على شفير هاوية بلا قرار، ستكون عرضة للتبدد والضياع والاندثار.