أيـــن نحـــن مـــن نــــاطحات النجوم؟

في الطريق الذي اسلكه أسبوعيا جيئة وذهابا بين البصرة والفاو, وفي المنطقة القريبة من المركز المهني (معهد الصناعة سابقا), في رقعة مهجورة يقال لها (كوت الحمداني), من ضواحي أبي الخصيب, جلبت انتباهي قرية صماء بكماء, لا تحمل لافتة تعريفية, رمتها الأقدار خارج حدود الحزام الأخضر (الأصفر), ظهرت فجأة فوق سطح الأرض الملتحفة بالملح, في هذه المنطقة الترابية المعزولة المتروكة. 

كانت القرية عجيبة التكوين, غريبة المعالم, فاقعة الألوان, قريبة الشبه من حيث الشكل والحجم بعلب الكبريت المبعثرة في مقاهي الأحياء الفقيرة, بدت وكأنها أنشئت على جناح السرعة, بمساحات وإبعاد تصلح لإيواء الكائنات الفضائية القادمة من كوكب الأقزام.  

 شطحت بي الظنون, وفشلت أكثر من مرة في محاولاتي غير المجدية للبحث عن المعايير الهندسية المعتمدة في تنفيذ مباني القرية, حتى ظننت أن الجهة المنفذة اختارت هذه التصاميم المُختَزلة, لتجعلها من الملامح السياحية الجديدة, التي يراد بها إضحاك الركاب المارين بالمنطقة, ويراد منها الترفيه عنهم وتسليتهم في هذا الطريق الصحراوي الممل, المزدحم بمحطات تعبئة الوقود. 

 لا يستطيع الناظر لبيوت هذه القرية أن يمسك أعصابه من شدة الضحك, فالتركيبة الهندسية العجيبة الغريبة لمساكن القرية المتقزمة توحي للناظر بانطباعات كوميدية ساخرة, سيما أنها تنفرد بملامح سريالية لا مثيل لها في عموم المدن العراقية, ولا في غابات الزولو والتوتسي. 

تتألف القرية من أكثر من (100) منزل, تبرعت بها إحدى منظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع المجلس البلدي المحلي, أكتمل بناء بعضها, وتم توزيعها بالمجان على العوائل العراقية المهجرة, في مبادرة (كريمة) لإسكان الناس, ومازالت المنازل غير المكتملة بانتظار المعجزة.  

 بيد أن (مكرمة) توزيع تلك المنازل على المهجرين مازالت منقوصة, ولم يتوفر للقرية الحد الأدنى من الخدمات حتى يومنا هذا, وظلت الدور المعزولة بلا ماء, ولا كهرباء, وليست فيها قنوات لتصريف المياه الثقيلة أو الخفيفة, ولا طرق خدمية ولا أرصفة, ولا أسواق, فلا فرق بينها وبين معتقلات الحروب, وثكنات الأسرى. 

يتألف كل منزل من صومعتين صغيرتين ضيقتين متداخلتين, بحجم أبراج الحمام الزاجل في الأحياء الشعبية, فالغرفة الواحدة بطول ثلاثة أمتار, وعرض (2.5), بحيث لا يزيد حجم القواطع المبنية في المنزل على حجم حاوية نمطية واحدة من الحاويات المخصصة لنقل البضائع البحرية, ولا تتوفر فيها مستلزمات الراحة, بل تكاد تكون من جالبات الهموم والأحزان. 

 لم يكن في نيتي التحدث عنها في كتاباتي الصحفية, حتى جاء اليوم الذي اطلعت فيه على النماذج الهندسية المرشحة لبناء ناطحات النجوم, وهو الجيل الذي سيحل محل ناطحات الغيوم, ولا مجال هنا للمناطحة بين ما توصلنا إليه من سقطات تقهقرية في هندسة بناء (جالبات الهموم), وبين آخر تقنيات الفضاء المستعملة في بناء (ناطحات النجوم).  

 تألقت اليابان, التي نهضت من رماد الحروب النووية الزلزالية, وفكرت بتنفيذ مشاريعها الهندسية المجنونة لبناء أول ناطحة نجوم بالعالم, يبلغ ارتفاعها أربعة كيلومترات, تشتمل على (800) طابق, وتتمدد قاعدتها على مساحة تقدر بضعف مساحة مدينة تكساس, وستكون الطوابق قادرة على استيعاب سكان البحرين وقطر كلهم من الأمراء وحاشيتهم إلى الجاليات الآسيوية المجنسة, أنها بناية واحدة تتسع للكل, وتتوفر فيها أفضل الخدمات الفورية, سيتم تشييدها في خليج طوكيو, على شكل هرم عملاق, بحجم جبل (فوجي) الشهير, أطلقوا عليه تسمية برج البذرة أكس, أي البذرة الرائدة (Tower X – Seed), ويُعد البرج من القفزات الهندسية المجنونة, لأنه يجنح في أبعاده وتصاميمه إلى مستويات خيالية, لم تصل إليها التقنيات الهندسية والمعمارية في كوكب الأرض حتى هذه الساعة. 

 انتهت اليابان من وضع اللمسات النهائية على التصاميم التفصيلية لهذا الكيان السكاني العملاق, ومن المرجح أنها ستقيمه على قواعد جبارة مثبتة في قاع البحر, وسيكون الهيكل مقاوما للأعاصير والهزات الأرضية, ومعتمداً على أشعة الشمس في تأمين احتياجاته من الطاقة النظيفة التي لا تنضب. أما مدة الانجاز فستكون في حدود ثلاثين عاماً فقط,  بمعنى أن بناء البرج سيكتمل عام 2040 , وهو العام الذي ستختفي فيه أنهار العراق وجداوله, وذلك في ضوء التحذيرات الدولية التي نشرتها المؤسسات الأوربية المعنية بالري. ما يعني أن المساكن المتقزمة, التي مر ذكرها, والتي أطلقنا عليها تسمية (جالبات الهموم), والتي لا تبعد كثيرا عن شط العرب ستكون من الشاليهات السياحية النموذجية التي سترتادها الأجيال المتبقية في العراق المتصحر بعد جفاف دجلة والفرات, والله أعلم.  

عصا موسى والنيل المصري

قيل أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك شعر بتهديده الجدي لمنصبه حين كان وزيراً لخارجية مصر لمدة تربو على العشر سنوات، فأزاحه عن طريقه بانقلاب ناعم، قاده إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، المنصب الذي يختزل كل الخلافات العربية، ليجملها بتوافقات هشة لا تلبث أن تتحول إلى حروب كلامية واقتصادية معلنة، إلا انه مسك عصاه السحرية من الوسط، فتمكن من إرضاء الجميع، أنه نصف عصا الايجابي، لكنه بالمقابل حظي بغضب الجميع، أنه النصف السلبي، أحد أهم امتيازات منصب الأمانة العامة للجامعة العربية.

أنه عمرو موسى، الذي يقول المصريون، أنه كان أشهر سياسي مصري، بعد أن أطلق عنه المطرب الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم أغنيته الشهيرة «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل»، ويقولون أيضاً، أن هذه الأغنية كانت سبباً مباشراً لغضب مبارك وخشيته من شعبية موسى وتطلعاته السياسية.

عمرو موسى الذي تعود اللعب على التناقضات، استشعر التغيير في مصر منذ بدء الاحتجاجات الشعبية، فحمل خبرة أكثر من خمسة عقود في العمل السياسي في حقيبته، وغادر الجامعة العربية، متهيئ لدور أكبر وأهم، أنه حلم موسى في رئاسة مصر، ذلك الحلم الذي يعتقد موسى، أن مبارك وأده قبل أن يرى النور، لكن أين مبارك الآن؟.. ومن هو المرشح الذي ينافس عمرو موسى بحنكته السياسية اعتلاء كرسي الرئاسة؟.

الرجل الذي يبدو واثقاً تماماً أنه رئيس مصر المقبل، يتطلع إلى النيل حيث مقر حملته بالجيزة المطل على ضفة النهر، حالماً بشق النهر الخالد بعصا خبرته، كما يتطلع إلى أن يطوي بر مصر بمشاكله الاجتماعية المتراكمة، فهو «رجل التناقضات» كما يصفه دبلوماسي خليجي عمل معه سنوات طوال في أروقة الجامعة العربية.

لم يطل صمت موسى على تسويف المجلس العسكري حول تسليم السلطة للمدنيين، ليعلن ما يشبه الأمر الرئاسي: ينبغي أن تجرى الانتخابات الرئاسية في نيسان المقبل، لأن ما يهم الآن هو أن يتمّ نقل السلطة في غضون الأسابيع القليلة المقبلة.

كما أنه لم يتوان في الدخول إلى حلبة الصراع القائمة في الساحة السياسية المصرية الآن، ليدخلها بقوّة متكئا على عصاه التي تحمل بين أليافها أيقونات الرضا المصري والعربي والإقليمي والأميركي.. أيضاً، ليعلن، إنه سيتصدى للفساد لتعزيز الاقتصاد وسيحافظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة وسيحترم معاهدة السلام مع إسرائيل وسيتعاون مع الإسلاميين الذين يسيطرون الآن على البرلمان؛ هذه رسائله الواضحة إلى الجميع، بكلِّ ما فيها من محاباة ونفاق سياسي وتوفيقية بين مختلف الأطراف، لكنه يحرث أمامه مساحات واسعة من الهيمنة على صنع القرار في حالة انتخابه للرئاسة، فهو يحيّد الجيش، بل يقصقص أجنحته قبل الشروع في خوض صراعات مراكز القوة، فيعلن في حوار صحفي، «سيكون الجيش أحد المؤسسات الأساسية في البلاد لكنه ليس منفصلاً بمعنى ألا يكون له وضع مستقل بذاته والبلاد لها وضع آخر».

هو يدخل على خط الأزمة بين المجلس العسكري المصري وواشنطن حول عمل المنظمات المدنية المدعومة أميركياً في مصر، وكعادته، لا يتخلى موسى عن عصاه، كما لم يغير من موضع مسكها، أنه الوسط دائماً، فيقول: «إن مصر كانت حسّاسة لعمل المنظمات غير الحكومية». لكنه وكعادته يضيف «هذا هو عصر المنظمات غير الحكومية. لا يمكننا أن ننكر أهميّة وجود المنظمات غير الحكومية في جميع أنحاء العالم».

إنّه عمرو موسى القادم إلى رئاسة مصر بعصا علمانية، لكنه مستعد أن يهش بها غنم الإسلاميين.

إنحــراف الثــورة … المعـــارضـة الســورية مثــالا

للنظام السوري الحالي معارضة من أيام حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع وقاد انقلابا عام 1970 بأسم حزب البعث السوري وأصبح رئيساً للجمهورية حتى توفي عام 2000

والمعارضة السورية التي يتقدمها الأخوان المسلمون مثلها مثل كل المعارضات في منطقتنا العربية والإسلامية لم تخرج من شرنقة الأنظمة الحاكمة ، فكانت حليفا لصدام حسين البعثي وصاحب التاريخ السيئ على كل المستويات ؟

ويتضح بؤس وإخفاق وتناقض المعارضة السورية تاريخيا من معارضتها لحافظ الأسد البعثي ، وتحالفها مع صدام حسين البعثي ، وتزاد المفارقة عندما نعرف أن الإخوان المسلمين ” الحزب الإسلامي ” في سورية يتبعون لتنظيم ألاخوان المسلمين المصري الذي تأسس عام 1928 والذي دخل في مواجهة مع عبد الناصر في الستينات حيث قام عبد الناصر بإعدام الشهيد سيد قطب أحد أبرز مفكري الإخوان المسلمين ما خلق هوة بين الأحزاب والتجمعات القومية في العالم العربي المتأثرة بشخصية جمال عبد الناصر بشكل عاطفي .

ومثلما تحالفت المعارضة السورية في أحداث عام 1982 في حماة مع صدام حسين في العراق مما أضعف قوتها في الشارع السوري وأضعف حجتها على المستوى الإسلامي لجهة تحالفها مع نظام دموي دكتاتوري أعدم علماء المسلمين من أمثال الشيخ الشهيد عبد العزيز البدري ، والمرجع المفكر الشهيد محمد باقر الصدر صاحب كتاب الأسس المنطقية للاستقراء الذي أكتشف فيه نظرية التوالد الذاتي لتفسير المعرفة البشرية ، بعد أن كانت تفسر بنظرية التوالد الموضوعي للمفكر الإغريقي ” أرسطو ” وبذلك أصبح محمد باقر الصدر هو المعلم الأول للمعرفة البشرية ، فلو لم يقم صدام حسين بارتكاب أية مجزرة ضد الشعب العراقي سوى قتل هذا العالم الموهوب عالميا لكفاه عارا أن يدخل التاريخ متلطخا بدماء أهل العلم وسدنة المعرفة البشرية ؟

وتناقضات المعارضة السورية من أحداث حماة عام 1982 الى أحداث عام 2011 هي التي أضعفت شعبيتها ، وأعطت للنظام السوري العلماني الذي يعتمد على الأجنحة الأمنية التي لا يمكن لعاقل أن يطمئن لإجراءاتها وتجاوزاتها على حرية المواطنين وحقوقهم ، ولكن الذي غطى عليها وجود قيادة سياسية حرصت على الوقوف الى جانب الحق الفلسطيني الذي يشكل القضية المركزية للصراع العربي الاسرائيلي ، مثلما حرصت على التمسك بخط ألاعتدال السياسي في المواقف والإحداث التي اجتاحت المنطقة وكانت سببا في إرباكها وإضعافها ما سمحت للتدخلات الخارجية التي انتهت باحتلال العراق ومن تلك الإحداث:-

1-  الحرب العراقية الإيرانية : التي لازال البعض يبدو مربكا غير قادر على النظر اليها بأفق ثقافي موضوعي ؟

2-  غزو واحتلال الكويت من قبل صدام حسين : العمل العبثي الجاهل الذي لا يرتكز على أي فهم ينتمي للوطنية العراقية أو للوحدة العربية أو للمشتركات الإسلامية .

3-  الانتفاضة الشعبانية عام 1991 ضد نظام صدام حسين التي استباحها بالدبابات والطيران الحربي وبمساعدة الأمريكيين بحيث قتل ما بين النجف وكربلاء ” 13000″ من المواطنين بعد فرض الحصار على مدينة النجف وكربلاء وأعطيت الأوامر للقوات العسكرية بقتل كل إنسان يجدونه في الشارع؟

4-  الحصار الاقتصادي المدمر للشعب العراقي ما بين عام 1991 – 2003

والنظام السوري الذي عارض الحرب العراقية الإيرانية ووقف ضد اجتياح الكويت، وساند القضية الفلسطينية ودعم المقاومة بشقيها الفلسطيني واللبناني ، وفتح أبوابه للمعارضة العراقية في السبعينات والثمانينات والتسعينات ، ثم أحتضن المهاجرين العراقيين بعد أحداث الإرهاب ما بين عام 2006- 2007- مثلما فتح أبوابه للهاربين من أحداث التغيير بعد 2003 التي كانت مصحوبة باحتلال العراق ، وهذا الحدث الأخير هو الذي جعل النظام السوري نتيجة التهديد الأمريكي له يفتح أراضيه للمجاميع الإرهابية التي كانت تدخل العراق من الأراضي السورية ، وتلك المجاميع كانت لتنظيم القاعدة الوهابي التي لا تكن ودا للنظام السوري ، والتي استغلت وجودها في الأراضي السورية فكونت لها خلايا وبؤرا تتزود بالمال السعودي والخليجي ما فتح شهية أوردغان التركي على التنسيق السري مع ألأمريكيين والإسرائيليين على القيام باستبدال النظام السوري بالإخوان المسلمين والسلفيين المخترقين من قبل تنظيم القاعدة الذي نال موافقة الأمريكيين والإسرائيليين على أن يكون هو حصان طروادة في المنطقة لتفكيكها وأضعافها لصالح الكيان الاسرائيلي ؟

ولقد كتبنا وقلنا في وقتها ومنذ العام 2004 أن النظام السوري يمارس خطأ بسماحه لمرور الإرهاب من أراضيه ضد العراق وبذلك ينطبق عليه المثل :” على نفسها جنت براقش ” ؟

واليوم عندما تقوم المعارضة السورية بالأعمال التالية :-

1-  القتل على الهوية في حماة وحمص

2-  فرض إغلاق المحلات على المواطنين بالقوة .

3-  حرق دواليب السيارات فوق أسطح المنازل لتدعي بقيام الجيش السوري بالقصف على منازل المواطنين .

4-  إحراق مسجد في الرستن وقتل من فيه .

5-  عمليات اغتيال الكفاءات السورية .

6-  التنسيق مع قناة الجزيرة والعربية التي أنفضح أمرها لدى المشاهد في المنطقة من جراء تنسيقها مع الكيان الصهيوني ؟

7-  المطالبة بالتدخل الأجنبي في سوريا ؟

8-  إعلان الكيان الصهيوني رضاه عما تقوم به المعارضة السورية يكشف سبب فقدانها للتأييد الشعبي السوري .

9-  فشل الجامعة العربية في الالتزام بتقرير رئيس بعثة المراقبين العرب أضعف موقف المعارضة السورية .

10- انكشاف علاقة المعارضة السورية لاسيما المعارضة في الخارج بقطر والسعودية وتركيا من خلال مجلس إسطنبول وضعها في طريق الخيانة الوطنية ؟

11- قيام أمريكا والأوربيين  بالانزعاج من الفيتو الروسي والصيني في جلسة مجلس الأمن الأخيرة ، جعل المعارضة السورية في الخارج تفقد صوابها فتبيع الوطن السوري لأهواء ومزاج الممولين العرب والداعمين للأمن الاسرائيلي؟

كل هذه المواقف جعلت أغلب الشارع السوري يقف مع النظام السوري والتظاهرات الحاشدة في شوارع وساحات الوطن السوري ، مع تماسك الجيش السوري ووقوف الحواضن الدينية من إسلامية ومسيحية مع النظام ، مع إقبال النظام على مشروع الإصلاحات وإصرار معارضة الخارج على رفض الحوار من النظام جعل المعارضة تسقط في فخ الحواضن الأجنبية وهذا هو سبب انحرافها ؟

أيـــن نحـــن مـــن نــــاطحات النجوم؟

في الطريق الذي اسلكه أسبوعيا جيئة وذهابا بين البصرة والفاو, وفي المنطقة القريبة من المركز المهني (معهد الصناعة سابقا), في رقعة مهجورة يقال لها (كوت الحمداني), من ضواحي أبي الخصيب, جلبت انتباهي قرية صماء بكماء, لا تحمل لافتة تعريفية, رمتها الأقدار خارج حدود الحزام الأخضر (الأصفر), ظهرت فجأة فوق سطح الأرض الملتحفة بالملح, في هذه المنطقة الترابية المعزولة المتروكة. 

كانت القرية عجيبة التكوين, غريبة المعالم, فاقعة الألوان, قريبة الشبه من حيث الشكل والحجم بعلب الكبريت المبعثرة في مقاهي الأحياء الفقيرة, بدت وكأنها أنشئت على جناح السرعة, بمساحات وإبعاد تصلح لإيواء الكائنات الفضائية القادمة من كوكب الأقزام.  

 شطحت بي الظنون, وفشلت أكثر من مرة في محاولاتي غير المجدية للبحث عن المعايير الهندسية المعتمدة في تنفيذ مباني القرية, حتى ظننت أن الجهة المنفذة اختارت هذه التصاميم المُختَزلة, لتجعلها من الملامح السياحية الجديدة, التي يراد بها إضحاك الركاب المارين بالمنطقة, ويراد منها الترفيه عنهم وتسليتهم في هذا الطريق الصحراوي الممل, المزدحم بمحطات تعبئة الوقود. 

 لا يستطيع الناظر لبيوت هذه القرية أن يمسك أعصابه من شدة الضحك, فالتركيبة الهندسية العجيبة الغريبة لمساكن القرية المتقزمة توحي للناظر بانطباعات كوميدية ساخرة, سيما أنها تنفرد بملامح سريالية لا مثيل لها في عموم المدن العراقية, ولا في غابات الزولو والتوتسي. 

تتألف القرية من أكثر من (100) منزل, تبرعت بها إحدى منظمات المجتمع المدني بالتنسيق مع المجلس البلدي المحلي, أكتمل بناء بعضها, وتم توزيعها بالمجان على العوائل العراقية المهجرة, في مبادرة (كريمة) لإسكان الناس, ومازالت المنازل غير المكتملة بانتظار المعجزة.  

 بيد أن (مكرمة) توزيع تلك المنازل على المهجرين مازالت منقوصة, ولم يتوفر للقرية الحد الأدنى من الخدمات حتى يومنا هذا, وظلت الدور المعزولة بلا ماء, ولا كهرباء, وليست فيها قنوات لتصريف المياه الثقيلة أو الخفيفة, ولا طرق خدمية ولا أرصفة, ولا أسواق, فلا فرق بينها وبين معتقلات الحروب, وثكنات الأسرى. 

يتألف كل منزل من صومعتين صغيرتين ضيقتين متداخلتين, بحجم أبراج الحمام الزاجل في الأحياء الشعبية, فالغرفة الواحدة بطول ثلاثة أمتار, وعرض (2.5), بحيث لا يزيد حجم القواطع المبنية في المنزل على حجم حاوية نمطية واحدة من الحاويات المخصصة لنقل البضائع البحرية, ولا تتوفر فيها مستلزمات الراحة, بل تكاد تكون من جالبات الهموم والأحزان. 

 لم يكن في نيتي التحدث عنها في كتاباتي الصحفية, حتى جاء اليوم الذي اطلعت فيه على النماذج الهندسية المرشحة لبناء ناطحات النجوم, وهو الجيل الذي سيحل محل ناطحات الغيوم, ولا مجال هنا للمناطحة بين ما توصلنا إليه من سقطات تقهقرية في هندسة بناء (جالبات الهموم), وبين آخر تقنيات الفضاء المستعملة في بناء (ناطحات النجوم).  

 تألقت اليابان, التي نهضت من رماد الحروب النووية الزلزالية, وفكرت بتنفيذ مشاريعها الهندسية المجنونة لبناء أول ناطحة نجوم بالعالم, يبلغ ارتفاعها أربعة كيلومترات, تشتمل على (800) طابق, وتتمدد قاعدتها على مساحة تقدر بضعف مساحة مدينة تكساس, وستكون الطوابق قادرة على استيعاب سكان البحرين وقطر كلهم من الأمراء وحاشيتهم إلى الجاليات الآسيوية المجنسة, أنها بناية واحدة تتسع للكل, وتتوفر فيها أفضل الخدمات الفورية, سيتم تشييدها في خليج طوكيو, على شكل هرم عملاق, بحجم جبل (فوجي) الشهير, أطلقوا عليه تسمية برج البذرة أكس, أي البذرة الرائدة (Tower X – Seed), ويُعد البرج من القفزات الهندسية المجنونة, لأنه يجنح في أبعاده وتصاميمه إلى مستويات خيالية, لم تصل إليها التقنيات الهندسية والمعمارية في كوكب الأرض حتى هذه الساعة. 

 انتهت اليابان من وضع اللمسات النهائية على التصاميم التفصيلية لهذا الكيان السكاني العملاق, ومن المرجح أنها ستقيمه على قواعد جبارة مثبتة في قاع البحر, وسيكون الهيكل مقاوما للأعاصير والهزات الأرضية, ومعتمداً على أشعة الشمس في تأمين احتياجاته من الطاقة النظيفة التي لا تنضب. أما مدة الانجاز فستكون في حدود ثلاثين عاماً فقط,  بمعنى أن بناء البرج سيكتمل عام 2040 , وهو العام الذي ستختفي فيه أنهار العراق وجداوله, وذلك في ضوء التحذيرات الدولية التي نشرتها المؤسسات الأوربية المعنية بالري. ما يعني أن المساكن المتقزمة, التي مر ذكرها, والتي أطلقنا عليها تسمية (جالبات الهموم), والتي لا تبعد كثيرا عن شط العرب ستكون من الشاليهات السياحية النموذجية التي سترتادها الأجيال المتبقية في العراق المتصحر بعد جفاف دجلة والفرات, والله أعلم.  

روس بوتين وروسيا بلا بوتين

لا جدال في حق فلاديمير بوتين في فترة رئاسية ثالثة، تفصل بينها وبين الفترتين الماضيتين، فترة رئاسة ميدفيدف، كان خلالها بوتين رئيساً لروسيا، لكنه يمارس صلاحياته من موقع رئيس الوزراء، في لعبة سياسية انتخابية، أطلق عليها المحللون السياسيون لعبة تبادل الأدوار بين الرجلين، لا جدال في ذلك، طالما يضمنه الدستور الروسي، ولكن لا جدال أيضاً في حقّ شرائح واسعة من الشعب الروسي برفض هذه الهيمنة على الشخصية التي امتدت لاثني عشر عاماً على القرار الروسي، خاصة عندما يرتبط هذا الرفض بالتشكيك بنزاهة الانتخابات التي أُجريت في الرابع من كانون الأول الماضي، التي فاز فيها حزب بوتين وتمهد لفوزه الرئاسي في آذار المقبل.

معارضو بوتين يتحدّونه، كما يتحدّون موجة البرد القارس التي أودت بحياة الآلاف في أوربا، يقولون إنهم مستمرون بالاحتجاجات حتى تعاد الانتخابات التي يزعمون أن ثمة تلاعباً بنتائجها أدى إلى فوز حزب بوتين، أنه غضب شعبي من نوع آخر، غضب ديمقراطي، لا يدمر الممتلكات العامة، ولا يرفع فيه السلاح، ولا مظاهر للبلطجية والشبيحة، المافيا الروسية على الحياد، والشعارات المطروحة دقيقة وبسيطة وواضحة: «روسيا بلا بوتين» و»اعيدوا لنا الانتخابات».

الرجل الذي يصفه خصومه بـ»الحيوان السياسي» الذي يلتهم من يقف بطريقه بسهولة وتلذّذ، له مريدوه أيضاً، وهؤلاء لم يركنوا إلى الصمت وسط ضجيج المعارضين، بل نظموا مسيرات تأييد حاشدة، وسط الأجواء الجليدية أيضاً، هم روس أيضاً، لكنهم روس بوتين الذين يرون فيه بطلاً قومياً من نوع آخر، بطلاً، أعاد لروسيا مكانتها العالمية، واستعاد أمجاد القياصرة والشيوعيين على حدٍّ سواء، هؤلاء يذكرون أولئك بسلبية بوريس يلتسين الذي أصبحت روسيا في عهده، مجرد شجرة يابسة في القرية الكونية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها في تسلسل التأثير الدولي، الصين واليابان والهند. هذا استثناء واضح كما ترون لأوربا، ربما بفعل تبعية حلف الناتو لواشنطن أيضاً، أليست القوة هي من يقرر حجم الحقّ؟ دعونا نتذكر وسط ضجيج الجليد الروسي قول شاعرنا المنسي بلند الحيدري «الملكُ أساسُ العدلِ، أنْ تُملُكَ سكّيناً، تملكُ حقّك في قتلي». 

هل هو استقراء مبكر لعالم القطب الواحد وحقبة الحرب الباردة؟ لكن من قال أن الحرب الباردة وضعت أوزارها؟.

بوتين عائد للكرملين في الرابع من آذار المقبل، وسط احتجاجات لم تكن متصورة قبل أشهر عديدة، قد تكون عودته متضرّرة بفعل حجم الاحتجاجات التي سبقتها، بل قد تكون الاحتجاجات مصاحبة أيضاً لعودته، في هذه الحالة سيزداد التهديد الذي تواجهه شرعية بوتين حتى رغم أن المعارضة ليست سوى جماعات متّحدة بشكل فضفاض وتضم مجموعات مختلفة مثل القوميين واليساريين والليبراليين وأنصار البيئة، لكن درجة الحرارة التي رافقت المحتجين والتي وصلت إلى 22 درجة تحت الصفر، تشي بسخونة القادم من شكل الاحتجاجات.

«نحن نواجه نضالاً صعباً طويلاً ضد أوغاد ولصوص قساة. إنّه ماراثون يتعين علينا كسبه»، هكذا يصرخ السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، لكن مناصري بوتين يصرخون أيضاً، إنه رجل المرحلة، دعوه يعمل، دعوه يمر.

لا أكـذب… ولا أتجمل

 بدءا أقر وأعترف بأن عنوان هذا المقال ليس له علاقة برواية الراحل إحسان عبد القدوس (أنا لا أكذب،، ولكني أتجمل) ذلك الكاتب الذي ناصر قضية (حواء) بالوقوف الى جانبها في السراء والضراء وبالضد من حبيب الروح (آدم) الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته كما يقول المثل المصري، على حد كثرة تكراره في المسلسلات والافلام العربية،، بحيث أضحى ينطبق كثيرا على حياة أخوتنا في مصر الكنانة،، بعد اطاحتهم الحقيقية والمباركة بتنحي مبارك،، وكم تبدو أثار تلك الحقيقة واضحة -ايضا- بوضوح عبارة (حرب الجميع ضد الجميع) التي تختصر واقع مجريات الربيع العربي منذ إندلاع شرارة موجة الغضب الأولى-قبل عام تقريبا- في تونس الخضراء بان حرق ( بائع الخضار-محمد البوعزيزي-) نفسه تحت وطأة الاحساس الطاغي بالظلم ولعنة الحاجة التي دفعت به للإقدام على الانتحار بأن شعل (صعادات) ثورات غضب عارمة في سموات وساحات ميادين التحرير،، رغم أن تلك الدول كانت حبلى بروح رفضها للواقع الذي كانت تحياه منذ عقود ووعود وكلام معسول وعهود كما يرد في أغنية أم كلثوم (للصبر حدود).

 وبعد ما حدث عقب انقلابات تسمى ثورات رتبت أوضاعها أول الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) وأخوته (اليوتويب – وتويتر) وسرعان ما تحولت الى أعمال عنف وقذف وحذف من قوائم الموجود على كراسي الحكم ومناصب السلطة وسرقات وملفات فساد وتفاقمت الأحوال الى قاتل ومقتول وتتدخل من تتدخل وتغلغل من تغلغل في تغيير مسارات وشكل ولون وطعم تلك الثورات قبل اللجوء الى القانون في حل وحسم القضايا لصالح مستقبل أفضل،، يبشر ويؤمن لحياة تستحق هذا النضال الذي ستبقى الشعوب العربية  تدور حوله ولا تصل اليه،، لأنها لم تزل غير قادرة على نقد ماضيها بروح الصراحة والابتعاد عن المجاملة وتصديق الأكاذيب التي تطلقها الأنظمة حال تسلم مقود السلطة،، لتتخلى عن وعودها وعهودها في أنسب لحظات الهروب بالتسويغ والتدويخ والتغليس حين تتفنن بوضع أغلى مساحيق التجميل الزائف بوطنية مدهونة بمراهم ومرطبات ومنعشات بشرة الحرص الأمثل الذي يتحول – بمرور الوقت والزمن- الى كدمات وندب وأورام في وجوه وقلوب وضمائرالجماهير،، بل الموت -أحيانا- أن تجاسرت وطالبت  بأبسط حقوقها،، والأمثلة كثيرة على صحة ما  نصبو ونريد،، منها القريب ومنها البعيد،، ولكي لا نزيد نفخا في قربة مثقوبة خشية ان نموت قهرا وحسرة من تكرار ما مر ويمر على بعض الدول التي غمرتها نسائم (الدنيا ربيع.. والجو بديع) سنقفل على كل (المواضيع) بمثل أفريقي يقول: ( إذا أتحد أفراد القطيع،، نائم الأسد جائعا)  مو صح.. يا جماعة الخير؟! 

المنســــيات.. البـــطالــة اولا !!

في مجريات التدافع الحاصل في الحكم وفي العملية السياسية في العراق تطفو على سطح الأحداث مسائل لا تعتبر هما شعبيا وما لا يعتبر هما شعبيا في حكومة جاءت عبر عملية انتخابية يسلب منها مصداقيتها التمثيلية، وما لا يعتبر هما شعبيا عند أحزاب السلطة يسقط مدعياتها في العلاقة بالمواطنين الذين يشكلون القاعدة الشعبية التي تعتمل فيها مشاعر الرضا والسخط. 

ومن المظاهر التي تطفو على سطح الأحداث هي:-

1- الخلافات الحزبية.

2- الخلافات الحكومية.

3- الخلافات النيابية.

4- الخلافات مع دول الجوار.

5- الخلافات بين مجالس المحافظات.

أما الحالات المنسية وهي حاجات أساسية تلامس الواقع المعيشي للمواطنين فهي مغيبة حد النسيان وهي: 

1- البطالة ولاسيما بطالة الخريجين.

2- الزراعة ومسائلها.

3- الصناعة وشؤونها.

4- ظاهرة الفقر والعوز وتدني الدخول.

5- ظاهرة الأيتام.

6- ظاهرة الأرامل.

7- ظاهرة تدهور البنية التحتية.

8- ظاهرة عدم احترام المواطن من قبل دوائر الدولة.

9- ظاهرة استمرار سرقات المشاريع.

10- ظاهرة استمرار المحاصصة.

11- استمرار وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب.

12- استمرار المخالفات الدستورية.

هذه القضايا على حساسيتها وخطورتها إلا أنها تبدو في المشهد السياسي والحكومي جزءا منه، منسية، وهناك تعمد على نسيانها لمصالح حزبية وفئوية، ومن اهم تلك القضايا: “قضية البطالة” والبطالة في العراق اليوم تنقسم الى:-

1- بطالة حقيقية: وهي عدم وجود عمل يساهم في عجلة الإنتاج وهي على قسمين:-

ا‌- بطالة الخريجين.

ب‌- بطالة غير الخريجين.

2- بطالة غير حقيقية “مقنعة” وهي بطالة الفئات التالية:

ا‌- بطالة اغلب الموظفين ولها أسباب:-

1- نتيجة التخمة الوظيفية.

2- نتيجة الفوضى الإدارية.

3- نتيجة فقدان التخطيط في دوائر الدولة للقوى العاملة.

4- نتيجة ضعف المسؤولين عن الإدارة.

5- نتيجة تدني منظومة القيم في الشخصية.

ب‌- بطالة اغلب الفلاحين في القطاع الزراعي.

ت‌- بطالة اغلب أصحاب المهن الأهلية.

وللبطالة تأثيرات منها:-

1- آثار نفسية.

2- آثار اقتصادية.

3- آثار اجتماعية وتنعكس على:-

1- الأسرة نتيجة الضيق المالي وعدم القدرة على تلبية المطالب الحياتية .

2- كثرة المشاكل والمعاكسات والمشاكسات من قبل الشباب الذي يعاني من البطالة وهي ترجع للأسباب النفسية.

3- تدني مستوى النمو الاسري والاجتماعي الذي يعاني من البطالة.

4- تدني المستوى الثقافي : لان من لايجد علا يدر عليه رزقا لايستطيع الحصول على الكتاب والمجلة والجريدة او الكومبيوتر والانترنيت .

5- اثار سياسية : فكثرة البطالة تنعكس على الحياة السياسية من حكومية وحزبية ومنظمات وهيئات، فتجد نفسها غير قادرة على تلبية مطالب البطالة بشكل قانوني فتبدا لدى البعض طرقا واساليبا فيها الكثير من الالتواء مما يجعل الوضع السياسي مملوءا بالكثير من الشوائب .

اما الاثار النفسية للبطالة فهي :-

1- تحرك مشاعر الغيرة تجاه العاملين .

2- تحرك مشاعر الحسد تجاه الآخرين.

3- تحرك وتنمي مشاعر الحقد والكراهية تجاه المجتمع .

4- تكون مصدرا للإحباط والكآبة.

5- تكون مصدرا للتوتر والقلق وعدم الاستقرار. 

أما الآثار الاقتصادية فهي:-

1- تدني مستوى دخل الافراد والاسر الذين يعانون البطالة.

2- تدني مستوى الدخول الوطنية للمجتمع. .

3- تواجه الدولة ضغطا مستمرا من رعاياها نتيجة الحاجة الاقتصادية.

4- تدني مستوى النمو المصرفي في قطاع البنوك. 

5- تدني مستويات القدرة على الاستثمار. 

ومن ملاحظة تعدد اثار البطالة، نعلم ونعرف خطورة هذه الظاهرة ولماذا تتحول الى مرض اجتماعي تسعى الدول والشعوب للتخلص منها او التخفيف من اثارها، ومن الملفت للنظر انه بعد تسع سنوات من التغيير لم تبدا عندنا مشاريع حقيقية للاستثمار مثل:-

1- معامل صغيرة للمعلبات في المحافظات وموادها الاولية متوفرة في العراق مثل :-

ا‌- معلبات معجون الطماطة.

ب‌- معلبات الأسماك.

ت‌- معلبات اللحوم.

ث‌- معلبات العصائر المختلفة

ج‌- مصانع المناديل الصحية “كلينس”.

ح‌- مصانع الألبان والحليب. 

خ‌- مصانع الثلج الصحي. 

د‌- مصانع المشروبات الغازية.

ذ‌- مصانع تكرير وتعقيم المياه. 

ر‌- مصانع بلاستيكية.

هذه وغيرها مما لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة كان بالإمكان المبادرة لإنشائها لامتصاص الأيدي العاملة من الخريجين وغيرهم مما يجعل البطالة في الحد الأدنى ان لم نقل تتلاشى.

شرف المهنة!

في عام يعود الى النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، تلقيت دعوة من مدير عام التربية لمرافقته مع وفد كبير من الإدارات المدرسية، وذلك لزيارة احدى المدارس، وكان الهدف – كما اخبرني عند لقائي الشخصي معه – ان هذه المدرسة يقودها مدير مخضرم وقدير، استطاع تحويل مدرسته الى مؤسسة نموذجية، وخاصة في مجال الاعمار والترميم والصيانة، وتقارير المشرفين التربويين جميعها تشيد بجهوده الشخصية وسياسته الحكيمة وقيادته الناجحة، ولهذا رأيت أن نقوم بهذه الجولة لزيارته، والتعرف على انجازاته، والأهم هو  (نقل تجربته الرائدة الى المدراء الآخرين الذين تم تعيينهم حديثا، وما زالوا قليلي الخبرة) ، وتحدث الرجل حديثا مملا بالمعنى نفسه، ثم وصل الى النقطة الرئيسة التي دعاني من اجلها (وأنت طبعا من الإعلاميين الكبار الذين احترم قلمهم، ومقالاتك مقروءة، ولذلك حرصت على ان تكون معنا، وترى بنفسك، وتكتب ما يمليه عليه ضميرك، ولعل ما ذكرته هنا لا يساوي عشر ما تكلم به المدير من إطراء ومديح، وطلب مني أخيرا بما يشبه الرجاء أن اكتب (تحقيقا دسما) على حد تعبيره حول فعالية مديريته وسعيها الدؤوب لتبادل الخبرات ونقل التجارب ويبدو انه نسي حكاية ما يمليه عليه ضميري!!

الحقيقة لم أعر بالا لتلك المحاضرة التي اعتدت على سماع الكثير منها، اينما اجريت تحقيقات صحفية في دوائر الدولة، ولكن الذي استرعى اهتمامي، هي الفترة الأخيرة (وبالتأكيد سوف لن أنسى تعاونك معنا بعد نشر التحقيق، أما الان فأرجو قبول هذه الهدية المتواضعة مقدما!!) ، وكانت الهدية (50) الف دينار، وهو مبلغ يعادل خمسة اضعاف راتبي في الجريدة!

كان قلبي يخفق وأنا اعتذر عن قبول الهدية، واقسمت بشرف المهنة على رفضها، ولكن الرجل سبقني في اليمين بشرفه، وشرف المسؤول لديه حصانة، وجل ما كنت اخشاه في تلك اللحظات العصيبة، ان يصدق الرجل قسمي الكاذب، وهكذا مرت المحنة بسلام، ووضعت المبلغ في جيبي على استحياء مفتعل، وفي الوقت المحدد للجولة، انطلق موكبنا، وقمنا بزيارة المدرسة ومديرها الذي تفاجأ بنا، ولكن مفاجأتنا كانت اعظم، فلم نقف على باب أو سياج أو شباك أو ساحة أو ارضية، إلا وقد عاشرها التعب، وطلب منه مدير التربية وهو ممتعض من الصورة المزرية أن يتحدث عن تجربته، وأشهد ان مدير المدرسة كان رجلا شجاعا وصريحا، فقد قال ما معناه (لقد أبلغت السادة المشرفين التربويين بمعاناة المدرسة وحاجتها الى ترميم السقف وطلاء الجدران وتصليح الرحلات والزجاج ، ورفعت الى مديرية التربية تسعة كتب رسمية، ولكن احدا لم يستجب، ولهذا قمت والله العظيم بتصليح حنفيات الماء من جيبي) ثم ختم حديثه، (أنا أعتذر إذا كانت تجربة مدرستنا مخجلة، ولكن هذا هو واقع الحال) ، وعلى عجل أنهى مدير التربية الزيارة، وهو في قمة الاحباط ، وفي اليوم الثاني استدعاني بصورة شخصية كذلك، وقدم لي هدية جديدة مقدارها (75) الف دينار، فأعتذرت وقلت له (التحقيق لم يكتب ولم ينشر إلى الان) ابتسم الرجل بلطف ورّد عليّ: هذا المبلغ يا صديقي الإعلامي، لكي تتخلى نهائيا عن فكرة كتابته ونشره، ولابد إن مبلغ (152) ألف دينار في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي  كانت أهم بكثير من شرف المهنة!! تنويه: الحياة تعج بحكايات مماثلة لهذه التجربة، والكاتب غير مسؤول عن أي تشابه قد يحصل من باب المصادفة، لذا اقتضت الإشارة!!

مصر.. بين الانتقالية والانتقائية والانتقامية

من هو المسؤول عن تخريب مصر إلى هذا الحد؟؟, ومن الذي كتب سيناريوهات المواجهات المسلحة في ملاعب بورسعيد؟, وما ذنب بورسعيد حتى تتحمل وحدها نتائج العنف والشغب وتتلقى العقوبات من غير ذنب؟, وهل الأصابع الخارجية هي الشماعة الجاهزة لتبرير الصراع السياسي الداخلي؟, وإذا كان الأمر كذلك فما هو دور المشير طنطاوي وجنوده في التصدي للمؤامرة؟, وهل القوى الداخلية المختبئة هي التي تلعب بالنار وتثير الغبار؟, وإذا كان عناصر الشرطة هم الذين تعرضوا للضرب بالذخيرة الحية فمن هو الذي كان يمسك السلاح ويطلق النار على الجيش والشرطة, ويرتكب المجازر الانتقائية ثم يختفي في رابعة النهار من غير أثر؟. وهل القوى الخفية التي تعمل في السر, هي الذراع الانتقامي للخلايا النائمة التي تعمل لحساب ورثة الرئيس المخلوع؟.

 كان الصراع الشعبي في مصر يغلي في قدور الطوائف المتناطحة, حتى فاحت روائحه بين الأقباط والمسلمين, ثم انتقل الصراع ليغلي في قدور الشعب والبلطجية, وجاءت واقعة الجمل لترسم صورة بشعة للصراع بين السلطة المنهارة والجماهير المحتارة, ثم اندلعت الاشتباكات المسلحة في ملاعب بورسعيد, التي لم تعد تشعر بالسعادة, وربما ينتقل الصراع ليتفجر في جبهات التجمعات السكانية بين (الصعيد) و(دمياط), أو بين (وجه قبلي), و(وجه بحري)..

 ارتبط (الإخوان) برابطة الإخوة والتآخي مع العم طنطاوي ومجلسه العسكري, وعقدوا العزم على ترتيب إجراءات المرحلة الانتقالية, في حين راحت بعض العناصر المسلحة تعد العدة لخوض المرحلة التعبوية الانتقامية, فتأرجحت (الانتقائية) بين (الانتقالية), و(الانتقامية), وباتت هي الكابوس الجاثم على صدور الناس في مصر, وهي الخيار المتاح لطنطاوي و(أخوانه) في التعامل المريب مع الشعب, فهم يتحدثون بلسان طليق عن المرحلة الانتقالية, لكنهم سرعان ما يلجئون إلى استخدام العصا الغليظة والتلويح بها للانتقام من القوى المعارضة, ثم يعودون لانتقاء الحلول الترقيعية التوفيقية المتوافقة مع متطلبات التسويف والمماطلة.

يقول المثل المصري: (اسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب), فلطالما تحدث المجلس العسكري عن اختزال إجراءات المرحلة الانتقالية, لكنه يميل في الوقت نفسه الى التنفيس عن هواياته المفضلة في ممارسة البطش والتنكيل والتعسف, فوقع على رأسه في تناقض عجيب بين التشدق في الأقوال والتطرف في الأفعال, وبين التسويف والتخويف, فبين هذا وذاك تقبع الرغبات المكبوتة, وتكمن المخططات المدروسة, وربما يتزعم العم طنطاوي حركة (حراس المحروسة) فيضع البلاد والعباد تحت رحمة العسكر, ويسقي الجنود من رحيق الخلود, ويبقى الحال على ما هو عليه, وكأنك يا أبو زيد لا رحت ولا جيت, فيتمدد حكم الجيش, وتعود الأمور الى سابق عهدها. وتستمر عجلة التوريث من اللواء محمد نجيب الى المشير طنطاوي, مرورا بكل القادة من صنف المشاة وسلاح الجو والبحرية, فلا مكان للديمقراطية في أصحاب العقول المشفرة, الذين تدربوا على إصدار الأوامر المشددة, وحرصوا على تنفيذها بالقوة, وآمنوا بتطبيق منطق التفوق العسكري على عدالة الحكم المدني, ومكانك سر, إلى الوراء در, فلن يتنازل المجلس العسكري عن سلطته بهذه البساطة حتى يضمن سيادته الدستورية, ويستحوذ على حصة الأسد من ميراث المحروسة.

 وحتى يتحقق حلم الجنرال أبو العباس السفاح, ويتحكم برقاب الناس, تبقى الفرصة متاحة لأحباب الزعيم المخلوع لكي يفتعلوا الأزمات, ويشنوا الغارات وسط الحشود الجماهيرية المتجمعة في الملاعب والمصانع والساحات.

لا أمل لمصر المحروسة إلا بعودة الجيش إلى ثكناته, وإلا بتخليهم عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية منتخبة, غير متطرفة, ولا متعصبة, ولا متشنجة, ولا متحيزة. وإلا باللجوء إلى المحاكم العرفية لمحاسبة المجرمين والقتلة على وجه السرعة, ومن دون تأخير ولا تأجيل ولا مماطلة, وإلا بفرض الإقامة الجبرية على العمة (سوزان), ووضع القيود على نشاطاتها المريبة, وإلا بتبني قواعد صارمة تحد من تحركاتها, وتكبح رغباتها الموتورة, وتردع تطلعاتها الانتقامية المسعورة.

وبخلاف ذلك سنشاهد المزيد من الأحداث الدامية, وستستمر مصر بالتأرجح بين الأوضاع الانتقالية والانتقائية والانتقامية… 

والله يستر من الجايات. 

روس بوتين وروسيا بلا بوتين

لا جدال في حق فلاديمير بوتين في فترة رئاسية ثالثة، تفصل بينها وبين الفترتين الماضيتين، فترة رئاسة ميدفيدف، كان خلالها بوتين رئيساً لروسيا، لكنه يمارس صلاحياته من موقع رئيس الوزراء، في لعبة سياسية انتخابية، أطلق عليها المحللون السياسيون لعبة تبادل الأدوار بين الرجلين، لا جدال في ذلك، طالما يضمنه الدستور الروسي، ولكن لا جدال أيضاً في حقّ شرائح واسعة من الشعب الروسي برفض هذه الهيمنة على الشخصية التي امتدت لاثني عشر عاماً على القرار الروسي، خاصة عندما يرتبط هذا الرفض بالتشكيك بنزاهة الانتخابات التي أُجريت في الرابع من كانون الأول الماضي، التي فاز فيها حزب بوتين وتمهد لفوزه الرئاسي في آذار المقبل.

معارضو بوتين يتحدّونه، كما يتحدّون موجة البرد القارس التي أودت بحياة الآلاف في أوربا، يقولون إنهم مستمرون بالاحتجاجات حتى تعاد الانتخابات التي يزعمون أن ثمة تلاعباً بنتائجها أدى إلى فوز حزب بوتين، أنه غضب شعبي من نوع آخر، غضب ديمقراطي، لا يدمر الممتلكات العامة، ولا يرفع فيه السلاح، ولا مظاهر للبلطجية والشبيحة، المافيا الروسية على الحياد، والشعارات المطروحة دقيقة وبسيطة وواضحة: «روسيا بلا بوتين» و»اعيدوا لنا الانتخابات».

الرجل الذي يصفه خصومه بـ»الحيوان السياسي» الذي يلتهم من يقف بطريقه بسهولة وتلذّذ، له مريدوه أيضاً، وهؤلاء لم يركنوا إلى الصمت وسط ضجيج المعارضين، بل نظموا مسيرات تأييد حاشدة، وسط الأجواء الجليدية أيضاً، هم روس أيضاً، لكنهم روس بوتين الذين يرون فيه بطلاً قومياً من نوع آخر، بطلاً، أعاد لروسيا مكانتها العالمية، واستعاد أمجاد القياصرة والشيوعيين على حدٍّ سواء، هؤلاء يذكرون أولئك بسلبية بوريس يلتسين الذي أصبحت روسيا في عهده، مجرد شجرة يابسة في القرية الكونية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها في تسلسل التأثير الدولي، الصين واليابان والهند. هذا استثناء واضح كما ترون لأوربا، ربما بفعل تبعية حلف الناتو لواشنطن أيضاً، أليست القوة هي من يقرر حجم الحقّ؟ دعونا نتذكر وسط ضجيج الجليد الروسي قول شاعرنا المنسي بلند الحيدري «الملكُ أساسُ العدلِ، أنْ تُملُكَ سكّيناً، تملكُ حقّك في قتلي». 

هل هو استقراء مبكر لعالم القطب الواحد وحقبة الحرب الباردة؟ لكن من قال أن الحرب الباردة وضعت أوزارها؟.

بوتين عائد للكرملين في الرابع من آذار المقبل، وسط احتجاجات لم تكن متصورة قبل أشهر عديدة، قد تكون عودته متضرّرة بفعل حجم الاحتجاجات التي سبقتها، بل قد تكون الاحتجاجات مصاحبة أيضاً لعودته، في هذه الحالة سيزداد التهديد الذي تواجهه شرعية بوتين حتى رغم أن المعارضة ليست سوى جماعات متّحدة بشكل فضفاض وتضم مجموعات مختلفة مثل القوميين واليساريين والليبراليين وأنصار البيئة، لكن درجة الحرارة التي رافقت المحتجين والتي وصلت إلى 22 درجة تحت الصفر، تشي بسخونة القادم من شكل الاحتجاجات.

«نحن نواجه نضالاً صعباً طويلاً ضد أوغاد ولصوص قساة. إنّه ماراثون يتعين علينا كسبه»، هكذا يصرخ السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، لكن مناصري بوتين يصرخون أيضاً، إنه رجل المرحلة، دعوه يعمل، دعوه يمر.