في مواجهة الارهاب الوافد .. العراق من دار “حرب” الوهابيين إلى دار “سلام” وأمن للعراقيين

تكتسب في الآونة الأخيرة، قضية العمليات “التخريبية “في العراق، أهمية خاصة، ليس من قبيل ما يترتب من نتائج دموية مروعة وحسب، ولا من حيث ما تتركه من آثار امنية ونفسية مؤذية، بل من خلال الجدل الدائر الآن بين المعنيين بالامر من سياسيين وأمنيين، لتحديد هوية القائمين على تنفيذها وطبيعة المصالح والأهداف الكامنة خلفها.

يقول احد القادة الأمنيين الكبار: لا يمكن تحديد اهداف الإرهابيين من القاعدة وغيرها بإسقاط النظام القائم واحلال نظام يمثل إرادتهم السياسية والايديلوجية، فما تم الكشف عنه من اسلحة ومعدات ومواد، هي ليست لغرض خوض “حرب” عصابات في اطار ما يسمى بـ “المقاومة” فأسلحة المقاومة وحروب التحرير الشعبية معروفة ومفهومة تماما وتاريخ حروب المقاومة والتحرير يشهد بان الاسلحة التي استخدمت ضد الانظمة المستهدفة لا تتعدى فوهات نار تستخدم في ميدان المعارك والعمليات النوعية التي تستهدف تحشدات العدو ومراكز تواجده ومخازن أسلحته وإمداداته الغذائية او الوقود وغير ذلك.. اما ان تملك مخازن لا تعد ولا تحصى بـ(TNT) ومواد الفسفور ومواد كيميائية مدمرة وسموم وأحزمة ناسفة وقنابل انشطارية وقنابل “دمدم” السامة ووسائل اطلاق القنابل الجرثومية ورصاص سام خارق حارق ويضيف: 

الاجهزة الامنية في العراق على قدر كبير من الدراية والفهم الدقيق لما يريده الإرهابيون، لذلك لم تكن مفاجأة لنا عندما اكتشفنا وكرا للقاعدة او لما يسمى “دولة العراق الإسلامية”. 

فيه متفجرات لا يمكن وصفها إلا بأنها أسلحة دمار شامل فقد تمكنا من وضع يدنا على مخزن كبير في هذا الوكر فيه أكثر من “20” طنا من المواد المتفجرة مع مادة الفسفور ومواد ساحة وخانقة وحارقة كثيرة ومرفق معها، معمل فيه كافة المكائن والاجهزة والمعدات الضرورية لمثل هكذا مواد.. والسؤال، ترى هل ان هدفهم من هذه المواد هو كما يزعمون اقامة “دولة إسلامية” الجواب هو بالتأكيد، ليس صحيحا ذلك بالمرة فمن يريد اقامة دولة، ينبغي عليه ان يحافظ على قيم ومثل تتصل بقواعد احترام الشعوب وبشكل خاص المدنيين منهم، فماذا يراد بهذه الكمية الكبيرة جدا من الـtnt ومواد متفجرة وسامة كثيرة؟ ما الذي يراد بهذه الاحزمة التي لا تعد ولا تحصى..؟ اين هذه الكميات المدمرة والقاتلة للشعوب من إسرائيل التي تسوم الشعب الفلسطيني سوء العذاب، وتعتدي وتتجاوز على دول عربية واسلامية كثيرة…؟!!

لاشك ان الهدف ليس “خيرا” وليس “شريفا” بالمرة، انه هدف شرير يراد به ومنه، معاقبة الشعب العراقي على ما ينهض به من دور محوري كبير وما يرفع القيام به لصالح وحدة العرب والمسلمين وتقدمهم وازدهارهم.

وعندما نحاول ان نضع الذين يقدمون على هكذا اعمال اجرامية لا يقف خلفها الا عديم الذمة والضمير، تنفذ لصالح أجندات واستراتيجيات قائمة على الغل والكراهية والحقد الاسود، اذ ليست هناك إيديولوجية تبيح ذلك وتحرض عليه وتدعو إليه، سوى الحركة الصهيونية واذنابها من وهابية وماسونية وقاعدة.. لماذا..؟

لو ان فكر القاعدة، فكر سليم ايجابي، انساني يستوحي قيم ومثل الرحمة والإنسانية اذن لتبنت اساليب ووسائل تعبر عن ذلك وتجسده بينما هي ومن خلال الدراسة والتمحيص والتحليل العملي، نجدها تتبنى أساليب إرهابية بكل ما في هذه الكلمة من معنى… وثمة عدة ظواهر توضح ذلك منها:

أولا: خسارة “القاعدة” وكل من يمت لها بصلة للملاذات الآمنة، بحيث باتت تحسب حساب العدو اللدود في كل مكان حلت به…. بل انها اصبحت مستهدفة من قبل الاماكن التي يفترض انها “صديقة” لها، بزعم البعض. 

ثانيا: انها جلبت نعمة وغضب الآخرين على المسلمين في بقاع العالم انطلاقا من أن قتل المدنيين الأبرياء، هو قتل من اجل القتل وبذلك يصبح من يقف خلفه ويسعى إليه إرهابيا بكل قيم ومثل الانسانية المجردة.

لقد تأسست استراتيجية “القاعدة” على خلل واضح تماما في قراءة الواقع في جوانبه المختلفة، الامر الذي ادى الى حرمانها من اكتشاف الفرص المتاحة امامها، واوقعها في اختيارات مبنية على الاماني والآمال والاحلام اكثر من ابتنائها على الواقع والحقائق هذا اذا افترضنا انها لا تعمل لصالح الصهيونية ولعل السبب في ذلك يتمثل في جملة من الافتراضات الخاطئة التي حكمت تفكير القائمين عليها فإستراتيجية “التحدي والمواجهة” التي تزعم انها تتبناها في حربها ضد اميركا وحلفاء اميركا في المنطقة، لا يمكن تصورها الا مع وجود خلل مؤكد في قراءة الواقع بكل ابعاده سواء المتعلقة بالذات القاعدية، او بالآخرين في ظل غلبة الاهمال والاستخفاف بمعطيات المتغيرات السياسية والفكرية على مستوى العراق والمنطقة، برمتها ثم العالم، وكذلك فان الترويج للحرب على أساس طائفي افقد القاعدة” مشروعية الحركة ووضعها في دائرة ضيقة جدا، خصوصا اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الاصطفاف الطائفي لا يحظى بالتأييد حتى من قبل اولئك التي تزعم القاعدة انها تمثلهم، وبذلك وجدنا انفسنا امام ستراتيجية تنهض في الواقع على اساس “الحرب” بين المسلمين انفسهم وليس بين المسلمين واعداء الاسلام كنتيجة واضحة لعملية خلط الأوراق وتقديم المهم على الأهم، والعدو الستراتيجي بالمناوئ او المعارض او المختلف والذي تجمعه وإياه اكثر من جامعة واكثر من سبب، والقاعدة عندما تفعل ذلك، فانها تنفذ موقفا وهابيا عبرت عنه سلسلة الغزوات والمعارك التي خاضتها “الوهابية” طوال اكثر من قرنين من الزمن ضد من اسمتهم بـ”المرتدين” بعد ان عطلت “الجهاد” ضد الكفار بزعم ان “تطهير” دار الاسلام اوجب من مجاهدات “الكفار “وبذلك دخل العالم الاسلامي بحروب “المسلم ضد المسلم” حيث غزت قوات الوهابية العراق بأكثر من 25 غزوة، كان آخرها غزو العراق في عام 1925 ووصول الوهابيين الى مدينة السماوة، ولم يستثن الوهابيون في غزواتهم تلك أحدا من المسلمين من السنة والشيعة وقاتلهم العراقيون بكل مكوناتهم وطوائفهم ومناطقهم… فقد كانت الانبار عليهم ثقيلة كما هي البصرة والناصرية والديوانية والنجف وكربلاء وتنادى علماء العراق من السنة والشيعة لإصدار فتاوى التكفير لحروب “المسلم ضد المسلم” وتكفير كل من يكفر من قال : (اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله).

الذي يتأمل في ستراتيجية “القاعدة” وكل من سار على هداها، يجد أنها تقوم على اختيار طريق واحد لحل الصراعات التي تفتعلها بين المسلمين، هذا الطريق هو طريق استخدام القوة فحسب، وهذا الطريق لا ينتهي إلا في خلق المزيد من الفواجع والمآسي للمسلمين بصرف النظر عن “الاجتهاد” الذي يتبنونه وهذا الاصرار والجمود والعكوف على ستراتيجية واحدة برهن الواقع طوال الوقت بطلانها، جرد من سار على درب الوهابية المرونة اللازمة لتحقيق أهدافهم ولم يسمح لهم بإعادة النظر في ترتيب الاولويات او المواءمة بين القدرات وفاعلية إجراءاتهم!!

بالتأكيد، يمكن اعتبار هذا الخلل الكبير في قراءة الواقع وبالتالي في الإستراتيجية التي تبنتها الوهابية “القاعدة” جاء لصالح المسلمين في العراق وفي غيره، غير ان ذلك الحق ضررا بليغا بالإسلام كدين مبني على التسامح والمحبة والمودة والدعوة إلى الإسلام والوئام والإخوة بالطبع، لم يكن في وسع الوهابية “القاعدة” ان تفعل ذلك، لانها لم توجد اصلا الا من اجل زعزعة الوحدة الاسلامية وتعريض المصالح والامن الإسلامي لخطر الانشقاقات والانقسامات الدموية تحت شعارات وحجج زائفة وتبريرات كاذبة.

لقد اتسمت الشخصية الوهابية بـ “العداوة” الظاهرية للمسيحية واليهودية، إلا انها في الوقت نفسه كانت اقل انشغالا وهوسا بـ”الكافرين” منه باستقامة الرأي والسلوك كما يزعم “محمد عبد الوهاب” وقد كتب يوما انه ينبغي تأجيل “الجهاد” حتى ينظم بين الاسلام وبذلك باتت الشخصية الوهابية اشد شراسة بـ( اخوانهم ) المسلمين !!

ورغم كل ما بذلته الوهابية من جهود محمومة، سواء بشكل مباشر او عن طرق واساليب غير مباشرة، فقد ظل العراق بعيدا عن الوجود الوهابي، بل ان كراهية الوهابي ترقى الى مصاف كراهية العدو اللدود، بسبب الدماء الغزيرة والمآسي المؤلمة التي مرت على العراقيين بسبب الوهابية بيد ان الوهابية لم تيأس في ضوء ما يستجد من تطورات واوضاع تخدم مخططات وستراتيجيات واجندات قوى اقليمية تأتي في مقدمتها الصهيونية التي كانت تسعى إلى تكريس حلمها القاضي بقيام “كيان” إسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل وكجزء من اسلحتها استخدمت وتستخدم الوهابية التي ترتبط بالصهيونية بروابط وجذور عميقة.. فدخلت العراق للمرة الأولى في منطقة كردستان العراق بعد عام 1940 ولم يظهر ذلك بشكل علني إلا في عام 1952 على يد عدد من اللذين اعتنقوا الوهابية أثناء مكوثهم في الحجاز لأداء فريضة الحج.

وفي نهاية الستينات ظهر التيار السلفي مع انتشار وسائل الاعلام والاحتكاك المباشر والمتكرر في مواسم الحج والعمرة وقوافل المبشرين والاغراءات المالية وظهر لاول مرة التيار “الجهادي” في عام 1978 الذي عكف على تشغيل اول تنظيم مسلح في عام 1980 في جبال كردستان العراق واطلق على الوليد الجديد اسم “الجيش الاسلامي الكردستاني”ثم تم تشكيل “الرابطة الإسلامية الجهادية”، وبعد عامين أي في حدود 1989 ظهر إلى الوجود تنظيم “الحركة الإسلامية في كردستان العراق” على يد الشيخ عثمان بن عبد العزيز وهكذا ظهر تيار إسلامي متعدد الاتجاهات: اخواني وسلفي علمي وسلفي وهابي، وفي عام 1992 ظهرت حركة جديدة أطلق عليها اسم “النهضة” وبعد عامين ظهر تيار جديد باسم “الاتحاد الإسلامي”.

لقد كان السؤال… ترى ماذا يقصد البعض بتعبير “الجهاد” وضد من. لقد حصلت بلبلة كبيرة ومتعددة الوجوه، بين هذه الحركات الاسلامية، فالعمل من اجل تصحيح الخطأ او الزلل او الانحراف، شيء، ومجاهدة الكفار شيء آخر، فكيف يستقيم اعتماد مبدأ الجهاد، والقتال يدور مع حكومة جائرة وليست كافرة.. وهكذا اخذ البعض ينهج نهجا آخر مبتعدا عن التيار السلفي الوهابي الجهادي، وهكذا اتفقت الحركة الإسلامية، بقيادة الملا علي عبد العزيز على الاتحاد مع “حركة الوحدة الإسلامية” وقامت بنشاط دعوي واسع في كردستان العراق وانشأت محطتين اذاعيتين وافتتحت مسجدا كبيرا، وبمرور الوقت تعرض هذا الاتحاد الى انشقاق اسفر عن قيام تنظيمين : “الحركة الإسلامية” بزعامة الملا عبد العزيز والثانية “الجماعة الإسلامية” بزعامة علي بابير. لقد ظل السلفيون الجهاديون الوهابيون يحاولون تغيير الواقع لصالحهم، فاسفرت هذه الجهود التي دعمت بالأموال السعودية، عن قيام تنظيم اطلق عليه اسم “جند الإسلام” في عام 2001 وضمت في صفوفها عدد من الذين كانوا في افغانستان بزعامة ابو عبيد الله الشافعي واسمه الحقيقي “وريا هوليري” الذي كان ينتمي اصلا الى الحركة الاسلامية في اربيل عام 1994 وقد تعرف على تنظيم القاعدة في أفغانستان وقد انتشر نشاط هذا التنظيم على شريط القرى الممتد بين حلبجة والقرى المتاخمة للحدود الإيرانية وهي تسع قرى أهمها بيارة التي كانت فقر التنظيم الذي بدا يدعو الى الاعداد والتجهيز لـ “الجهاد” ضد “أعداء “الامة !! 

وفي نفس العام، اندمجت ثلاث جماعات هي “جند الإسلام” و “حماس الكردية “و “حركة التوحيد “بتشكيل واحد يحمل اسم “انصار الاسلام “وكان ابرز قادته فاتح كريكار واسمه الحقيقي “نجم الدين فرج” وهكذا صارت هناك ثلاث جماعات إسلامية مسلحة في كردستان العراق هي :

1 ـ الحركة الاسلامية ومقرها حلبجة 

2 ـ الجماعة الاسلامية ومقرها في خورمال

3 ـ جماعة انصار الاسلام ومقرها بيارة 

لقد ظهرت بوادر الاستخدام الوهابي لـ “الجهاد” عندما دخلت جماعة “انصار الإسلام” في قتال مكشوف وضارٍ ضد حزب الاتحاد الوطني الذي مني بخسائر كبيرة، ورغم التوصل الى هدنة بين الجانبين، فان محاولة اغتيال برهم صالح الذي كان يشغل منصب رئيس حكومة الاتحاد الوطني ويعتبره الاسلاميين رجل “سي ي اي” الأول في كردستان العراق، عكرت الوضع خصوصا بعد إصرار الاتحاد الوطني على اتهام الجماعة بالمحاولة، مؤكدا ان الذين قاموا بالمحاولة ثلاثة أشخاص هم: عبد السلام ابو بكر عضو مركز السليمانية وشخص آخر اسمه قيس نجح في الفرار ثم اعتقل في السليمانية والثالث اسمه كامران مورياسي ولم تكن علاقة الجماعة بالحزب الديمقراطي الكردستاني طيبة أيضا فقد اتهم الحزب الجماعة باغتيال فرانسو حريري. 

وقبيل الحرب على العراق اتهم وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد بان “انصار الاسلام ” تطور اسلحة كيمياوية ولم تكن تلك التصريحات وغيرها وخصوصا التي صدرت عن الشخصيات الرسمية الاسرائيلية وكذلك الصحافة الاسرائيلية حول “المخاوف “من وجود القاعدة في شمال العراق، سوى قنابل ودخان على ما كان يجري في الخفاء حول امكانية ان تجد القاعدة لها موطىء قدم في العراق، خصوصا بعد ان اصبحت كردستان ممرا امنا لمرور “المتطوعين “الى افغانستان فبعد ان كان التنقل يتم عبر الحدود الايرانية الى افغانستان صار الانتقال الامن اعتبارا من عام 1995 يتم عبر كردستان العراق ويرجح ان الوضع ظل كذلك حتى بعد الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003.

لقد كانت باقي اجزاء العراق بعيدة عن كل ذلك، وان كانت هي المقصودة بكل تلك التحركات بيد ان هذا البعد اخترق بعد الاحتلال الأمريكي، فظهرت مجموعة تطلق على نفسها اسم “انصار السنة” بعد الاحتلال بخمسة اشهر تتبنى “الجهاد “ضد “المرتدين “و “الكفرة “وبعد حين ظهرت حركة جديدة، تحمل اسم “كتائب ابي حفص المصري” ورافق ذلك ظهور ابو مصعب الزرقاوي اميرا لما سمي بـ “دولة العراق الإسلامية” وهكذا بدأت خيوط الارهاب القاعدي الوهابي تنسج النسيج الارهابي بيد مجهولة وشرعت حدود العراق لكل من هب ودب من المتخمين باموال السحت الحرام والحالمين بالثراء لجياع يبحثون عن لقمة العيش في مقابر القاهرة واسيوط وفي الجزائر وتونس ونجد غيرها… فباعوا أنفسهم وآدميتهم بأرخص الاثمان بأقذر الافعال الخسيسة فكانت مجزرتا كربلاء واغتيال السيد محمد باقر الصدر ومجازر بغداد وقبل وقوع هذه المجازر، كانت القوات الاميريكية قد عثرت على وثيقة كتبت بخط الزرقاوي يحرض فيها اتباعه القادمين من خارج الحدود للقيام بكل ما يؤدي الى اشعال نار الفتنة الطائفية ويؤكد مصدر عسكري عراقي ان الاعلان عن هذه الوثيقة ما كان له ان يحصل من قبل الاميركان لو لم تقع الوثيقة بيد أحد العسكريين العراقيين الذي كان مكلفا بواجب امني في عملية دهم الوكر الذي كان يتواجد فيه الزرقاوي.

الحقيقة التي ليس في وسع احد أن ينفي وجودها، هي أن المسلمين ما عرفوا التطرف والعنف من اجل العنف إلا بعد ظهور التيار الوهابي فمنذ ذلك الحين، أي منذ عام 1744 عندما وجدت أفكار محمد بن عبد الوهاب المثير للجدل حول أصله وحسبه ونسبه وصلته بالانكليز والماسونية والصهيونية ممثلة باليهودية التي يتهم انه منها… طريقها للتأثير على محمد بن سعود المتهم باليهودية نسبا والذي كان يشغل في حينها منصب حاكم نجد، حيث بدأت عصابات السعوديين تدعي فرض دينها الجديد بحد السيف مدعية أن الجميع بدون استثناء بما في ذلك المذاهب الاسلامية المعروفة، خارجون عن الدين الاسلامي ومرتدون بحسب ما تفهمه هي.. لقد بدأت شلالات الدم الاسلامي في طول البلاد الاسلامية وعرضها.. وما كان لها ان تتوقف أبداً خصوصا بعد أن امتلك آل سعود الثراء النفطي الفاحش.

نعمة النسيان

للأمانة… لم ترد على بالي أغنية ميادة الحناوي (نعمة النسيان) إلا حين اخترتها عنوانا لعمودي هذا، فهي -والحق يقال- أغنية حزينة، معبرة ومشهورة، وقد تضاهي -عندنا- (كبة السراي) شهرة وصيتا، كما رأيت فيها ما يساند طبيعة الخبر المنشور على أحد مواقع الانترنيت -قبل أيام- والذي يتحدث عن سيدة بريطانية فقدت ذاكرتها بسبب إصابة في رأسها جعلتها تنسى ما مر بها من أحداث طوال عقدين ماضيين من الزمن.

  الخبر أخذني للأغنية، والأغنية (ودتني) الى تذكر استطلاع صحفيّ قمت به أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- قبل عشرين عاما قريبا، بأخذ آراء عدد من زملائي الكتاب والأدباء والصحفيين عبر سؤال ماكر طالبتهم فيه أن يحذفوا أو يمنتجوا (من المونتاج)- لو تسنى لهم ذلك طبعا،وهذا مستحيل بالتأكيد- عشر سنوات من أعمار حياتهم وفق ما يشاؤون ويتمنون حذف تلك السنوات العشر أو عدم تذكرها -بمعنى وآخر-، جاءت أغلب إجابات الزملاء مخيبة -ليست لي- بل  لآمال وطبيعة وظنون واستراتيجيات ما كان يفكر فيه النظام السابق الغارق ببحور من حروب و محيطات من(بلاوي) حصارية وأخرى قمعية وغيرها من معاول نحر الأماني والأحلام التي حاول المستجوبون عبور حقول ألغام ذلك السؤال (الورطة) بمجسات حذر ووعي واحتراز، لم يحرز غير تأجيل ذلك الاستطلاع وإلغاء فكرته اللعينة -جملة وتفصيلا- وانتهت برمي أولياتها كاملة في سلة المهملات راضيا بقرار شاركني فيه صديقي الشاعر المبدع عبدالزهرة زكي، أيام كان رئيسا للقسم الثقافي في جريدة الجمهورية حين كنا نعمل معا في آخر محطة لي عام2000 في الجمهورية (الجريدة) التي أحب وأعشق وأشتاق للآن.

      يلخص الخبر المتعلق بالسيدة البريطانية، واسمها (كاي ديلاتي)وعمرها (55) عاما، بأنها تعرضت الى ضربة مفاجئة في الرأس، نتج عنها تعطيل غريب في ذاكرتها، إذ توقفت الذاكرة لديها عند حدود عام/1990ولم تعد تتذكر ما حدث لها من مواقف واحداث قبل ذلك التأريخ، الى درجة لم تتذكر -أصلا- أن لها ولدا شابا يبلغ من العمر عشرين عاما يدعى جيمس، كما أنها غير مقتنعة بأن ابنها البكر ويدعى (كيني) قد بلغ من العمر(27)عاما، وابنها الآخر (الوسطاني) واسمه (ساندي) هو الآن بعمر (22) عاما.

     لكن من جملة ما تتذكره  هذه السيدة (المكرودة) ان ولديها المذكورين ما زالا طفلين صغيرين، ولم تقتنع بأن والديها غير موجودين على قيد الحياة! وحين تعرضت -من قبل مختصين- الى مجموعة من اسئلة عامة، جاءت إجاباتها -مثلا- أن (مارغريت تاتشر) المرأة الحريرية – كما يطلق عليها في سيـــــاق فيلم سينمائي تناول حياتها ونال أحدى جوائز الأوسكار هذا العام،أو العجوز الشمطــــــــاء كما كان يحلو للقائد (الضرورة) ووسائل إعلام نظامه السابق أن ينعتها بذلك- لم تزل رئيسة لوزراء بريطانيا، كما أدعت انها سمعت بوجود شخص يدعى(توني بلير)،ولم تعلم بحادثة موت الأميرة ديانا و مفاجآت أخرى جعلتها تجهش بكاءً مرا .

     هنا- أسأل…هل النسيان- فعلا- نعمة؟ أم الأمر ينحصر -فقط- بمن تمتلئ ذواكرهم بالموت والمخاوف والحروب وانقطاعات مزمنة للكهرباء؟!

الأخطاء الكبيرة تفضح الحكومة غير الجديرة

الأخطاء الكبيرة تميت القلب، هذا مفهوم يعرفه العقلاء والموحدون، وتوبة ابينا آدم “عليه السلام” هي مشروع معرفي لتطويق الخطأ والاعتراف بأنه ضد التنمية البشرية , وضد سلامة العلاقة بين الخالق والمخلوق من البشر,  قال تعالى: “فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم” – 37- البقرة .فالتوبة اعتراف بالخالق الرب، واعتراف بمحدودية المخلوق تجاه الخالق، ولذلك قال الفلاسفة :

“قف عند حدك ايها المحدود” والتوبة اعتراف بحق الناس لان الخطأ البشري يغمط حقوق بعض الناس كالسرقة والكذب والتزوير والرشا والنفاق والغيبة او كل الناس كالقتل الذي اصبح اليوم الهواية المفضلة للارهابيين التكفيريين .والحكومة التي تعمل على ابقاء بعض الناس في خانة الفقر بينما يتمتع افرادها باللعب بالمال العام هي حكومة تفتح للكفر بابا، جاء في الاثر النبوي ما معناه : “قال الكفر للفقر خذني معك” وقال الامام علي “عليه السلام”:  “عجبت لمن لايجد قوت يومه كيف لايشهر السيف في وجه الناس”.وللذين يعتبرون انفسهم من المتدينين في الحكومة وهم يمارسون الأخطاء الكبيرة التي ظهر منها في أسبوع واحد خطان هزا الشارع العراقي وهما :

1- التعسف في موضوع البطاقة التموينية

2- الفساد في عقود التسلح مع روسيا

واذا كانت روسيا العلمانية قد بادرت الى اقالة وزير دفاعها ورئيس اركان جيشها بسبب فساد عقود بيع الاسلحة الى العراق تحديدا, فلماذا لم تبادر حكومة بعض المتدينين الى عزل المتورطين في تلك الصفقة وفي صفقات كثيرة قبلها حتى عرف احدهم انه لايدخل على رئيس الحكومة إلا وبيده ملف مقاولة او صفقة.

ويقال ان رئيس الحكومة يعلن تذمره من ذلك الرجل امام المقربين منه ولكنه مع ذلك باق في موقعه.وللمزيد من توضيح الصورة، فإن هذا الرجل الذي يتذمر منه رئيس الحكومة والمتورط في صفقات الفساد المالي هو صاحب تاريخ معروف بالفساد يوم كان موظفا في احدى الشركات خارج العراق. 

واصحاب الأخطاء الكبيرة التي تحولت الى فضائح وللمتدينين منهم نقول عليكم ان تختاروا أحد الاوصاف التي اطلقها الله تعالى بحق من لم يحكم بما انزل الله وهي على الشكل الآتي:

1- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”

2- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”

3- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون”

ولغير المتدينين منهم نقول: ان الدستور العراقي ينص على ان النفط ثروة للشعب العراقي, فلماذا سمحتم لانفسكم وابناءئكم وحواشيكم ومحازبيكم بالثراء وتركتم الشعب العراقي محروما من ثروته النفطية وكثير منه تحت خط الفقر, فأحد ابناء المسؤولين منكم اشترى قصرا في امريكا بعشرة ملايين دولار, وابناء الاخرين ينشطون في السوق المالية في الامارات ولندن, وتبقى عمان بؤرة لغسيل المال العراقي المهرّب مع حمولة الطائرات.

ولكثرة الأخطاء وخطورتها التي تسبب بها فريق الحكومة في العراق ومعهم كتلهم واحزابهم ومنها :

1- تثبيت مصطلح المناطق المتنازع عليها في الدستور العراقي بإملاء نوح فيلدمان مستشار بول بريمر الحاكم المدني للعراق ايام الاحتلال والذي كان البعض يتنافس على دعوته لولائمهم السحت من مال الشعب العراقي مما جعل بول بريمر يرميهم بأقذع الصفات في كتابه “سنة من العمل في العراق”.

2- تثبيت: مفهوم رفض ثلاث محافظات ينسف ماتتفق عليه بقية المحافظات 

3- تثبيت: يحق لكل محافظة فتح مكتب لها في السفارات العراقية وهي دعوة مبطنة للفوضى وتهميش الدولة .

4- تثبيت: يحق لكل محافظة او اقليم اصدار عملة نقدية بلغته وكذلك بالنسبة للجوازات وهي بدعة ليس لها مثيل في عالم الفيدراليات.

5- السماح بوجود مايسمى ممثل اقليم كردستان في بغداد وهي مفارقة دستورية ليس لها مثيل في عالم التعددية والفيدراليات, فالاخوة الاكراد منهم رئيس الجمهورية ومنهم نائب لرئيس الحكومة ولرئيس مجلس النواب وعندهم ما يزيد على ستين نائبا في البرلمان العراقي وعندهم وزراء في الحكومة الفدرالية فما معنى وجود ممثل لإقليم كردستان في بغداد.

6- السكوت عن نسبة 17/0 التي يأخذها اقليم كردستان خلافا للنسبة القانونية الدستورية حسب نسبة السكان التي اعتمدت فيها البطاقة التموينية.

7- السكوت عن قيام اقليم كردستان بفتح قنصليات في بعض الدول وفتح قنصليات لبعض الدول دون المرور عبر الحكومة الفدرالية، هي مخالفة دستورية.

8- السكوت عن قيام ادارة اقليم كردستان بفرض الاقامة المحددة ومايقترب من التأشيرة للمواطنين العراقيين الذين يزورون محافظات الاقليم وهي مخالفة دستورية لم تناقش في مجلس النواب.

9- السكوت عن رواتب البيشمركة التي تؤخذ من الميزانية العامة والسكوت عن تحرشاتهم غير الدستورية ضد وحدات الجيش العراقي الفدرالي كما حدث مع الوحدة التي توجهت الى شمال الحدود السورية العراقية, وكما حدث اخيرا مع وحدة دجلة في كركوك. 

10- التعامل الهش والرخو مع تراخيص عقود استخراج النفط في اقليم كردستان والتي سئم منها الذوق العام لخبراء النفط .

11- تعيين محافظين فاشلين ترفضهم القاعدة الشعبية وبعضهم كتبت الصحافة عن فضائحهم ولو كان ماكتب في دولة اخرى لأقيل المحافظ والوزير فورا او لاستقال من طاله التقرير، لأنها حقائق يعرفها المواطنون.

12- فشل التعامل مع مجالس المحافظات التي صعد فيها كثير من عدم اصحاب الكفاءة والذين اصبحوا موضع تندر المواطنين لانشغالهم في الايفادات والسفر للخارج والاثراء غير المشروع .

13- اصرار رئيس الحكومة على وجود حاشية من حوله تثار حولها الشبهات دائما دون الاكتراث برأي الناصحين.

14- اصرار احزاب السلطة ورؤساء الكتل على اقتسام المغانم عبر المحاصصة وعدم الالتفات الى حقوق المواطنين الذين انتخبوهم .

15- لهذه الاخطاء ولغيرها ضعفت الدولة وهزلت الحكومة وترهلت دوائرها التي تعيش حالة فوضى وانفصال عن المواطنين نتيجة تحكم روح البيروقراطية والاقطاعية والدكتاتورية والجهل والفساد الذي دمر كل شيء.

ومن هنا عندما نحكم على الحكومة بأنها غير جديرة فإننا لانخاصم شخصا من افراد الحكومة كما قد يظن البعض وانما نريد ان ننتصر للمواطن المحروم وللوطن المظلوم، والمناسبة انكشاف الاخطاء الكبيرة في طريقة معالجة البطاقة التموينية, وطريقة التعامل مع العقود الفاسدة التي نخرت جسد الدولة وذهبت بهيبتها.

شاب انتهازي !!

(1964) ذلك عام لا يغادر الذاكرة، وثمة من ينصب (حالي) المكسور، أو يرفع (خبري) المنصوب، أو يمنع (ممنوعا من الصرف) صرفته، ولكنه يثني على (خواطري)، ويحثني على (النشر)، وأنا فتى يستحي من النظر إلى نفسه في المرآة، فكيف لي أن اقتحم أبواب الصحف وبيني وبينها وجل ورهبة وحياء؟!

في ذلك العام الذي ما زال يرهق وجداني، وقد بلغت التاسعة عشرة من العمر، وكان أولاد الحلال من أصدقائي الشجعان قد نشروا لي أكثر من مقالة أو خاطرة أدبية في هذه الجريدة أو تلك، قررت خلع عباءة الحياء والتردد، وتحليت بقدر من الشجاعة -وان كانت دون شجاعة أصدقائي- وتوجهت الى مبنى قديم في منطقة (الحيدر خانة)، اتخذت منه إحدى الصحف البغدادية مقرا لها، وبعد الاستفسار عن الشخص الذي يمكن أن يتسلم ( كتاباتي ) وجدت نفسي في داخل غرفة صغيرة بحجم زنزانة انفرادية عابقة بالضجيج الصادر عن مروحة منضدية عتيقة!!

أمامي تماما وراء منضدته، رجل كهل، يعتمر (سدارة) سوداء ورثها اغلب الظن من مخلفات الحرب الكونية الأولى، لا تغادر السيجارة فمه، كنت يومها ممسوسا بعشق السياب والشعر الحر ، ومتعلقا على أفكار سارتر واحلام ماركس وثقافة طه حسين وفي أعماقي (حصيري) خجول، أما الخوف فكان سيد الموقف وأنا أمثل أمامه! 

 (السلام عليكم) ولم تترك تحيتي الإسلامية أثرا على لسانه أو يده أو عينه، ولم يرد عليها بمثلها أو أحسن منها او أسوا منها، ورماد سجائره يتساقط فوق أكداس من الأوراق المبعثرة بفوضى غريبة، يمر بالشطب والحذف والتمزيق وهو يشتم الكتاب الأميين والجهلة ورأيت في لحظة الرعب تلك -وعرق تموز يلسع جلدي- أن مصيري سيكون كذلك إلى سلة المهملات، وتمنيت الهرب في أول مواجهة صحفية في حياتي، إلا أن فرصة الإفلات باتت مستحيلة، وأوهمت نفسي وقناعتي، أن الرجل لم يسمع، فأعدت عبارة (السلام عليكم)  بآخر صيحات المنكسرين!! 

من مكان ما حصلت على نصف تحية (وعليكم)، وأعقبتها بسؤال ينذر بقرب المعركة (ها …شتريد)، لا بأس حتى لو كان رده بصيغة الشتيمة، فقد تيقنت أن هذا الكائن يسمع وينطق، قلت له [عندي مقالة] ، وتكرم بأعجوبة ونظر لأول مرة من وراء نظاراته المهشمة، إلى خوفي وسنوات عمري وتسريحة شعري باستخفاف يمكن ملاحظته بالعين المجردة، ثم أملى علي شروطه [اسمع يا ولد … إذا كنت من الجماعة الذين يمدون أصابعهم في البحر ليلامسوا نجمة السماء، ويقولون هذا شعر حر، فلا مكان لك هنا !!]، ولم أرد عليه، رعبي هو الذي شتم الشعر الحر وحامله وشاربه وساقيه!!

نجحت في رسم الهشاشة على وجهه وغادرت الجريدة مرضيا عنه، ولكنني وقد أسلمت روحي إلى الشارع، وتنفست حريتي، شعرت بالقرف من نفسي، حيث كنت ملغوما بالانتهازية حتى أخمص قدمي، وكنت وما زلت أحاول تطهير ذاتي من ذلك الموقف الوحيد الذي ارقني على مدى خمسين عاما، وكنت ومازلت أعجب من أولئك الذين يبيعون أقلامهم، وينشدون ابتسامة السلطة، ويتربعون راضين مطمئنين على عرش من الذل والهوان! 

ماذا لو كان مْسَلّم البراك صادقاً ؟

لست متحاملا على النائب الكويتي مسلم بن محمد بن حمد بن ناصر البراك المطيري, فالرجل ينتمي إلى الجبهة الكويتية المعروفة بوطنيتها المتشددة المتطرفة المتعنصرة, وله قاعدة شعبية عريضة في بلده, وهذا ما أثبتته الصناديق الانتخابية بالأرقام, ابتداءً من عام 1996 عندما فاز بالمركز الأول على الدائرة السابعة عشرة, إلى عام 2012 عندما فاز بالمركز الأول أيضا على الدائرة الرابعة, مرورا بالدورات الانتخابية المتعاقبة, التي تلت عام 1996 والتي تبوأ في معظمها المراكز الأولى, وله ميزة أخرى, فهو نجل النائب الكويتي محمد بن حمد البراك, الذي عرفه الناس بعفته ونزاهته, واختارته صحيفة نيويورك نيوز كأقوى ثالث معارض في العالم ضد سرقة المال العام والفساد الإداري. 

 بيد أن تطرف النائب مسلم البراك يحسب له وعليه, وربما قادته عنصريته إلى حتفه في أحايين كثيرة, فتارة يصيب وتارة يخيب, وتارة ينجح في تشخيص هفوات الحكومة الكويتية وعثراتها, وتارة يفشل فشلا ذريعا, ويضع نفسه في مواقف لا يحسد عليها, ولم ترض عنه الحكومة الكويتية بسبب غلوه السياسي ونزعته العصبية, فأصدرت ضده مذكرة توقيف, وتعرض أكثر من مرة للانتقاد والتعنيف والتقريع على صفحات الصحف الكويتية والعربية, فلقبته الصحف الأردنية (مسيلمة البراك), ونعتته الصحف الفلسطينية بالرعونة, وتهجمت عليه الصحف العراقية بسبب مواقفه المعادية للعراق, وطالبه نواب من العراق بالاعتذار رسميا بسبب تطاوله السافر على أبناء الرافدين. 

لكننا وقبل أن نصل إلى مربط الفرس في موضوعنا المرتبط بآخر تصريحات البراك, نؤكد على مواقفنا السابقة منه, ونسجل امتعاضنا من شطحاته اللسانية, وعباراته السوقية, وشتائمه المتكررة ضد العراقيين والأردنيين والفلسطينيين, فالشعوب لا تُهان ولا تُسب ولا تُذم, لذا فإننا نعترض جملة وتفصيلا على اتهاماته التي قال فيها: إن الشعب الأردني رقص على جراح الكويتيين إبان الغزو العراقي, ونعترض على استناده على أدلة انطباعية زائفة, تفجرت على شكل تهديدات جوفاء سمعناها كثيراً من جماعات كويتية موتورة, امتلأت قلوبها بحقد دفين, فأعمت الكراهية بصرها وبصيرتها.لكن اللافت للنظر أن البراك تحدث آخر مرة بلهجة صريحة واضحة لا لبس فيها عن خروقات أمنية ارتكبتها حكومته, متهماً إياها بالتنسيق مع الحكومة الأردنية لاستضافة (3500) من عناصر قوات الدرك.  ولابد لنا أن نأخذ مثل هذه التصريحات على محمل الجد, فالرجل لديه مصادره المعلوماتية, وتربطه علاقات مباشرة بأصحاب الحل والعقد في بلاده, وهو فوق ذلك كله سياسي مخضرم, ونائب قديم في مجلس الأمة, وبالتالي فانه ربما كان صادقاً عندما تحدث عن قيام الكويت باستجلاب تلك القوات للاستعانة بها في قمع المعارضة, وهذا ما أكد عليه في حينها النائب (جمعان الحربش), مشيرا إلى أنهم نقلوا إلى الكويت عن طريق الجو بطائرات (الهركليز), بينما حذر الشيخ الأردني (حمزة منصور) أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي من مغبة مشاركة الحكومة الأردنية في قمع تطلعات أي شعب عربي, وقال في رسالة بعثها إلى مكتب رئيس الوزراء: (إن موقف الحكومة الأردنية غير واضح, وغير حاسم بخصوص وجود دور للأمن الأردني في بعض البلدان العربية), ويقصد الكويت, وطالب حكومته بتصريح رسمي واضح إزاء مشاركة قوات الدرك الأردنية في مواجهة الشعب الكويتي. نحن إذن أمام مرحلة جديدة من مراحل الاستعمار العربي الجديد, الذي تمارسه ضدنا القوى العربية الظالمة, تارة تستعين بالقوات الأطلسية في توجيه الضربات القاصمة لظهورنا, وتارة تستعين بقوات التحالف لانتهاك أرضنا ومياهنا, وتارة تستعين ببعضها البعض لمصادرة حراياتنا ومنعنا من التظاهر والاعتراض والاعتصام, فلا تندهش بعد الآن إذا طاردتك الشرطة التونسية في الخرطوم, ولا تستغرب إذا اعتقلتك الشرطة السعودية في المنامة, ولا تتعجب إذا قبضت عليك الشرطة العراقية في حلب, أو اعترضت طريقك الشرطة الأردنية في الكويت, ولا تستبعد ان تحقق معك الشرطة اللبنانية في القرى الموريتانية, فنحن الآن في زمن التضامن البوليسي العربي المتشدد. 

 وسنشهد في القريب العاجل مرحلة جديدة من مراحل الاضطهاد الوطني الذي ستمارسه ضدنا الحكومات العربية, وعيش وشوف. 

ورحم الله الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي عندما قال:

تجوز سيادة الهندي فينا وأما ابن البلاد فلا يسود

وكم عند الحكومة من رجال تراهم سادة وهم العبيد

كلاب للأجانب هم ولكن على أبناءِ جلدتهم أسود

أما والله لو كنا قروداً لما رضيت قرابتنا القرود

والله يستر من الجايات

في مواجهة الارهاب الوافد .. العراق من دار “حرب” الوهابيين إلى دار “سلام” وأمن للعراقيين

تكتسب في الآونة الأخيرة، قضية العمليات “التخريبية “في العراق، أهمية خاصة، ليس من قبيل ما يترتب من نتائج دموية مروعة وحسب، ولا من حيث ما تتركه من آثار امنية ونفسية مؤذية، بل من خلال الجدل الدائر الآن بين المعنيين بالامر من سياسيين وأمنيين، لتحديد هوية القائمين على تنفيذها وطبيعة المصالح والأهداف الكامنة خلفها.

يقول احد القادة الأمنيين الكبار: لا يمكن تحديد اهداف الإرهابيين من القاعدة وغيرها بإسقاط النظام القائم واحلال نظام يمثل إرادتهم السياسية والايديلوجية، فما تم الكشف عنه من اسلحة ومعدات ومواد، هي ليست لغرض خوض “حرب” عصابات في اطار ما يسمى بـ “المقاومة” فأسلحة المقاومة وحروب التحرير الشعبية معروفة ومفهومة تماما وتاريخ حروب المقاومة والتحرير يشهد بان الاسلحة التي استخدمت ضد الانظمة المستهدفة لا تتعدى فوهات نار تستخدم في ميدان المعارك والعمليات النوعية التي تستهدف تحشدات العدو ومراكز تواجده ومخازن أسلحته وإمداداته الغذائية او الوقود وغير ذلك.. اما ان تملك مخازن لا تعد ولا تحصى بـ(TNT) ومواد الفسفور ومواد كيميائية مدمرة وسموم وأحزمة ناسفة وقنابل انشطارية وقنابل “دمدم” السامة ووسائل اطلاق القنابل الجرثومية ورصاص سام خارق حارق ويضيف: 

الاجهزة الامنية في العراق على قدر كبير من الدراية والفهم الدقيق لما يريده الإرهابيون، لذلك لم تكن مفاجأة لنا عندما اكتشفنا وكرا للقاعدة او لما يسمى “دولة العراق الإسلامية”. 

فيه متفجرات لا يمكن وصفها إلا بأنها أسلحة دمار شامل فقد تمكنا من وضع يدنا على مخزن كبير في هذا الوكر فيه أكثر من “20” طنا من المواد المتفجرة مع مادة الفسفور ومواد ساحة وخانقة وحارقة كثيرة ومرفق معها، معمل فيه كافة المكائن والاجهزة والمعدات الضرورية لمثل هكذا مواد.. والسؤال، ترى هل ان هدفهم من هذه المواد هو كما يزعمون اقامة “دولة إسلامية” الجواب هو بالتأكيد، ليس صحيحا ذلك بالمرة فمن يريد اقامة دولة، ينبغي عليه ان يحافظ على قيم ومثل تتصل بقواعد احترام الشعوب وبشكل خاص المدنيين منهم، فماذا يراد بهذه الكمية الكبيرة جدا من الـtnt ومواد متفجرة وسامة كثيرة؟ ما الذي يراد بهذه الاحزمة التي لا تعد ولا تحصى..؟ اين هذه الكميات المدمرة والقاتلة للشعوب من إسرائيل التي تسوم الشعب الفلسطيني سوء العذاب، وتعتدي وتتجاوز على دول عربية واسلامية كثيرة…؟!!

لاشك ان الهدف ليس “خيرا” وليس “شريفا” بالمرة، انه هدف شرير يراد به ومنه، معاقبة الشعب العراقي على ما ينهض به من دور محوري كبير وما يرفع القيام به لصالح وحدة العرب والمسلمين وتقدمهم وازدهارهم.

وعندما نحاول ان نضع الذين يقدمون على هكذا اعمال اجرامية لا يقف خلفها الا عديم الذمة والضمير، تنفذ لصالح أجندات واستراتيجيات قائمة على الغل والكراهية والحقد الاسود، اذ ليست هناك إيديولوجية تبيح ذلك وتحرض عليه وتدعو إليه، سوى الحركة الصهيونية واذنابها من وهابية وماسونية وقاعدة.. لماذا..؟

لو ان فكر القاعدة، فكر سليم ايجابي، انساني يستوحي قيم ومثل الرحمة والإنسانية اذن لتبنت اساليب ووسائل تعبر عن ذلك وتجسده بينما هي ومن خلال الدراسة والتمحيص والتحليل العملي، نجدها تتبنى أساليب إرهابية بكل ما في هذه الكلمة من معنى… وثمة عدة ظواهر توضح ذلك منها:

أولا: خسارة “القاعدة” وكل من يمت لها بصلة للملاذات الآمنة، بحيث باتت تحسب حساب العدو اللدود في كل مكان حلت به…. بل انها اصبحت مستهدفة من قبل الاماكن التي يفترض انها “صديقة” لها، بزعم البعض. 

ثانيا: انها جلبت نعمة وغضب الآخرين على المسلمين في بقاع العالم انطلاقا من أن قتل المدنيين الأبرياء، هو قتل من اجل القتل وبذلك يصبح من يقف خلفه ويسعى إليه إرهابيا بكل قيم ومثل الانسانية المجردة.

لقد تأسست استراتيجية “القاعدة” على خلل واضح تماما في قراءة الواقع في جوانبه المختلفة، الامر الذي ادى الى حرمانها من اكتشاف الفرص المتاحة امامها، واوقعها في اختيارات مبنية على الاماني والآمال والاحلام اكثر من ابتنائها على الواقع والحقائق هذا اذا افترضنا انها لا تعمل لصالح الصهيونية ولعل السبب في ذلك يتمثل في جملة من الافتراضات الخاطئة التي حكمت تفكير القائمين عليها فإستراتيجية “التحدي والمواجهة” التي تزعم انها تتبناها في حربها ضد اميركا وحلفاء اميركا في المنطقة، لا يمكن تصورها الا مع وجود خلل مؤكد في قراءة الواقع بكل ابعاده سواء المتعلقة بالذات القاعدية، او بالآخرين في ظل غلبة الاهمال والاستخفاف بمعطيات المتغيرات السياسية والفكرية على مستوى العراق والمنطقة، برمتها ثم العالم، وكذلك فان الترويج للحرب على أساس طائفي افقد القاعدة” مشروعية الحركة ووضعها في دائرة ضيقة جدا، خصوصا اذا ما اخذنا بالاعتبار ان الاصطفاف الطائفي لا يحظى بالتأييد حتى من قبل اولئك التي تزعم القاعدة انها تمثلهم، وبذلك وجدنا انفسنا امام ستراتيجية تنهض في الواقع على اساس “الحرب” بين المسلمين انفسهم وليس بين المسلمين واعداء الاسلام كنتيجة واضحة لعملية خلط الأوراق وتقديم المهم على الأهم، والعدو الستراتيجي بالمناوئ او المعارض او المختلف والذي تجمعه وإياه اكثر من جامعة واكثر من سبب، والقاعدة عندما تفعل ذلك، فانها تنفذ موقفا وهابيا عبرت عنه سلسلة الغزوات والمعارك التي خاضتها “الوهابية” طوال اكثر من قرنين من الزمن ضد من اسمتهم بـ”المرتدين” بعد ان عطلت “الجهاد” ضد الكفار بزعم ان “تطهير” دار الاسلام اوجب من مجاهدات “الكفار “وبذلك دخل العالم الاسلامي بحروب “المسلم ضد المسلم” حيث غزت قوات الوهابية العراق بأكثر من 25 غزوة، كان آخرها غزو العراق في عام 1925 ووصول الوهابيين الى مدينة السماوة، ولم يستثن الوهابيون في غزواتهم تلك أحدا من المسلمين من السنة والشيعة وقاتلهم العراقيون بكل مكوناتهم وطوائفهم ومناطقهم… فقد كانت الانبار عليهم ثقيلة كما هي البصرة والناصرية والديوانية والنجف وكربلاء وتنادى علماء العراق من السنة والشيعة لإصدار فتاوى التكفير لحروب “المسلم ضد المسلم” وتكفير كل من يكفر من قال : (اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله).

الذي يتأمل في ستراتيجية “القاعدة” وكل من سار على هداها، يجد أنها تقوم على اختيار طريق واحد لحل الصراعات التي تفتعلها بين المسلمين، هذا الطريق هو طريق استخدام القوة فحسب، وهذا الطريق لا ينتهي إلا في خلق المزيد من الفواجع والمآسي للمسلمين بصرف النظر عن “الاجتهاد” الذي يتبنونه وهذا الاصرار والجمود والعكوف على ستراتيجية واحدة برهن الواقع طوال الوقت بطلانها، جرد من سار على درب الوهابية المرونة اللازمة لتحقيق أهدافهم ولم يسمح لهم بإعادة النظر في ترتيب الاولويات او المواءمة بين القدرات وفاعلية إجراءاتهم!!

بالتأكيد، يمكن اعتبار هذا الخلل الكبير في قراءة الواقع وبالتالي في الإستراتيجية التي تبنتها الوهابية “القاعدة” جاء لصالح المسلمين في العراق وفي غيره، غير ان ذلك الحق ضررا بليغا بالإسلام كدين مبني على التسامح والمحبة والمودة والدعوة إلى الإسلام والوئام والإخوة بالطبع، لم يكن في وسع الوهابية “القاعدة” ان تفعل ذلك، لانها لم توجد اصلا الا من اجل زعزعة الوحدة الاسلامية وتعريض المصالح والامن الإسلامي لخطر الانشقاقات والانقسامات الدموية تحت شعارات وحجج زائفة وتبريرات كاذبة.

لقد اتسمت الشخصية الوهابية بـ “العداوة” الظاهرية للمسيحية واليهودية، إلا انها في الوقت نفسه كانت اقل انشغالا وهوسا بـ”الكافرين” منه باستقامة الرأي والسلوك كما يزعم “محمد عبد الوهاب” وقد كتب يوما انه ينبغي تأجيل “الجهاد” حتى ينظم بين الاسلام وبذلك باتت الشخصية الوهابية اشد شراسة بـ( اخوانهم ) المسلمين !!

ورغم كل ما بذلته الوهابية من جهود محمومة، سواء بشكل مباشر او عن طرق واساليب غير مباشرة، فقد ظل العراق بعيدا عن الوجود الوهابي، بل ان كراهية الوهابي ترقى الى مصاف كراهية العدو اللدود، بسبب الدماء الغزيرة والمآسي المؤلمة التي مرت على العراقيين بسبب الوهابية بيد ان الوهابية لم تيأس في ضوء ما يستجد من تطورات واوضاع تخدم مخططات وستراتيجيات واجندات قوى اقليمية تأتي في مقدمتها الصهيونية التي كانت تسعى إلى تكريس حلمها القاضي بقيام “كيان” إسرائيل الكبرى من الفرات الى النيل وكجزء من اسلحتها استخدمت وتستخدم الوهابية التي ترتبط بالصهيونية بروابط وجذور عميقة.. فدخلت العراق للمرة الأولى في منطقة كردستان العراق بعد عام 1940 ولم يظهر ذلك بشكل علني إلا في عام 1952 على يد عدد من اللذين اعتنقوا الوهابية أثناء مكوثهم في الحجاز لأداء فريضة الحج.

وفي نهاية الستينات ظهر التيار السلفي مع انتشار وسائل الاعلام والاحتكاك المباشر والمتكرر في مواسم الحج والعمرة وقوافل المبشرين والاغراءات المالية وظهر لاول مرة التيار “الجهادي” في عام 1978 الذي عكف على تشغيل اول تنظيم مسلح في عام 1980 في جبال كردستان العراق واطلق على الوليد الجديد اسم “الجيش الاسلامي الكردستاني”ثم تم تشكيل “الرابطة الإسلامية الجهادية”، وبعد عامين أي في حدود 1989 ظهر إلى الوجود تنظيم “الحركة الإسلامية في كردستان العراق” على يد الشيخ عثمان بن عبد العزيز وهكذا ظهر تيار إسلامي متعدد الاتجاهات: اخواني وسلفي علمي وسلفي وهابي، وفي عام 1992 ظهرت حركة جديدة أطلق عليها اسم “النهضة” وبعد عامين ظهر تيار جديد باسم “الاتحاد الإسلامي”.

لقد كان السؤال… ترى ماذا يقصد البعض بتعبير “الجهاد” وضد من. لقد حصلت بلبلة كبيرة ومتعددة الوجوه، بين هذه الحركات الاسلامية، فالعمل من اجل تصحيح الخطأ او الزلل او الانحراف، شيء، ومجاهدة الكفار شيء آخر، فكيف يستقيم اعتماد مبدأ الجهاد، والقتال يدور مع حكومة جائرة وليست كافرة.. وهكذا اخذ البعض ينهج نهجا آخر مبتعدا عن التيار السلفي الوهابي الجهادي، وهكذا اتفقت الحركة الإسلامية، بقيادة الملا علي عبد العزيز على الاتحاد مع “حركة الوحدة الإسلامية” وقامت بنشاط دعوي واسع في كردستان العراق وانشأت محطتين اذاعيتين وافتتحت مسجدا كبيرا، وبمرور الوقت تعرض هذا الاتحاد الى انشقاق اسفر عن قيام تنظيمين : “الحركة الإسلامية” بزعامة الملا عبد العزيز والثانية “الجماعة الإسلامية” بزعامة علي بابير. لقد ظل السلفيون الجهاديون الوهابيون يحاولون تغيير الواقع لصالحهم، فاسفرت هذه الجهود التي دعمت بالأموال السعودية، عن قيام تنظيم اطلق عليه اسم “جند الإسلام” في عام 2001 وضمت في صفوفها عدد من الذين كانوا في افغانستان بزعامة ابو عبيد الله الشافعي واسمه الحقيقي “وريا هوليري” الذي كان ينتمي اصلا الى الحركة الاسلامية في اربيل عام 1994 وقد تعرف على تنظيم القاعدة في أفغانستان وقد انتشر نشاط هذا التنظيم على شريط القرى الممتد بين حلبجة والقرى المتاخمة للحدود الإيرانية وهي تسع قرى أهمها بيارة التي كانت فقر التنظيم الذي بدا يدعو الى الاعداد والتجهيز لـ “الجهاد” ضد “أعداء “الامة !! 

وفي نفس العام، اندمجت ثلاث جماعات هي “جند الإسلام” و “حماس الكردية “و “حركة التوحيد “بتشكيل واحد يحمل اسم “انصار الاسلام “وكان ابرز قادته فاتح كريكار واسمه الحقيقي “نجم الدين فرج” وهكذا صارت هناك ثلاث جماعات إسلامية مسلحة في كردستان العراق هي :

1 ـ الحركة الاسلامية ومقرها حلبجة 

2 ـ الجماعة الاسلامية ومقرها في خورمال

3 ـ جماعة انصار الاسلام ومقرها بيارة 

لقد ظهرت بوادر الاستخدام الوهابي لـ “الجهاد” عندما دخلت جماعة “انصار الإسلام” في قتال مكشوف وضارٍ ضد حزب الاتحاد الوطني الذي مني بخسائر كبيرة، ورغم التوصل الى هدنة بين الجانبين، فان محاولة اغتيال برهم صالح الذي كان يشغل منصب رئيس حكومة الاتحاد الوطني ويعتبره الاسلاميين رجل “سي ي اي” الأول في كردستان العراق، عكرت الوضع خصوصا بعد إصرار الاتحاد الوطني على اتهام الجماعة بالمحاولة، مؤكدا ان الذين قاموا بالمحاولة ثلاثة أشخاص هم: عبد السلام ابو بكر عضو مركز السليمانية وشخص آخر اسمه قيس نجح في الفرار ثم اعتقل في السليمانية والثالث اسمه كامران مورياسي ولم تكن علاقة الجماعة بالحزب الديمقراطي الكردستاني طيبة أيضا فقد اتهم الحزب الجماعة باغتيال فرانسو حريري. 

وقبيل الحرب على العراق اتهم وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد بان “انصار الاسلام ” تطور اسلحة كيمياوية ولم تكن تلك التصريحات وغيرها وخصوصا التي صدرت عن الشخصيات الرسمية الاسرائيلية وكذلك الصحافة الاسرائيلية حول “المخاوف “من وجود القاعدة في شمال العراق، سوى قنابل ودخان على ما كان يجري في الخفاء حول امكانية ان تجد القاعدة لها موطىء قدم في العراق، خصوصا بعد ان اصبحت كردستان ممرا امنا لمرور “المتطوعين “الى افغانستان فبعد ان كان التنقل يتم عبر الحدود الايرانية الى افغانستان صار الانتقال الامن اعتبارا من عام 1995 يتم عبر كردستان العراق ويرجح ان الوضع ظل كذلك حتى بعد الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003.

لقد كانت باقي اجزاء العراق بعيدة عن كل ذلك، وان كانت هي المقصودة بكل تلك التحركات بيد ان هذا البعد اخترق بعد الاحتلال الأمريكي، فظهرت مجموعة تطلق على نفسها اسم “انصار السنة” بعد الاحتلال بخمسة اشهر تتبنى “الجهاد “ضد “المرتدين “و “الكفرة “وبعد حين ظهرت حركة جديدة، تحمل اسم “كتائب ابي حفص المصري” ورافق ذلك ظهور ابو مصعب الزرقاوي اميرا لما سمي بـ “دولة العراق الإسلامية” وهكذا بدأت خيوط الارهاب القاعدي الوهابي تنسج النسيج الارهابي بيد مجهولة وشرعت حدود العراق لكل من هب ودب من المتخمين باموال السحت الحرام والحالمين بالثراء لجياع يبحثون عن لقمة العيش في مقابر القاهرة واسيوط وفي الجزائر وتونس ونجد غيرها… فباعوا أنفسهم وآدميتهم بأرخص الاثمان بأقذر الافعال الخسيسة فكانت مجزرتا كربلاء واغتيال السيد محمد باقر الصدر ومجازر بغداد وقبل وقوع هذه المجازر، كانت القوات الاميريكية قد عثرت على وثيقة كتبت بخط الزرقاوي يحرض فيها اتباعه القادمين من خارج الحدود للقيام بكل ما يؤدي الى اشعال نار الفتنة الطائفية ويؤكد مصدر عسكري عراقي ان الاعلان عن هذه الوثيقة ما كان له ان يحصل من قبل الاميركان لو لم تقع الوثيقة بيد أحد العسكريين العراقيين الذي كان مكلفا بواجب امني في عملية دهم الوكر الذي كان يتواجد فيه الزرقاوي.

الحقيقة التي ليس في وسع احد أن ينفي وجودها، هي أن المسلمين ما عرفوا التطرف والعنف من اجل العنف إلا بعد ظهور التيار الوهابي فمنذ ذلك الحين، أي منذ عام 1744 عندما وجدت أفكار محمد بن عبد الوهاب المثير للجدل حول أصله وحسبه ونسبه وصلته بالانكليز والماسونية والصهيونية ممثلة باليهودية التي يتهم انه منها… طريقها للتأثير على محمد بن سعود المتهم باليهودية نسبا والذي كان يشغل في حينها منصب حاكم نجد، حيث بدأت عصابات السعوديين تدعي فرض دينها الجديد بحد السيف مدعية أن الجميع بدون استثناء بما في ذلك المذاهب الاسلامية المعروفة، خارجون عن الدين الاسلامي ومرتدون بحسب ما تفهمه هي.. لقد بدأت شلالات الدم الاسلامي في طول البلاد الاسلامية وعرضها.. وما كان لها ان تتوقف أبداً خصوصا بعد أن امتلك آل سعود الثراء النفطي الفاحش.

نعمة النسيان

للأمانة… لم ترد على بالي أغنية ميادة الحناوي (نعمة النسيان) إلا حين اخترتها عنوانا لعمودي هذا، فهي -والحق يقال- أغنية حزينة، معبرة ومشهورة، وقد تضاهي -عندنا- (كبة السراي) شهرة وصيتا، كما رأيت فيها ما يساند طبيعة الخبر المنشور على أحد مواقع الانترنيت -قبل أيام- والذي يتحدث عن سيدة بريطانية فقدت ذاكرتها بسبب إصابة في رأسها جعلتها تنسى ما مر بها من أحداث طوال عقدين ماضيين من الزمن.

  الخبر أخذني للأغنية، والأغنية (ودتني) الى تذكر استطلاع صحفيّ قمت به أنا -وأعوذ بالله من كلمة أنا- قبل عشرين عاما قريبا، بأخذ آراء عدد من زملائي الكتاب والأدباء والصحفيين عبر سؤال ماكر طالبتهم فيه أن يحذفوا أو يمنتجوا (من المونتاج)- لو تسنى لهم ذلك طبعا،وهذا مستحيل بالتأكيد- عشر سنوات من أعمار حياتهم وفق ما يشاؤون ويتمنون حذف تلك السنوات العشر أو عدم تذكرها -بمعنى وآخر-، جاءت أغلب إجابات الزملاء مخيبة -ليست لي- بل  لآمال وطبيعة وظنون واستراتيجيات ما كان يفكر فيه النظام السابق الغارق ببحور من حروب و محيطات من(بلاوي) حصارية وأخرى قمعية وغيرها من معاول نحر الأماني والأحلام التي حاول المستجوبون عبور حقول ألغام ذلك السؤال (الورطة) بمجسات حذر ووعي واحتراز، لم يحرز غير تأجيل ذلك الاستطلاع وإلغاء فكرته اللعينة -جملة وتفصيلا- وانتهت برمي أولياتها كاملة في سلة المهملات راضيا بقرار شاركني فيه صديقي الشاعر المبدع عبدالزهرة زكي، أيام كان رئيسا للقسم الثقافي في جريدة الجمهورية حين كنا نعمل معا في آخر محطة لي عام2000 في الجمهورية (الجريدة) التي أحب وأعشق وأشتاق للآن.

      يلخص الخبر المتعلق بالسيدة البريطانية، واسمها (كاي ديلاتي)وعمرها (55) عاما، بأنها تعرضت الى ضربة مفاجئة في الرأس، نتج عنها تعطيل غريب في ذاكرتها، إذ توقفت الذاكرة لديها عند حدود عام/1990ولم تعد تتذكر ما حدث لها من مواقف واحداث قبل ذلك التأريخ، الى درجة لم تتذكر -أصلا- أن لها ولدا شابا يبلغ من العمر عشرين عاما يدعى جيمس، كما أنها غير مقتنعة بأن ابنها البكر ويدعى (كيني) قد بلغ من العمر(27)عاما، وابنها الآخر (الوسطاني) واسمه (ساندي) هو الآن بعمر (22) عاما.

     لكن من جملة ما تتذكره  هذه السيدة (المكرودة) ان ولديها المذكورين ما زالا طفلين صغيرين، ولم تقتنع بأن والديها غير موجودين على قيد الحياة! وحين تعرضت -من قبل مختصين- الى مجموعة من اسئلة عامة، جاءت إجاباتها -مثلا- أن (مارغريت تاتشر) المرأة الحريرية – كما يطلق عليها في سيـــــاق فيلم سينمائي تناول حياتها ونال أحدى جوائز الأوسكار هذا العام،أو العجوز الشمطــــــــاء كما كان يحلو للقائد (الضرورة) ووسائل إعلام نظامه السابق أن ينعتها بذلك- لم تزل رئيسة لوزراء بريطانيا، كما أدعت انها سمعت بوجود شخص يدعى(توني بلير)،ولم تعلم بحادثة موت الأميرة ديانا و مفاجآت أخرى جعلتها تجهش بكاءً مرا .

     هنا- أسأل…هل النسيان- فعلا- نعمة؟ أم الأمر ينحصر -فقط- بمن تمتلئ ذواكرهم بالموت والمخاوف والحروب وانقطاعات مزمنة للكهرباء؟!

الأخطاء الكبيرة تفضح الحكومة غير الجديرة

الأخطاء الكبيرة تميت القلب، هذا مفهوم يعرفه العقلاء والموحدون، وتوبة ابينا آدم “عليه السلام” هي مشروع معرفي لتطويق الخطأ والاعتراف بأنه ضد التنمية البشرية , وضد سلامة العلاقة بين الخالق والمخلوق من البشر,  قال تعالى: “فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم” – 37- البقرة .فالتوبة اعتراف بالخالق الرب، واعتراف بمحدودية المخلوق تجاه الخالق، ولذلك قال الفلاسفة :

“قف عند حدك ايها المحدود” والتوبة اعتراف بحق الناس لان الخطأ البشري يغمط حقوق بعض الناس كالسرقة والكذب والتزوير والرشا والنفاق والغيبة او كل الناس كالقتل الذي اصبح اليوم الهواية المفضلة للارهابيين التكفيريين .والحكومة التي تعمل على ابقاء بعض الناس في خانة الفقر بينما يتمتع افرادها باللعب بالمال العام هي حكومة تفتح للكفر بابا، جاء في الاثر النبوي ما معناه : “قال الكفر للفقر خذني معك” وقال الامام علي “عليه السلام”:  “عجبت لمن لايجد قوت يومه كيف لايشهر السيف في وجه الناس”.وللذين يعتبرون انفسهم من المتدينين في الحكومة وهم يمارسون الأخطاء الكبيرة التي ظهر منها في أسبوع واحد خطان هزا الشارع العراقي وهما :

1- التعسف في موضوع البطاقة التموينية

2- الفساد في عقود التسلح مع روسيا

واذا كانت روسيا العلمانية قد بادرت الى اقالة وزير دفاعها ورئيس اركان جيشها بسبب فساد عقود بيع الاسلحة الى العراق تحديدا, فلماذا لم تبادر حكومة بعض المتدينين الى عزل المتورطين في تلك الصفقة وفي صفقات كثيرة قبلها حتى عرف احدهم انه لايدخل على رئيس الحكومة إلا وبيده ملف مقاولة او صفقة.

ويقال ان رئيس الحكومة يعلن تذمره من ذلك الرجل امام المقربين منه ولكنه مع ذلك باق في موقعه.وللمزيد من توضيح الصورة، فإن هذا الرجل الذي يتذمر منه رئيس الحكومة والمتورط في صفقات الفساد المالي هو صاحب تاريخ معروف بالفساد يوم كان موظفا في احدى الشركات خارج العراق. 

واصحاب الأخطاء الكبيرة التي تحولت الى فضائح وللمتدينين منهم نقول عليكم ان تختاروا أحد الاوصاف التي اطلقها الله تعالى بحق من لم يحكم بما انزل الله وهي على الشكل الآتي:

1- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون”

2- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون”

3- “ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الفاسقون”

ولغير المتدينين منهم نقول: ان الدستور العراقي ينص على ان النفط ثروة للشعب العراقي, فلماذا سمحتم لانفسكم وابناءئكم وحواشيكم ومحازبيكم بالثراء وتركتم الشعب العراقي محروما من ثروته النفطية وكثير منه تحت خط الفقر, فأحد ابناء المسؤولين منكم اشترى قصرا في امريكا بعشرة ملايين دولار, وابناء الاخرين ينشطون في السوق المالية في الامارات ولندن, وتبقى عمان بؤرة لغسيل المال العراقي المهرّب مع حمولة الطائرات.

ولكثرة الأخطاء وخطورتها التي تسبب بها فريق الحكومة في العراق ومعهم كتلهم واحزابهم ومنها :

1- تثبيت مصطلح المناطق المتنازع عليها في الدستور العراقي بإملاء نوح فيلدمان مستشار بول بريمر الحاكم المدني للعراق ايام الاحتلال والذي كان البعض يتنافس على دعوته لولائمهم السحت من مال الشعب العراقي مما جعل بول بريمر يرميهم بأقذع الصفات في كتابه “سنة من العمل في العراق”.

2- تثبيت: مفهوم رفض ثلاث محافظات ينسف ماتتفق عليه بقية المحافظات 

3- تثبيت: يحق لكل محافظة فتح مكتب لها في السفارات العراقية وهي دعوة مبطنة للفوضى وتهميش الدولة .

4- تثبيت: يحق لكل محافظة او اقليم اصدار عملة نقدية بلغته وكذلك بالنسبة للجوازات وهي بدعة ليس لها مثيل في عالم الفيدراليات.

5- السماح بوجود مايسمى ممثل اقليم كردستان في بغداد وهي مفارقة دستورية ليس لها مثيل في عالم التعددية والفيدراليات, فالاخوة الاكراد منهم رئيس الجمهورية ومنهم نائب لرئيس الحكومة ولرئيس مجلس النواب وعندهم ما يزيد على ستين نائبا في البرلمان العراقي وعندهم وزراء في الحكومة الفدرالية فما معنى وجود ممثل لإقليم كردستان في بغداد.

6- السكوت عن نسبة 17/0 التي يأخذها اقليم كردستان خلافا للنسبة القانونية الدستورية حسب نسبة السكان التي اعتمدت فيها البطاقة التموينية.

7- السكوت عن قيام اقليم كردستان بفتح قنصليات في بعض الدول وفتح قنصليات لبعض الدول دون المرور عبر الحكومة الفدرالية، هي مخالفة دستورية.

8- السكوت عن قيام ادارة اقليم كردستان بفرض الاقامة المحددة ومايقترب من التأشيرة للمواطنين العراقيين الذين يزورون محافظات الاقليم وهي مخالفة دستورية لم تناقش في مجلس النواب.

9- السكوت عن رواتب البيشمركة التي تؤخذ من الميزانية العامة والسكوت عن تحرشاتهم غير الدستورية ضد وحدات الجيش العراقي الفدرالي كما حدث مع الوحدة التي توجهت الى شمال الحدود السورية العراقية, وكما حدث اخيرا مع وحدة دجلة في كركوك. 

10- التعامل الهش والرخو مع تراخيص عقود استخراج النفط في اقليم كردستان والتي سئم منها الذوق العام لخبراء النفط .

11- تعيين محافظين فاشلين ترفضهم القاعدة الشعبية وبعضهم كتبت الصحافة عن فضائحهم ولو كان ماكتب في دولة اخرى لأقيل المحافظ والوزير فورا او لاستقال من طاله التقرير، لأنها حقائق يعرفها المواطنون.

12- فشل التعامل مع مجالس المحافظات التي صعد فيها كثير من عدم اصحاب الكفاءة والذين اصبحوا موضع تندر المواطنين لانشغالهم في الايفادات والسفر للخارج والاثراء غير المشروع .

13- اصرار رئيس الحكومة على وجود حاشية من حوله تثار حولها الشبهات دائما دون الاكتراث برأي الناصحين.

14- اصرار احزاب السلطة ورؤساء الكتل على اقتسام المغانم عبر المحاصصة وعدم الالتفات الى حقوق المواطنين الذين انتخبوهم .

15- لهذه الاخطاء ولغيرها ضعفت الدولة وهزلت الحكومة وترهلت دوائرها التي تعيش حالة فوضى وانفصال عن المواطنين نتيجة تحكم روح البيروقراطية والاقطاعية والدكتاتورية والجهل والفساد الذي دمر كل شيء.

ومن هنا عندما نحكم على الحكومة بأنها غير جديرة فإننا لانخاصم شخصا من افراد الحكومة كما قد يظن البعض وانما نريد ان ننتصر للمواطن المحروم وللوطن المظلوم، والمناسبة انكشاف الاخطاء الكبيرة في طريقة معالجة البطاقة التموينية, وطريقة التعامل مع العقود الفاسدة التي نخرت جسد الدولة وذهبت بهيبتها.

شاب انتهازي !!

(1964) ذلك عام لا يغادر الذاكرة، وثمة من ينصب (حالي) المكسور، أو يرفع (خبري) المنصوب، أو يمنع (ممنوعا من الصرف) صرفته، ولكنه يثني على (خواطري)، ويحثني على (النشر)، وأنا فتى يستحي من النظر إلى نفسه في المرآة، فكيف لي أن اقتحم أبواب الصحف وبيني وبينها وجل ورهبة وحياء؟!

في ذلك العام الذي ما زال يرهق وجداني، وقد بلغت التاسعة عشرة من العمر، وكان أولاد الحلال من أصدقائي الشجعان قد نشروا لي أكثر من مقالة أو خاطرة أدبية في هذه الجريدة أو تلك، قررت خلع عباءة الحياء والتردد، وتحليت بقدر من الشجاعة -وان كانت دون شجاعة أصدقائي- وتوجهت الى مبنى قديم في منطقة (الحيدر خانة)، اتخذت منه إحدى الصحف البغدادية مقرا لها، وبعد الاستفسار عن الشخص الذي يمكن أن يتسلم ( كتاباتي ) وجدت نفسي في داخل غرفة صغيرة بحجم زنزانة انفرادية عابقة بالضجيج الصادر عن مروحة منضدية عتيقة!!

أمامي تماما وراء منضدته، رجل كهل، يعتمر (سدارة) سوداء ورثها اغلب الظن من مخلفات الحرب الكونية الأولى، لا تغادر السيجارة فمه، كنت يومها ممسوسا بعشق السياب والشعر الحر ، ومتعلقا على أفكار سارتر واحلام ماركس وثقافة طه حسين وفي أعماقي (حصيري) خجول، أما الخوف فكان سيد الموقف وأنا أمثل أمامه! 

 (السلام عليكم) ولم تترك تحيتي الإسلامية أثرا على لسانه أو يده أو عينه، ولم يرد عليها بمثلها أو أحسن منها او أسوا منها، ورماد سجائره يتساقط فوق أكداس من الأوراق المبعثرة بفوضى غريبة، يمر بالشطب والحذف والتمزيق وهو يشتم الكتاب الأميين والجهلة ورأيت في لحظة الرعب تلك -وعرق تموز يلسع جلدي- أن مصيري سيكون كذلك إلى سلة المهملات، وتمنيت الهرب في أول مواجهة صحفية في حياتي، إلا أن فرصة الإفلات باتت مستحيلة، وأوهمت نفسي وقناعتي، أن الرجل لم يسمع، فأعدت عبارة (السلام عليكم)  بآخر صيحات المنكسرين!! 

من مكان ما حصلت على نصف تحية (وعليكم)، وأعقبتها بسؤال ينذر بقرب المعركة (ها …شتريد)، لا بأس حتى لو كان رده بصيغة الشتيمة، فقد تيقنت أن هذا الكائن يسمع وينطق، قلت له [عندي مقالة] ، وتكرم بأعجوبة ونظر لأول مرة من وراء نظاراته المهشمة، إلى خوفي وسنوات عمري وتسريحة شعري باستخفاف يمكن ملاحظته بالعين المجردة، ثم أملى علي شروطه [اسمع يا ولد … إذا كنت من الجماعة الذين يمدون أصابعهم في البحر ليلامسوا نجمة السماء، ويقولون هذا شعر حر، فلا مكان لك هنا !!]، ولم أرد عليه، رعبي هو الذي شتم الشعر الحر وحامله وشاربه وساقيه!!

نجحت في رسم الهشاشة على وجهه وغادرت الجريدة مرضيا عنه، ولكنني وقد أسلمت روحي إلى الشارع، وتنفست حريتي، شعرت بالقرف من نفسي، حيث كنت ملغوما بالانتهازية حتى أخمص قدمي، وكنت وما زلت أحاول تطهير ذاتي من ذلك الموقف الوحيد الذي ارقني على مدى خمسين عاما، وكنت ومازلت أعجب من أولئك الذين يبيعون أقلامهم، وينشدون ابتسامة السلطة، ويتربعون راضين مطمئنين على عرش من الذل والهوان! 

ماذا لو كان مْسَلّم البراك صادقاً ؟

لست متحاملا على النائب الكويتي مسلم بن محمد بن حمد بن ناصر البراك المطيري, فالرجل ينتمي إلى الجبهة الكويتية المعروفة بوطنيتها المتشددة المتطرفة المتعنصرة, وله قاعدة شعبية عريضة في بلده, وهذا ما أثبتته الصناديق الانتخابية بالأرقام, ابتداءً من عام 1996 عندما فاز بالمركز الأول على الدائرة السابعة عشرة, إلى عام 2012 عندما فاز بالمركز الأول أيضا على الدائرة الرابعة, مرورا بالدورات الانتخابية المتعاقبة, التي تلت عام 1996 والتي تبوأ في معظمها المراكز الأولى, وله ميزة أخرى, فهو نجل النائب الكويتي محمد بن حمد البراك, الذي عرفه الناس بعفته ونزاهته, واختارته صحيفة نيويورك نيوز كأقوى ثالث معارض في العالم ضد سرقة المال العام والفساد الإداري. 

 بيد أن تطرف النائب مسلم البراك يحسب له وعليه, وربما قادته عنصريته إلى حتفه في أحايين كثيرة, فتارة يصيب وتارة يخيب, وتارة ينجح في تشخيص هفوات الحكومة الكويتية وعثراتها, وتارة يفشل فشلا ذريعا, ويضع نفسه في مواقف لا يحسد عليها, ولم ترض عنه الحكومة الكويتية بسبب غلوه السياسي ونزعته العصبية, فأصدرت ضده مذكرة توقيف, وتعرض أكثر من مرة للانتقاد والتعنيف والتقريع على صفحات الصحف الكويتية والعربية, فلقبته الصحف الأردنية (مسيلمة البراك), ونعتته الصحف الفلسطينية بالرعونة, وتهجمت عليه الصحف العراقية بسبب مواقفه المعادية للعراق, وطالبه نواب من العراق بالاعتذار رسميا بسبب تطاوله السافر على أبناء الرافدين. 

لكننا وقبل أن نصل إلى مربط الفرس في موضوعنا المرتبط بآخر تصريحات البراك, نؤكد على مواقفنا السابقة منه, ونسجل امتعاضنا من شطحاته اللسانية, وعباراته السوقية, وشتائمه المتكررة ضد العراقيين والأردنيين والفلسطينيين, فالشعوب لا تُهان ولا تُسب ولا تُذم, لذا فإننا نعترض جملة وتفصيلا على اتهاماته التي قال فيها: إن الشعب الأردني رقص على جراح الكويتيين إبان الغزو العراقي, ونعترض على استناده على أدلة انطباعية زائفة, تفجرت على شكل تهديدات جوفاء سمعناها كثيراً من جماعات كويتية موتورة, امتلأت قلوبها بحقد دفين, فأعمت الكراهية بصرها وبصيرتها.لكن اللافت للنظر أن البراك تحدث آخر مرة بلهجة صريحة واضحة لا لبس فيها عن خروقات أمنية ارتكبتها حكومته, متهماً إياها بالتنسيق مع الحكومة الأردنية لاستضافة (3500) من عناصر قوات الدرك.  ولابد لنا أن نأخذ مثل هذه التصريحات على محمل الجد, فالرجل لديه مصادره المعلوماتية, وتربطه علاقات مباشرة بأصحاب الحل والعقد في بلاده, وهو فوق ذلك كله سياسي مخضرم, ونائب قديم في مجلس الأمة, وبالتالي فانه ربما كان صادقاً عندما تحدث عن قيام الكويت باستجلاب تلك القوات للاستعانة بها في قمع المعارضة, وهذا ما أكد عليه في حينها النائب (جمعان الحربش), مشيرا إلى أنهم نقلوا إلى الكويت عن طريق الجو بطائرات (الهركليز), بينما حذر الشيخ الأردني (حمزة منصور) أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي من مغبة مشاركة الحكومة الأردنية في قمع تطلعات أي شعب عربي, وقال في رسالة بعثها إلى مكتب رئيس الوزراء: (إن موقف الحكومة الأردنية غير واضح, وغير حاسم بخصوص وجود دور للأمن الأردني في بعض البلدان العربية), ويقصد الكويت, وطالب حكومته بتصريح رسمي واضح إزاء مشاركة قوات الدرك الأردنية في مواجهة الشعب الكويتي. نحن إذن أمام مرحلة جديدة من مراحل الاستعمار العربي الجديد, الذي تمارسه ضدنا القوى العربية الظالمة, تارة تستعين بالقوات الأطلسية في توجيه الضربات القاصمة لظهورنا, وتارة تستعين بقوات التحالف لانتهاك أرضنا ومياهنا, وتارة تستعين ببعضها البعض لمصادرة حراياتنا ومنعنا من التظاهر والاعتراض والاعتصام, فلا تندهش بعد الآن إذا طاردتك الشرطة التونسية في الخرطوم, ولا تستغرب إذا اعتقلتك الشرطة السعودية في المنامة, ولا تتعجب إذا قبضت عليك الشرطة العراقية في حلب, أو اعترضت طريقك الشرطة الأردنية في الكويت, ولا تستبعد ان تحقق معك الشرطة اللبنانية في القرى الموريتانية, فنحن الآن في زمن التضامن البوليسي العربي المتشدد. 

 وسنشهد في القريب العاجل مرحلة جديدة من مراحل الاضطهاد الوطني الذي ستمارسه ضدنا الحكومات العربية, وعيش وشوف. 

ورحم الله الشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي عندما قال:

تجوز سيادة الهندي فينا وأما ابن البلاد فلا يسود

وكم عند الحكومة من رجال تراهم سادة وهم العبيد

كلاب للأجانب هم ولكن على أبناءِ جلدتهم أسود

أما والله لو كنا قروداً لما رضيت قرابتنا القرود

والله يستر من الجايات