مكافأة تشجيعية

يصف المؤرخون العصر العباسي بأنه عصر المتناقضات الحادة، فبقدر ما كان عنوانا ً للنهوض الحضاري، كان بالمقابل عنواناً لتفشي الرذائل والسقوط الأخلاقي، فمن حركة بناء وعمران وفنون معمارية، وازدهار للشعر والموسيقى والترجمة، وعناية بالعلماء والأدباء، وانطلاق لمدارس الفكر والفلسفة والزهد والتصوف والفقه، الى انتعاش ظاهرة المجون والخمر والجواري والغلمان ومجالس اللهو العابثة، الى ظهور المئات من مدعي (النبوة) الذين مثلوا الخطر الأكبر على وحدة المجتمع وبنيته الدينية، بعد أن أصبح لهم من الرعاع والجهلة أتباع يؤمنون (بمعجزاتهم) ويأتمرون بأمرهم، وكان الخليفة العباسي (لعله المأمون) يخرج إليهم بنفسه، يحاججهم ويبطل حجتهم، ثم يعاقبهم بقسوة، حتى يقطع دابرهم، ويقطع دابر فتنة لا تحمد عقباها. 

من طريف ما يروى في هذا المجال، إن أحد أدعياء النبوة زعم لأتباعه إن معجزته (السماوية) تقوم على معرفته بهويات الناس جميعهم ومعرفة أسمائهم، بمجرد أن ينظر الى الواحد منهم ليقول له (أنت فلان ابن فلان، وأمك اسمها فلانة, وتسكن في المدينة الفلانية) ولهذا قصده المأمون بصحبة وزيره، وقد تنكر الرجلان وأخفيا شخصيتيهما بزي إعرابيين قادمين من البادية، ودخلا مجلسه بعد الاستئذان من الحراس والحاجب، وجلس الوزير الى يمينه والمأمون الى يساره، ويبدو إن الرجلين لم يتنكرا بما فيه الكفاية، فقد تعرف عليهما الحراس وأبلغوا (النبي) المزعوم إن من سيدخل عليه هو الخليفة ووزيره، ولهذا حين تحدث إليه المأمون، وإنه سمع بمعجزته وجاء ليؤمن به، سأله [ هل حقا ً تعرف من أكون ومن يكون صاحبي ]، نظر (المتنبئ) إليهما نظرة متأملة وقال [ الذي يجلس الى يميني – ويقصد الوزير- هو ابن زانية، أما الذي يجلس الى يساري فهو…] وأطلق المأمون ضحكة عالية، واغلق فم (النبي) قائلاً [لا تكمل فقد آمنت بك] لأنه خشي على أمه من صفة أسوأ وأقذع!! 

معلوم إن تراث الشعوب حافل بآلاف الحالات المماثلة، سواء من ادعى الإلوهية والنبوة، أم احتال بالسحر والشعوذة، أم اعتمد تزوير الشخصية والهوية، ويعد التزوير بأنواعه في عصرنا هو سمة المرحلة، والظاهرة الأخطر على المجتمع، مثلما كان دعاة النبوة يشكلون الظاهرة الأخطر على مجتمعاتهم في حينها، خاصة بعد أن امتد التزوير الى العملة والشهادة والهوية والبطاقة التموينية والموقع الوظيفي والرتبة العسكرية والمنشأ الصناعي والعلامة التجارية… الخ، والأمر المحزن حقا ً إن العراق أصبح وكرا ً لهذه العمليات التي بدأت تعلن عن نفسها في ظل النظام السابق، حتى شملت إجازة الجندي ودفتر الخدمة العسكرية، ثم اتسعت حالات التزوير وميادينه بعد الاحتلال بصورة لافتة للنظر، فمزورو الشهادات لم يعودوا بلغة الأفراد، وإنما بلغة الآلاف، بحيث لم يسلم منها مئات المرشحين للانتخابات البرلمانية، والذين يتقاضون رواتب لا يستحقونها من شبكة الرعاية الأجتماعية وصلت نسبتهم الى 50%، أغلبهم من موظفي الدولة الذين يتقاضون أجورا ً مجزية وغير ذلك من أنماط التزوير وصوره، لا يحصى ولا يعد.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في عمليات التزوير والاحتيال، إذ ليس من الصعب معالجتها والقضاء عليها بشيء من صرامة القانون وقوته، ولكن في كونها عرضه للاستشراء والتفاقم، لأن (العقوبة) نفسها، هي التي تشجع على الاستمرار والتمادي، لأن الموظف الذي يضبط بالجرم المشهود وسرقة المال العام مثلا ً، يعاقب بإعادة ما سرقه إلى خزينة الدولة، ويبقى في مكانه معززا ً مكرما ً، أما الذي يتكئ على ظهر وزير او حزب سوبر أو مسؤول فوق القانون، فيمكن ان يعاد النظر في عقوبته، ويستطيع الاحتفاظ بالمبلغ المسروق كمكافأة تشجيعية على تفانيه في العمل و…. وعفا الله عما سلف!! 

أصدقاء الكهرباء

أظنها المرة الأولى- في حياة علاقتي المستدامة مع تواصل (زحف) ضعف خدمات الكهرباء في ربوع بلادنا حتى بعد تجاوز ميزانية حكومتنا الرشيدة المائة مليار دولار- التي أشمر فيها عن سواعد (قلمي) ليقف جنب مجال حيوي-تربوي-إرشادي اتبعته إحدى مديريات كهرباء بغداد منذ سنوات، كان قد أثار اهتمامي، بحق يتعلق بمحنة أهلنا (من جماعة الكهرباء)، لا أقصد هنا -طبعا- نادي الكهرباء الرياضي، والذي تحول اسمه -منذ زمن مضى- إلى نادي الصناعة،بل أقصد محنة وزارة الكهرباء،التي سجلت رقما قياسيا في سجل حالات من العزل والفرار أو الاضطرار بطلب التنحي أو الاستقالة لكل من(تجشم) حمل حقيبتها طوال عقد من الزمن،ولم تتحقق-للآن- معجزة توفير نعمة الكهرباء،بالشكل الذي تطمح اليه وتتوقف عند ظروف توفيره أفقر بلدان العالم، ممن لا تتجاوز ميزانيتها عشر معشار ما وصلنا اليه، بعد أن طفرت واجتازت ميزانيات عراقنا الجديد حواجز وموانع  أرقام فلكية، كان يمكن لها أن توفر لنا (نزهة) التمتع بكهرباء، ذات كبرياء متواصلة على مدار خمس وعشرين ساعة في اليوم، بدلا من الأربع والعشرين ساعة المعروفة في حياة عمر يومنا المعتاد!!

  نعود إلى علاقة موضوع أو حكاية (أصدقاء الكهرباء) الذي هو رأس الحربة في مفصل هذا العمود، بعد أن تتعمق وتتضح ملامحها وتبان مياسمها، اقتفاء أثر خطوات الجهد المهني والحس الوطني -واقعا وحلما- في فحص ومتابعة ما اتبعه زميلنا الاعلامي المخضرم (صلاح غازي إسماعيل) مدير اعلام المديرية العامة لتوزيع كهرباء الكرخ، من وعي ومثابرة وحرص في فهم حجم المعاناة وتطويع ما موجود ونزر ما متوفر من طاقة كهربائية.

لقد سعى صديقنا لترسيم حدود التثقيف والتوعية والإرشاد بإتباع صيغ ووسائل مباشرة، غير تقليدية -تماما- لدى اقتراحه تنفيذ إقامة مهرجان حمل عنوان (أصدقاء الكهرباء) ويحقق دورتين (الأول/2007والثاني/2009) متجاوزا ظروف الطائفية المقيتة وخرائب ودمار الإرهاب في الحيز الذي عمل فيه -بتناسق وتناغم وتحد مدروس بقوة الارادة واليقظة، ما بين استجابات دائرته (كهرباء الكرخ) وتعاون (دار ثقافة الاطفال) بطول باعها وخبرتها بعوالم الطفل وتربية مخيلته، حوى المهرجان بدورتيه صدى ما قدم من/مسرحيات/أوبريتات/مشاهد كوميدية/فعاليات فرقة السنافر/ معارض فوتوغراف/ أنشطة ثقافية متنوعة، ترواحت ضخ مفاهيم حرص وتعليم الأطفال أهمية الحفاظ عن الطاقة وعدم تبذيرها، بنهج تربوي-حضاري.

 ولم تنقطع محاولات (صلاح غازي) الذي اعتاد أن يدع نشريات دائرته من مجلات ودوريات وملصقات و(ألبومات صور) وتوثيقات هي من تتحدث، لدرجة اعتقدت حال تجوالي بين كل تلك المنصفات الورقية والفلمية وتواصل تعاونه مع (دار صديقي للاطفال-مؤسسة الشهيدين الصدرين) و(المركز الثقافي للطفل)،أن وراءه مؤسسة اعلامية كاملة الملاك والتفكير والرؤى وفق ما متوفر ومتاح لدى (صلاح) الذي يحيى جهد العمل مقرونا بروح نبض عمل الجماعة داخل قيمة عمل وأثر حقيقة الإعلام الحقيقي،على أقصى ما يجب عليه وينبغي…بالهدوء والتواضع والوطنية التي يتمتع بها من هم من أمثال (صلاح)، لا أولئك الذين يملأون أجواء الفضائيات ووسائل الإعلام كلاما فارغا وتصريحات مجانية تطلق هكذا مثل بالونات، سرعان ما تتفرقع وتنفجر هباء في الهواء.!

بغداد بين هجمات الإرهاب وحفلات ملكات الجمال .. العام الهجري… ماذا بقيت من قيمه؟

يطلّ علينا العام الهجري الجديد ونحن بلا جديد حقيقي يسجل لصالح البشرية.ومفهوم “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وان كان محفوظا في لوح السماء وله على الأرض قلة مستنيرة واعية غُيّبت عن مسرح الحكم والقرار ولكنها احتفظت بمبدأ الانتظار الذي سيكون يوما مشروعا للبشرية الباحثة عن حقها المُصادر وإنسانيتها المعتدى عليها بالطعام والكساء والأمن والصحة والتعليم والفهم الصحيح لمدركات العقل لاعمال وظيفته في الكون والحياة.

لن يقنط وييأس الذين يعرفون قيم العام الهجري وهم يرون هجوم الصهاينة على غزة المحاصرة.

ولن يقنط وييأس الذين يعرفون قيم العام الهجري مما يجري من حرب كونية ضد سورية الدولة والإنسان قبل سورية النظام والذي تسخر فيها مجموعة من المعارضة التي ارتهنت للأجنبي لأنها توقفت عند بوصلة أحقادها الشخصية ولم تتذكر معاني الهجرة التي قال قائدها النبي المرسل صاحب الخلق العظيم لمن حاصروه في شعب أبي طالب ولمن ظلموه ورفضوا بكاء النساء على قتلاهم في بدر حتى لا يذهب الحزن والكمد من نفوسهم، هؤلاء جميعا قال لهم النبي المرسل عند فتح مكة: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

والمعارضة ولمن يعرف معناها الإنساني الحضاري عليه ان يستقي دروسا من معاني العام الهجري حتى لا يبقى حبيس الفهم الطائفي والعنصري والفئوي الذي يستحضره البعض هذه الأيام فيكون صيدا ثمينا لأبطال اللعبة الدولية في كل من فلسطين المحتلة ولبنان المقاوم حيث تثار العصبيات الطائفية بوجه حزب الله لا لشيء إلا لأنه عرف كيف يحجم كبرياء الصهاينة وجيشهم عبر انسحابهم من لبنان عام 2000 ثم فشلهم في حرب تموز عام 2006 وأخيراً عبر طائرة أيوب الاستطلاعية وعندنا في العراق مازال بعض المعارضين يستحضرون مواقف الطلقاء مما جعلهم يكونوا رديفا للإرهاب التكفيري الذي لا ينتمي لدين الهجرة ولا لمعاني إنسانية البشر من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها.

إن من يعرف معاني الهجرة لا يسمح لنفسه وعقله ان تكون خياراته السياسية ضد دول الممانعة وحركات المقاومة لصالح الدول التي عرفت تاريخيا ومازالت تريد إفراغ المنطقة والأمة التي فيها من مفهوم الهجرة ومبادئها، وبسبب مواقف الدول التي تريد محاصرة دول الممانعة وإنهاء حركات المقاومة ومن يناصرها أصبحت الكنائس العربية المرتبطة بالفاتيكان من خلال الإرشاد الرسولي هي الأخرى محاصرة لصالح الكنيسة الصهيونية المتطرفة ومن خلفها تيار المرمون التوراتي الذي أصبح ممثلا لأصحاب القرار في كل من أمريكا وأوربا، وهذا المعنى لا يعرفه الكثير من متعلمي المنطقة ومثقفيها، ولذلك نرى الفضائيات والصحف وكل الإعلام عندنا منقسم ومخترق بشكل لا ينتمي لمفهوم الهجرة الإسلامية ولا لمفهوم الحواريين النصارى “ليسوا سواء من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم ساجدون” – 113- ال عمران – وهذا المعنى القرآني قد تخلف عنه الكثير لأنه لم يتخذ محورا لرسم العلاقة السليمة بين ابناء المنطقة من مسلمين ونصارى، وهذا التخلف في الفهم هو الذي يحضر اليوم للفتنة بين الشيعة والسنة والذي تتخذ منه دول لعبة الامم وسيلة مفضلة لاغراق المنطقة بالفتنة. 

لقد مر الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ومعه جماعة على كنيسة، فقال بعضهم: كم اشرك الله في هذا المكان. فقال الإمام علي: وكم عبد الله في هذا المكان. لان الإمام كان يستحضر معنى الآية ” 113″ من سورة آل عمران التي ذكرتها قبل قليل، والإمام علي هو من كان يقول: “ان عثمان رجل كنت اكثر استعتابه واقل عتابه ” والاستعتاب هو “الإرضاء” وهو قاعدة للتقارب الإنساني ولو عملنا بهذه المفاهيم التي تنصف بعض النصارى في دينهم لوجدنا ان وحدة الشيعة والسنة وتحاببهم هو دين الهجرة وخلق الذي يعرف معنى الهجرة.

ولكننا مازلنا بعيدين عن معاني الهجرة وأخلاقيتها لان أصحاب القرار في المنطقة لازال اكثرهم يخضعون لهوى ورغبات الدول المتحكمة بلعبة الأمم، ومن هنا أصبح إعلامنا في اغلبه لا ينتمي لروح هذه الأمة ومنها على سبيل المثال: مهرجان دبي السينمائي العالمي الموجه بثقافة “أدول ستار” و”ستار أكاديمي” وهذه الثقافة التي لا تنتمي لروح الامة هي التي جعلت من القائمين على نادي الصيد العراقي إقامة حفل “ملكة جمال بغداد” وكأن بغداد استكملت كل استحقاقاتها المعرفية وتخلصت من هجمات الارهاب التي تقف ورائها احقاد طائفية وتخلف يبحث عن الذرائع، او بمعنى اخر كان المرأة في العراق حصلت كل حقوقها ولم يبق لها الا ان تبحث عن حفلات الجمال التي هي تأسيس يهودي لتخريب اخلاق الناس.

ان حياء المرأة اكبر ثروة للمرأة وللبشرية، والتوجه لاقتلاع هذا الحصن الروحي والنفسي عند المرأة هو اقتلاع للقيم.

والذين يتصورون عملهم هذا “حفل ملكة جمال بغداد” كما جرى في نادي الصيد الذي مازال يحمل بصمات نزق عدي عندما كان يجعل من نادي الصيد محطة لافتراس عذرية الفتيات اللاتي يقعن بين يديه، يتصورون ان عملهم تقدم وثقافة هم واهمون لان من يدعو لذلك هم أصحاب فلسفة الرغبة فوق العقل، والحرية هي اصطدام الذات بالغرائز الطبيعية، وهي فلسفة هجرها الحاضنون لها من المجتمعات الأوربية مثلما هجرتها سيمون دي بوفوار وجان بول سارتر عند بلوغهم مرارة الشيخوخة، فارحموا بنات بغداد والعراق من هذه التقليعات التي تقف وراءها نفوس مريضة وأيادٍ مشبوهة.

ولن يكون الاحتفال بالعام الهجري الجديد بمستوى الاحتفالات التي تقام لتتويج ملك مخنث او امير عاق او مهرجان سينمائي يدعى له منتسبو “ادول ستار” ومحترفو الإباحية والانحلال الذين وجدوا لهم قدما في أطراف جزيرة العرب بعد ان حقق لهم لورنس العرب حفنة من مرتدي العقال العربي هواة الذبح بالسيف مع الجاسوس البريطاني “همفر” الذي اقتنص لهم شابا نزقا خامل الذكر قادما من العتيبة ذات الطبع الجاف في جزيرة العرب الى البصرة التي وصفت في يوم ما بانها اقرب شيء الى الماء وابعد شيء عن السماء”. وذلك بسبب من ارتجز منهم للشيطان مقولة ومن ركب منهم ظهر المجن وأنكر اماما ينتمي لذرية حظيت بالاصطفاء “ان الله اصطفى ادم ونوحا وال إبراهيم وال عمران على العالمين” 33- البقرة.

ثم كان المستر “جيب” صاحب مشروع اختطاف التعليم على الطريقة التي يريدها ابناء العم سام تدجن خرافا ولا تنشئ انعطافا.

فاكتملت الصورة باختطاف “السلطة” في قلب جزيرة العرب ليصبح الحرمان الشريفان “مكة والمدينة” يمنحان الشرف لادعياء السلطة من الأعراق المهجنة المتسللة من انساب مجهولة لم يثبت تاريخهم عبر قرنين من الزمان انهم يحملون نوايا صالحة تنتمي لروح الهجرة التي صنعت باشراف السماء وتوافرت لها خيرة عقول اهل الارض بشعار “انا مدينة العلم وعلي بابها” وبذرية مصطفاة صدح بها النص القرآني “ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم” – 34- البقرة.

واختطف الفقه باسم ادعياء لم تثبت لهم سابقة علم ولم يترشح عنهم ذكر يطمأن له فكان محمد بن عبد الوهاب لايعرف الا هدم القبور والاضرحة معاكسا بذلك النص القرآني “واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى”.ثم عمد ذلك الفارغ علميا الى اشاعة روح الكراهية والتكفير ماضيا على طريقة سلفه الذي خالف اهل السنة والجماعة بخمسة عشر موقعا، ثم وضع شعاره الغادر المستبيح للقتل “عليهم السيف المسلول الى يوم القيامة ” وبذلك أسس لثقافة القتل التي نرى اليوم ترويجا لها يستوي بذلك قطاع الطرق ومحترفو الجريمة مع الذين ينتمون الى بعض الاحزاب المتدينة التي لم تستطع الخروج من شرنقة الوهم الفقهي المغلوط الى فضاء العلم الذي حملته مفاهيم الهجرة والتي تعني ما يلي:

1- هجرة الشرك بمعناه المعرفي الذي لايكون لملوك الظلم وامراء الرذيلة وارباب السلطة الزمنية واصحاب الجاه الدنيوي منه نصيبا.

2- هجرة العصبية بكل معانيها وأشكالها ابتداء من خصوصيات الفرد والاسرة والقبيلة والشعب والدولة ” ليس منا من دعا الى عصبية”.

3- هجرة الهوى والرغبات الزائلة والانصراف الى متبنيات العقل المؤسس الحقيقي للمشروع الحضاري بشخص ممثليه وهم:-

ا‌- ” ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ” – 2 البقرة –

ب‌- ” الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ” – 3- البقرة –

ت‌- ” والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون ” – 4- البقرة 

ث‌- “اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون” – 5- البقرة –

هذه هي أطروحة السلوك الانساني المرشحة لاقامة نظام الحكم والسلطة في الأرض استنادا إلى:

1- “والارض وضعها للانام ” وهي تعني: ” التملك والاستخلاف”.

2- ” والارض قبضته جميعا والسماوات مطويات بيمينه ” وهي تعني ” المصير”.

3- ” ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ” وهي تعني ان الحاكمية لله تعالى ورفض الخروج عن التشريع الإلهي.

4- ” ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون ” وهي تعني رفض الظلم بكل اشكاله، وان عدم الحكم وفقا لشرائع الله فانه الظلم بعينه.

5- ” ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الفاسقون ” وهي تعني ان الفسوق الحقيقي وهو الخروج عن منهج الاستقامة والاعتدال هو التأسيس الحقيقي لمعنى الفسوق الذي لايتوقف على الجانب الاخلاقي فقط.

ومن هذه المعاني وما تحمله من مفاهيم يتحقق منهج الإصلاح في كل من:

1- السياسة حيث لا تبقى حجة لمن يقول بفصل الدين عن السياسة وفصل الدولة عن الدين والقائل بذلك كمن يريد فصل الرضيع عن امه.

2- الاجتماع: حيث يتحقق مفهوم ” ان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون” والمحكومة بسنة ” وان عدتم عدنا ” وبقانون ” الينا مرجعهم جميعا ” وبمفهوم التسامح عبر التراتبية التاريخية من حيث المسؤولية ” تلك امة قد خلت لها ماكسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ” – 141 – البقرة – ويتحقق مفهوم الامة التي خلت بمعنى الامة التي لم يعد لها حضور يومي في حياة الناس وهو خلاف ماعليه البعض من المفهم المغلوط في هذا المعنى حيث يبررون اخطاء البعض بهذا المعنى علما بان تلك الاخطاء وافرادها لايزالون يعيشون في تقاليد الناس وبعض معتقداتهم، وما دمنا في ذكرى الهجرة كتاريخ إسلامي فليس من الصحيح النظر لهذا التاريخ على انه من الماضي ولا يجب الانشغال فيه، وهناك فرق بين الانشغال بدون إنتاج فكري والاهتمام بالحضور الفكري لمعاني الحدث، فالاهتمام بالحدث بمعانيه الفكرية المنتجة بعيدا عن التعصب والتعسف بالمعنى العلمي للمطالب هو ما تحتاجه البشرية التي مازالت تنتظر التقويم للكثير من المفاهيم والمصطلحات التي لم يتفق عليها بعد مثل: مفهوم “الحرية” ومفهوم “الحقوق” ومفهوم “العدالة”، إن الهجرة تحتاج إلى انعاش مفهوم الأخوة الذي تعرض إلى تدمير وتشويه يفرغ الإنسانية من محتواها الذي رعته السماء وضخت اليه المزيد من المصلحين الذين كان ندائهم على الشكل الآتي:

ا‌- “إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون”.

ب‌- ” اذ قال لهم اخوهم لوط الا تتقون ”

ت‌- ” اذ قال لهم اخوهم صالح الا تتقون “.

ث‌- ” اذ قال لهم اخوهم هود الا تتقون “.

ج‌- ” اذ قال لهم شعيب الا تتقون ” وفي اية اخرى اعتبر شعيب اخا للذين يخاطبهم وهم كافرون بخطابه منكرين لدعوته، وانتقال هذا الخطاب بالإخوة من الأمم الكافرة الى خطاب خاص بالمؤمنين كما في القران الذي قال ” انما المؤمنون إخوة” لايقلل من حقيقة مفهوم الاخاء في الاسلام المبني على مشروع التنمية البشرية، والذي يستبعد من يقف موقفا سلبيا من ذلك المشروع وبهذا المعنى جاء الخطاب ” لتجدن اشد عداوة للذين امنوا اليهود ” وكذلك خطاب ” ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون ايات الله اناء الليل وهم يسجدون ” 113- ال عمران – وهذا الفرز والتشخيص تتطلبه المواقف المعرفية الذي اسس مقومات الموقف كالتالي:-

” ان اولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين امنوا والله ولي المؤمنين ” – 68- ال عمران .

3- الاقتصاد: منطلقا من مفهوم ” يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين ” 168- البقرة – ثم بدا التخصيص طبقا للخطاب القراني ” يا ايها الذين امنوا كلوا من طيبات مارزقناكم واشكروا الله ان كنتم اياه تعبدون ” – 172- البقرة – ثم فصلت مستلزمات الحياة الاقتصادية في النص القرآني ” الله الذي خلق السماوات والارض وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بامره وسخر لكم الانهار – 32- وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار – 33- واتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمت الله لا تحصوها ان الانسان لظلوم كفار – 34- ابراهيم – ومن هنا يتحقق مفهوم الأمن الغذائي، ثم جاءت السنة النبوية بالتفاصيل التي منها “ما للبيوت يحرم على المساجد”.

واليوم تطل علينا ذكرى الهجرة واغلب الناس بلا بيوت تحفظ كرامتهم، وهناك مبالغة ومباهاة ببناء المساجد بعيدا عن التقوى، فالمبدأ الذي اعتمد في بناء المساجد هو “التقوى”.

ولذلك رأينا في بداية حديثنا هذا ان القران الكريم كتاب السماء هو هدى للمتقين وعرفنا صفات المتقين وهي:

أ- الإيمان بالغيب وهو أمر معرفي بالغ الأهمية، واغلب القائمين على المؤسسات الدولية لا يؤمنون بالغيب بمعناه المعرفي، واغلب الناشطين في المنظومات الاجتماعية لايؤمنون بالغيب بمعناه العلمي وهذا المستوى من الفهم ينسحب على اغلب الذين يرددون اسم الجلالة دون ان يلتزمون بمصاديقه واشتراطاته في الحياة التي عرفنا انها خلقت بقدرته وتنتهي بقدرته على مفهوم ومعنى ” هو الذي في السماء اله وفي الارض اله”.

ان المجتمع البشري يعج بالمخالفات التي تعارض مفهوم الغيب ومعنى اسم الجلالة في صفاته الجلالية والجمالية والتي كتب فيها اهل العرفان الذين اخذوا معرفتهم عن طريق من قال فيهم رسول الله “ص”:

” لا تتقدموا عليهم فتهلكوا “.

” ولا تتخلفوا عنهم فتندموا “.

 ” ولا تعلموهم فانهم معلمون “.

وقد شرح الامام علي بن ابي طالب هذا المعنى بقوله:

“اهل البيت هم عيش العلم وموت الجهل “.

وهي اطروحه تعني الهجرة الحقيقية الى الله ولكن عبر منظومة العلم الذي يعرف طرق السماوات كما يعرف طرق الارض على قاعدة ” يعلم مايعرج في السماء وما يلج في الأرض”.

والعروج علم لم تدركه بعد رحلات الفضاء عبر السفن الفضائية وأقمارها.

والولوج في الارض لازال علم الجيولوجيا وعلوم الارض كلها عاجزة عن ادراك معانيه وبلوغ منتهاه المحدد بقاعدة ” والبحر المسجور ” حيث تزداد حرارة طبقات الارض كلما تعمقنا في باطنها بحيث لا يستطيع الانسان وادواته المعدنية من مواجهة قوة الحرارة التي تصل الى درجات مهلكة ومميتة

ان الهجرة النبوية كانت في احد ابعادها ترمي الى:-

1- الخلاص من جبروت الشرك وطغيان العبودية للاصنام حتى قال شاعرهم:

ارب يبول الثعلبان برأسه

 لقد ذل من بالت عليه الثعالب.

2- التحرر من الظلم والحصار والمقاطعة ” مثالها حصار شعب ابي طالب ”

3- ممارسة الحرية من خلال معرفة الله بعيدا عن تشويه الكفار والمشركين ومن معهم من المنافقين.

4- الانطلاق الى المعرفة التي تنمي البشرية ” العقل قائد والعلم رائد ” كما قال رسول الله “ص” صاحب ذكرى الهجرة، وكما قال “ص” الدين معرفة ” ومن لامعرفة له لادين له ” وهو من وصفه القران بانه ” وانك لعلى خلق عظيم ” ومن هنا قال الشاعر:-

” وانما الامم الاخلاق مابقيت

 فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا

ان الهجرة تطل علينا ذكراها ونحن غارقون في بحر من التناقضات والخلافات ويرفع كل يوم قرنا للفتنة كان خلاصتها الارهاب الذي يقتل على الهوية وقد سبق ذلك الاباحية ومقدماتها تغزو اغلب مرافق المجتمع ونشاطات الدول في البر والبحر وحتى الفضاء حيث اصبح برنامج حرب النجوم مؤشرا على ذلك

وما دامت الصهيونية تحظى بدعم المتطرفين في الكنيسة الانكلو كانية ومن اصحاب الثقافة التوراتية المزيفة في كل من امريكا التي يشجع رئيسها زواج المثليين، وما دامت انظمة التبعية تبذل قصارى جهدها لحماية امن اسرائيل وتبذل كل حماقاتها من اجل معاقبة المقاومة ومن يقف في صف الممانعة لاسيما الذين رفعوا بصدق واخلاص نظاما اسلاميا وحكومة تجهد في سبيل التطبيق الصحيح لمعاني الهجرة رغم وجود بعض الثغرات والاخطاء التي تقع نتيجة التطبيق وليس نتيجة سوء النوايا كما يحصل لدى من يريدون قمع المقاومة ومن يريدون تفتيت دول الممانعة ومن يحرضون المرتزقة والبلطجية على الثورة التي لا تأخذ من معاني الهجرة شيئا سوى الادعاء.ان قيم الهجرة لازالت محفوظة في عقول وصدور من خصهم الخطاب القراني:- ” من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا”.وان الهجرة بمعانيها الأصيلة لازالت تواجه تحديا مكتوب الأجل “ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض فنجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ” والذين قال في سبيل نصرتهم وحذر من يخالفهم رسول الله “ص” حيث قال: 

“لا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضعكم رقاب بعض” واليوم يحدث هذا فمن هو الكافر ومن هو المؤمن ” ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة”.

ومن هنا قال الامام علي بن ابي طالب عليه السلام:

” والله لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها “.

وعلى هذا من يعش معاني الهجرة بهذا المعنى وبهذه الروحية فهو من العارفين لقيمها، ومن لم يوفق لذلك فلا يلومن الا نفسه.

لتكن هجرتنا في العراق الى الله مزيدا من المحبة لبعضنا ومزيدا من الوحدة لوطننا، ومزيدا من الانتاجية والبناء، وهذا ما نريده للشعوب والامم على قاعدة ” حب للناس ماتحب 

مكافأة تشجيعية

يصف المؤرخون العصر العباسي بأنه عصر المتناقضات الحادة، فبقدر ما كان عنوانا ً للنهوض الحضاري، كان بالمقابل عنواناً لتفشي الرذائل والسقوط الأخلاقي، فمن حركة بناء وعمران وفنون معمارية، وازدهار للشعر والموسيقى والترجمة، وعناية بالعلماء والأدباء، وانطلاق لمدارس الفكر والفلسفة والزهد والتصوف والفقه، الى انتعاش ظاهرة المجون والخمر والجواري والغلمان ومجالس اللهو العابثة، الى ظهور المئات من مدعي (النبوة) الذين مثلوا الخطر الأكبر على وحدة المجتمع وبنيته الدينية، بعد أن أصبح لهم من الرعاع والجهلة أتباع يؤمنون (بمعجزاتهم) ويأتمرون بأمرهم، وكان الخليفة العباسي (لعله المأمون) يخرج إليهم بنفسه، يحاججهم ويبطل حجتهم، ثم يعاقبهم بقسوة، حتى يقطع دابرهم، ويقطع دابر فتنة لا تحمد عقباها. 

من طريف ما يروى في هذا المجال، إن أحد أدعياء النبوة زعم لأتباعه إن معجزته (السماوية) تقوم على معرفته بهويات الناس جميعهم ومعرفة أسمائهم، بمجرد أن ينظر الى الواحد منهم ليقول له (أنت فلان ابن فلان، وأمك اسمها فلانة, وتسكن في المدينة الفلانية) ولهذا قصده المأمون بصحبة وزيره، وقد تنكر الرجلان وأخفيا شخصيتيهما بزي إعرابيين قادمين من البادية، ودخلا مجلسه بعد الاستئذان من الحراس والحاجب، وجلس الوزير الى يمينه والمأمون الى يساره، ويبدو إن الرجلين لم يتنكرا بما فيه الكفاية، فقد تعرف عليهما الحراس وأبلغوا (النبي) المزعوم إن من سيدخل عليه هو الخليفة ووزيره، ولهذا حين تحدث إليه المأمون، وإنه سمع بمعجزته وجاء ليؤمن به، سأله [ هل حقا ً تعرف من أكون ومن يكون صاحبي ]، نظر (المتنبئ) إليهما نظرة متأملة وقال [ الذي يجلس الى يميني – ويقصد الوزير- هو ابن زانية، أما الذي يجلس الى يساري فهو…] وأطلق المأمون ضحكة عالية، واغلق فم (النبي) قائلاً [لا تكمل فقد آمنت بك] لأنه خشي على أمه من صفة أسوأ وأقذع!! 

معلوم إن تراث الشعوب حافل بآلاف الحالات المماثلة، سواء من ادعى الإلوهية والنبوة، أم احتال بالسحر والشعوذة، أم اعتمد تزوير الشخصية والهوية، ويعد التزوير بأنواعه في عصرنا هو سمة المرحلة، والظاهرة الأخطر على المجتمع، مثلما كان دعاة النبوة يشكلون الظاهرة الأخطر على مجتمعاتهم في حينها، خاصة بعد أن امتد التزوير الى العملة والشهادة والهوية والبطاقة التموينية والموقع الوظيفي والرتبة العسكرية والمنشأ الصناعي والعلامة التجارية… الخ، والأمر المحزن حقا ً إن العراق أصبح وكرا ً لهذه العمليات التي بدأت تعلن عن نفسها في ظل النظام السابق، حتى شملت إجازة الجندي ودفتر الخدمة العسكرية، ثم اتسعت حالات التزوير وميادينه بعد الاحتلال بصورة لافتة للنظر، فمزورو الشهادات لم يعودوا بلغة الأفراد، وإنما بلغة الآلاف، بحيث لم يسلم منها مئات المرشحين للانتخابات البرلمانية، والذين يتقاضون رواتب لا يستحقونها من شبكة الرعاية الأجتماعية وصلت نسبتهم الى 50%، أغلبهم من موظفي الدولة الذين يتقاضون أجورا ً مجزية وغير ذلك من أنماط التزوير وصوره، لا يحصى ولا يعد.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في عمليات التزوير والاحتيال، إذ ليس من الصعب معالجتها والقضاء عليها بشيء من صرامة القانون وقوته، ولكن في كونها عرضه للاستشراء والتفاقم، لأن (العقوبة) نفسها، هي التي تشجع على الاستمرار والتمادي، لأن الموظف الذي يضبط بالجرم المشهود وسرقة المال العام مثلا ً، يعاقب بإعادة ما سرقه إلى خزينة الدولة، ويبقى في مكانه معززا ً مكرما ً، أما الذي يتكئ على ظهر وزير او حزب سوبر أو مسؤول فوق القانون، فيمكن ان يعاد النظر في عقوبته، ويستطيع الاحتفاظ بالمبلغ المسروق كمكافأة تشجيعية على تفانيه في العمل و…. وعفا الله عما سلف!! 

تقاعد الأدباء الفنانين

• ربما لا توجد امة مثقفة وإنسانية مثل الأمة الفرنسية؛ وعلى ما ندعيه من حضارة واحترام للعلم والعلماء والادب والادباء فاننا صفر على شمال هذه الجغرافيا والتاريخ المعاصر؛ لكي لا يقودني من يريد المناكدة الى اوربا القرون الوسطى. 

•       مرة حدثني المبدع الموسوعي والخطاط الأمهر الشاعر محمد سعيد الصكار عن كيفية استقبال فرنسا لطلبه الإقامة فيها.. قال حين ذهبت الى الدائرة المختصة وتقدمت بطلب الاقامة عند فتاة لا اجمل منها؛ واضعا امامها ملفا تعريفيا بي يضمّ فولدرات المعارض والمنشورات وما كتب عني؛ وكان من المعتاد ان تعطى لمن تتم الموافقة على طلبه في البدء 3 أشهر وبعدها سنة ثم 3 أو خمس سنوات وهكذا ؛ واذا بهذه الفتاة الجميلة تقول وهي تقلب ملفي : شرف لفرنسا ان تكون فيها يا سيدي؛ وتعطيني مباشرة اقامة السنوات مختصرة كل المراحل السابقة وعلى مسؤوليتها الشخصية.. 

• في فرنسا هذه ؛ ذات يوم صوّت البرلمان فيها على إعطاء الجنسية الفرنسية لـ(ابطال قصص) الكاتب الفرنسي العملاق جول فيرن ؛ وتمت الموافقة بالإجماع!!؟ 

تصوروا .. منح الجنسية الفرنسية لأبطال قصص خياليين؛ لدورهم في اعلاء اسم فرنسا من خلال سيد روايات الخيال العلمي فيرين؛ في رحلاته الى أعماق الكرة الأرضية وارتياد الفضاء قبل ان تكون هناك ناسا او هاسا!!؟

•       اسوق هذه الامثلة ليعرف القارئ كيف تتعامل الامم المتحضرة مع مثقفيها ومع المثقفين عموما.. ليعقد مقارنة مع برلماننا العراقي وهو يتصارع مع نفسه ومع رئاسة الوزراء ومع رئاسة الجمهورية ومع لجانه المتعددة من اجل إقرار منحة شهرية لمبدعيه مقدارها ثمانون دولار شهريا او 100 الف دينار عراقي !!؟

اما قضية قانون تقاعد المبدعين في كافة مجالات الثقافة والفن؛ فهذا امر يحتاج الى قوانين ونقاشات كتلك التي اختلف حولها اعضاء في اللجان المالية لتكريم10 فقط من كبار الادباء والمفكرين العراقيين ممن يحتاجون الى رعاية مادية او سند معنوي نتيجة الشيخوخة او المرض؛ والذين رست عليهم مناقصة التكريم من بين ثلاثين اسما من علامات ثقافتنا الفارقة!!

• عبر كل الازمان الماضية كان الكثير من مبدعي الامة العربية(ومن مهرجيها ايضا) يتقاضون رواتب تقاعدية من العراق؛ لان العراق بلد الخيرات وصاحب ثاني اكبر احتياط نفطي في العالم؛ واول احتياط غازي وابو الفوسفات والكبريت ووووو.

• ثمانون دولار شهريا لعمالقة الابداع ومن بظلالهم؛ و 500 دينار يوميا للعوائل العراقية بدل الحصة الاذلالية ؛ رشاوى لا تعد ولا تحصى عليك دفعها عند قيامك بإنجاز ابسط معاملة رسمية ؛ واضافة لكل هذا وذاك فان عليك ان تحذر وان تلتفت يمينا وشمالا ومن امامك وخلفك وتنتبه لمن هو بقربك؛ فالمخبر السري و4 إرهاب يتربصون بك؛ ليس لأنك ستفجّر بل لأنك ستفكر !!

أما المفجرون والمفخخون فلهم(دفاتر) تحميهم. 

• اللهم اعلي شأن فرنسا واسبغ أمانك على الحكومات التي تحترم شعوبها حدّ إعطاء الجنسية لأبطال خياليين. 

بطاقة «الكيك واللحم»

في حكومتنا من لا يرى نفسه ولا يعرفها, ولا رآها في عيون الناس والشعوب والأمم, ولا عرف منزلته عندها …باستثناءات محدودة طبعا …ولم تكفه ضجة الفساد المستمرة في أرجاء الأرض وهذه المليارات التي عجزت عن إعادة التيار الكهربائي المنتظم ..ولا…ولا..فطلعوا علينا بقرار إلغاء البطاقة التموينية.. مع اعتراف بسيط بفساد جهازها… وبذا وبدل إصلاح هذا الجهاز ومحاسبته واسترداد الأموال المسروقة كان العلاج باختطاف المتبقي من لقمة الفقير البائسة… بوعد ضبط الأسعار وتنظيم السوق… وهذه ليست مزحة …فالحكومة التي عجزت عن تنظيم وضبط من هم منها وتحت سيطرتها تعد  بضبط التجار والأسواق.

وللتذكير فقط …فان مفردات البطاقة كانت قبل الاحتلال منتظمة وكاملة …ولكن المعارضة في وقتها روجت وأشاعت ان أمريكا قد ضمنت البطاقة اللحوم المعلبة والكيك والمشروبات الروحية مع مبلغ من الدولارات ….وكان الفقير الآن  سيتفهم نقص الويسكي واللحوم التي قد تكون لخنازير …إلا ان عهدنا الجديد (شذب مفردات أساسية ولم يبق منها ما يقيم أود الجياع وقد لا تأتي كلها) فكان الحل هو بالقضاء على الفساد بإلغائها واستبدالها بمبالغ نقدية والاعتماد على السوق الدي ستضبطه الحكومة… وبما يبعث على التشاؤم وفقدان الأمل في صحو واستدراك ومراجعة للتصرفات والإجراءات (لا الفلسفات.. فهذه بعيدة وغريبة ولا تناسب ……)

بعد ان تلقى العراقي صفعة بقاء اللصوص واستمرارهم, واستتباب هذا الفساد بات يتهكم قائلا ان الحكومة لم تقدر ولم تتمكن من محاسبة اللصوص ووضع حد لهذه الفضائح قدرت وتمكنت من الفقراء…. وان رأى بعض السياسيين والمثقفين ان التعويض النقدي مع مضاعفته يمكن أن ينظم هذه العملية …وإذا فشلت وتفاقم فعل الفساد فيكون الخيار أكثر وضوحا أمام الناخب في الوقت القريب …وإذا اختار لصوصه فانه يستحق ما يحل به,  فهذا اختياره,  واختياره لأحط اللصوص أخلاقا وضميرا.

           الأكيد ان قرار إلغاء البطاقة سيلغى …ونتمنى أن يكون بأقل الخسائر..انما الذي سيريح ويفرح العراقيين والفقراء في مقدمتهم أن يعلن عمن سرق لقمة أطفالهم وهو يصلي ويداوم على أداء الطقوس …ولا يهم أن كان اللص يسرق لنفسه او لغيره …ان كان عينا لا تمتلئ, ام كان فدائيا وواجهة ومكلفا …فهو لص ولص رغيف الخبز …وإذا حصل هذا سيضع العراق قدمه في الطريق الفاضل والسليم وسيمحو بهذه الشجاعة حتى عواقب تلك الثروات المسروقة التي تكفي لإثراء بشرية…

ولكن ..أية عبقرية لم تحسب للقرار حساباته …ووفرت الفرصة لتسييسه (من العقول الستراتيجية)  وحملة الشهادات المزورة ؟؟؟؟

الانبطاح بعد مشقة الكفاح

مشوار طويل قطعته الأجيال العربية في مسيرة الصبر والكفاح, تعرضت خلاله الأمة العربية إلى الاحتلال والتشريد والتمزيق والتفتيت والتقطيع والبهدلة, صفحات سود من مسلسل العثرات والويلات والمصائب, نكبات مؤلمة خضعت فيها عواصم العرب لمشاريع التضليل والتشويش والتغييب, لم يكن التطبيع من ضمنها, ولم تفكر فيه الدوائر الاستعمارية, ولم يطرأ على بالها إلا بعد عام 1969 عندما أتت النيران على الجناح الشرقي للمسجد الأقصى. 

وقعت تلك الفاجعة في اليوم الثامن من جمادي الآخرة 1389 هـ – 21 آب (أغسطس) 1969 من الميلاد, ولم تنم رئيسة وزراء الكيان المسخ (غولدا مائير) في سريرها تلك الليلة, لأنها كانت تتخيل إن العرب سيقتحمون إسرائيل من كل الجبهات, ويدخلونها أفواجاً أفواجاً بعدتهم وعتادهم, لكنها اكتشفت صباح اليوم التالي إنهم لم يحركوا ساكناً, ولم يتأثروا بهذا الحدث الجلل, فأدركت أنها قادرة على فعل ما يحلو لها من دون أن تخشى النيام والأموات, فالنزاعات القبلية والطائفية والسياسية, هي الحروب التي انشغل بها عرب النفط والشفط واللغط, فجاءت أولى خطوات التطبيع عندما تحولت الشعارات السياسية العربية بعد حرب أكتوبر 1973 من (حرب التحرير) إلى (حرب التحريك) باتجاه السلام المزعوم, وكان الاعتراف بإسرائيل أول ثمرة من ثمار التطبيع الذي سبق التركيع, ثم جاءت معاهدة (كامب ديفيد) لتوجه ضربة مباشرة لحركات التحرير. 

 

وسقطت العرب العاربة والمستعربة في وادي عربة عندما وقعت الحكومة الأردنية اتفاقية (وادي عربة) مع إسرائيل في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1994 فتغيرت بوصلة الكفاح, وتوجهت القوافل العربية نحو مضارب تل أبيب,  ومنحت تأييدها المطلق للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط, وسارعت لإقامة القواعد العسكرية الأجنبية على أرضها ومياهها, وسمحت للقاصفات والمقاتلات الغربية بالتحليق في فضاءاتها المفتوحة لطائرات البنتاغون والناتو, ولم تعد القوة العسكرية هي الأدوات التي لجأت إليها القوى الغاشمة لفرض هيمنتها على العواصم العربية, فقد دخلت حيز التطبيق عدة آليات لبناء علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية مع الأنظمة العربية الراضخة لمشاريع التسوية. 

وجاء الانبطاح الأكبر على يد قادة منظمة التحرير (فتح), عندما تنازلوا عن مبدأ الكفاح المسلح, وانجرفوا مع تيارات التسوية, فانخرطوا في دوامة المهادنة والمداهنة, وانخدعوا بمتوالية المفاوضات العبثية من دون أن يخرجوا بنتيجة ملموسة. 

 وتوسعت رقعة الانبطاح عندما وقفت معظم الأقطار العربية مع أمريكا وحلفائها, في خنادق الهجوم على العواصم العربية الرافضة لسياسة الانبطاح, فسقطت آخر قلاع الرفض القاطع للاستعمار والصهيونية, وعادت عقارب الساعة من جديد إلى زمن الخنوع والخضوع والذل, ولم يعد (التطبيع) مطلبا إسرائيليا, بل صار ترنيمة يومية مقدسة ترددها الأقطار المنضوية تحت لواء التحالف الأمريكي الإسرائيلي. .

ربما كان (شمعون بيريز) أكثر واقعية عندما فسر التطبيع والانبطاح بطريقته الخاصة, فقال: ((إنه الثمرة الحقيقية لتوظيف ريع النفط الخليجي في تشغيل المهارات العربية لخدمة العبقرية الإسرائيلية)), وقال أيضاً: ((أنها الخطوة المكملة لبناء إسرائيل الكبرى عن طريق التركيع والتطويع بدلا من الحرب والترويع)).

 وهكذا تطور حجم التبادل التجاري بين تل أبيب والعواصم العربية التي أدمنت الخنوع, فحققت التوجهات الانبطاحية أرقاماً فلكية مع بعض الأقطار الخليجية والأردن ومصر وتونس والمغرب, ثم ظهر التطبيع الثقافي واضحا جلياً في برامج الفضائيات العربية, التي شرعت باستضافة محللين ومتحاورين وخبراء في أحاديث مباشرة مع مكاتبها المنتشرة في المدن الإسرائيلية, وظهرت صورة الصهيوني (الطيب) في الأعمال التلفزيونية التونسية والمغربية, وتعاقدت بعض العواصم مع المصانع الإسرائيلية لتزويدها بشحنات من الأسلحة الخفيفة, وطائرات التدريب, والمعدات الحربية الأخرى, وانتشرت وحدات تخصصية من جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في المدن العربية الرئيسة, حتى وصلوا إلى شمال العراق, وتغلغلوا هناك متسترين بعناوين وهمية لشركات استثمارية, وصارت العلاقات بين الدول العربية والدولة العبرية (دهن ودبس), و(سمن على عسل). 

والله يستر من الجايات

ماذا أقولُ لأعرابٍ تًحَرِّكُهم

كفُّ العمالةِ والأحقادُ والبَطَرُ

كمْ قبَّلوا كَفَّ جَزارٍ يُقَتِّلنا

وفوقَ أشلائنا يا ويْحَهم سَكِروا

لو ذرَةٌ مِنْ حياءٍ في وُجُوهِهِمُ

لأشعلوا النارَ في الإسْطبل وانتحروا

يا ربُ عفوكَ أنْقِذنا بمعجزةٍ

تُزلزلُ الأرضَ فيهم إنَّهم فجَروا

حسن المقدسي

تقاعد الأدباء الفنانين

• ربما لا توجد امة مثقفة وإنسانية مثل الأمة الفرنسية؛ وعلى ما ندعيه من حضارة واحترام للعلم والعلماء والادب والادباء فاننا صفر على شمال هذه الجغرافيا والتاريخ المعاصر؛ لكي لا يقودني من يريد المناكدة الى اوربا القرون الوسطى. 

•       مرة حدثني المبدع الموسوعي والخطاط الأمهر الشاعر محمد سعيد الصكار عن كيفية استقبال فرنسا لطلبه الإقامة فيها.. قال حين ذهبت الى الدائرة المختصة وتقدمت بطلب الاقامة عند فتاة لا اجمل منها؛ واضعا امامها ملفا تعريفيا بي يضمّ فولدرات المعارض والمنشورات وما كتب عني؛ وكان من المعتاد ان تعطى لمن تتم الموافقة على طلبه في البدء 3 أشهر وبعدها سنة ثم 3 أو خمس سنوات وهكذا ؛ واذا بهذه الفتاة الجميلة تقول وهي تقلب ملفي : شرف لفرنسا ان تكون فيها يا سيدي؛ وتعطيني مباشرة اقامة السنوات مختصرة كل المراحل السابقة وعلى مسؤوليتها الشخصية.. 

• في فرنسا هذه ؛ ذات يوم صوّت البرلمان فيها على إعطاء الجنسية الفرنسية لـ(ابطال قصص) الكاتب الفرنسي العملاق جول فيرن ؛ وتمت الموافقة بالإجماع!!؟ 

تصوروا .. منح الجنسية الفرنسية لأبطال قصص خياليين؛ لدورهم في اعلاء اسم فرنسا من خلال سيد روايات الخيال العلمي فيرين؛ في رحلاته الى أعماق الكرة الأرضية وارتياد الفضاء قبل ان تكون هناك ناسا او هاسا!!؟

•       اسوق هذه الامثلة ليعرف القارئ كيف تتعامل الامم المتحضرة مع مثقفيها ومع المثقفين عموما.. ليعقد مقارنة مع برلماننا العراقي وهو يتصارع مع نفسه ومع رئاسة الوزراء ومع رئاسة الجمهورية ومع لجانه المتعددة من اجل إقرار منحة شهرية لمبدعيه مقدارها ثمانون دولار شهريا او 100 الف دينار عراقي !!؟

اما قضية قانون تقاعد المبدعين في كافة مجالات الثقافة والفن؛ فهذا امر يحتاج الى قوانين ونقاشات كتلك التي اختلف حولها اعضاء في اللجان المالية لتكريم10 فقط من كبار الادباء والمفكرين العراقيين ممن يحتاجون الى رعاية مادية او سند معنوي نتيجة الشيخوخة او المرض؛ والذين رست عليهم مناقصة التكريم من بين ثلاثين اسما من علامات ثقافتنا الفارقة!!

• عبر كل الازمان الماضية كان الكثير من مبدعي الامة العربية(ومن مهرجيها ايضا) يتقاضون رواتب تقاعدية من العراق؛ لان العراق بلد الخيرات وصاحب ثاني اكبر احتياط نفطي في العالم؛ واول احتياط غازي وابو الفوسفات والكبريت ووووو.

• ثمانون دولار شهريا لعمالقة الابداع ومن بظلالهم؛ و 500 دينار يوميا للعوائل العراقية بدل الحصة الاذلالية ؛ رشاوى لا تعد ولا تحصى عليك دفعها عند قيامك بإنجاز ابسط معاملة رسمية ؛ واضافة لكل هذا وذاك فان عليك ان تحذر وان تلتفت يمينا وشمالا ومن امامك وخلفك وتنتبه لمن هو بقربك؛ فالمخبر السري و4 إرهاب يتربصون بك؛ ليس لأنك ستفجّر بل لأنك ستفكر !!

أما المفجرون والمفخخون فلهم(دفاتر) تحميهم. 

• اللهم اعلي شأن فرنسا واسبغ أمانك على الحكومات التي تحترم شعوبها حدّ إعطاء الجنسية لأبطال خياليين. 

بطاقة «الكيك واللحم»

في حكومتنا من لا يرى نفسه ولا يعرفها, ولا رآها في عيون الناس والشعوب والأمم, ولا عرف منزلته عندها …باستثناءات محدودة طبعا …ولم تكفه ضجة الفساد المستمرة في أرجاء الأرض وهذه المليارات التي عجزت عن إعادة التيار الكهربائي المنتظم ..ولا…ولا..فطلعوا علينا بقرار إلغاء البطاقة التموينية.. مع اعتراف بسيط بفساد جهازها… وبذا وبدل إصلاح هذا الجهاز ومحاسبته واسترداد الأموال المسروقة كان العلاج باختطاف المتبقي من لقمة الفقير البائسة… بوعد ضبط الأسعار وتنظيم السوق… وهذه ليست مزحة …فالحكومة التي عجزت عن تنظيم وضبط من هم منها وتحت سيطرتها تعد  بضبط التجار والأسواق.

وللتذكير فقط …فان مفردات البطاقة كانت قبل الاحتلال منتظمة وكاملة …ولكن المعارضة في وقتها روجت وأشاعت ان أمريكا قد ضمنت البطاقة اللحوم المعلبة والكيك والمشروبات الروحية مع مبلغ من الدولارات ….وكان الفقير الآن  سيتفهم نقص الويسكي واللحوم التي قد تكون لخنازير …إلا ان عهدنا الجديد (شذب مفردات أساسية ولم يبق منها ما يقيم أود الجياع وقد لا تأتي كلها) فكان الحل هو بالقضاء على الفساد بإلغائها واستبدالها بمبالغ نقدية والاعتماد على السوق الدي ستضبطه الحكومة… وبما يبعث على التشاؤم وفقدان الأمل في صحو واستدراك ومراجعة للتصرفات والإجراءات (لا الفلسفات.. فهذه بعيدة وغريبة ولا تناسب ……)

بعد ان تلقى العراقي صفعة بقاء اللصوص واستمرارهم, واستتباب هذا الفساد بات يتهكم قائلا ان الحكومة لم تقدر ولم تتمكن من محاسبة اللصوص ووضع حد لهذه الفضائح قدرت وتمكنت من الفقراء…. وان رأى بعض السياسيين والمثقفين ان التعويض النقدي مع مضاعفته يمكن أن ينظم هذه العملية …وإذا فشلت وتفاقم فعل الفساد فيكون الخيار أكثر وضوحا أمام الناخب في الوقت القريب …وإذا اختار لصوصه فانه يستحق ما يحل به,  فهذا اختياره,  واختياره لأحط اللصوص أخلاقا وضميرا.

           الأكيد ان قرار إلغاء البطاقة سيلغى …ونتمنى أن يكون بأقل الخسائر..انما الذي سيريح ويفرح العراقيين والفقراء في مقدمتهم أن يعلن عمن سرق لقمة أطفالهم وهو يصلي ويداوم على أداء الطقوس …ولا يهم أن كان اللص يسرق لنفسه او لغيره …ان كان عينا لا تمتلئ, ام كان فدائيا وواجهة ومكلفا …فهو لص ولص رغيف الخبز …وإذا حصل هذا سيضع العراق قدمه في الطريق الفاضل والسليم وسيمحو بهذه الشجاعة حتى عواقب تلك الثروات المسروقة التي تكفي لإثراء بشرية…

ولكن ..أية عبقرية لم تحسب للقرار حساباته …ووفرت الفرصة لتسييسه (من العقول الستراتيجية)  وحملة الشهادات المزورة ؟؟؟؟

الانبطاح بعد مشقة الكفاح

مشوار طويل قطعته الأجيال العربية في مسيرة الصبر والكفاح, تعرضت خلاله الأمة العربية إلى الاحتلال والتشريد والتمزيق والتفتيت والتقطيع والبهدلة, صفحات سود من مسلسل العثرات والويلات والمصائب, نكبات مؤلمة خضعت فيها عواصم العرب لمشاريع التضليل والتشويش والتغييب, لم يكن التطبيع من ضمنها, ولم تفكر فيه الدوائر الاستعمارية, ولم يطرأ على بالها إلا بعد عام 1969 عندما أتت النيران على الجناح الشرقي للمسجد الأقصى. 

وقعت تلك الفاجعة في اليوم الثامن من جمادي الآخرة 1389 هـ – 21 آب (أغسطس) 1969 من الميلاد, ولم تنم رئيسة وزراء الكيان المسخ (غولدا مائير) في سريرها تلك الليلة, لأنها كانت تتخيل إن العرب سيقتحمون إسرائيل من كل الجبهات, ويدخلونها أفواجاً أفواجاً بعدتهم وعتادهم, لكنها اكتشفت صباح اليوم التالي إنهم لم يحركوا ساكناً, ولم يتأثروا بهذا الحدث الجلل, فأدركت أنها قادرة على فعل ما يحلو لها من دون أن تخشى النيام والأموات, فالنزاعات القبلية والطائفية والسياسية, هي الحروب التي انشغل بها عرب النفط والشفط واللغط, فجاءت أولى خطوات التطبيع عندما تحولت الشعارات السياسية العربية بعد حرب أكتوبر 1973 من (حرب التحرير) إلى (حرب التحريك) باتجاه السلام المزعوم, وكان الاعتراف بإسرائيل أول ثمرة من ثمار التطبيع الذي سبق التركيع, ثم جاءت معاهدة (كامب ديفيد) لتوجه ضربة مباشرة لحركات التحرير. 

 

وسقطت العرب العاربة والمستعربة في وادي عربة عندما وقعت الحكومة الأردنية اتفاقية (وادي عربة) مع إسرائيل في السادس والعشرين من أكتوبر عام 1994 فتغيرت بوصلة الكفاح, وتوجهت القوافل العربية نحو مضارب تل أبيب,  ومنحت تأييدها المطلق للمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط, وسارعت لإقامة القواعد العسكرية الأجنبية على أرضها ومياهها, وسمحت للقاصفات والمقاتلات الغربية بالتحليق في فضاءاتها المفتوحة لطائرات البنتاغون والناتو, ولم تعد القوة العسكرية هي الأدوات التي لجأت إليها القوى الغاشمة لفرض هيمنتها على العواصم العربية, فقد دخلت حيز التطبيق عدة آليات لبناء علاقات اقتصادية وثقافية وسياسية مع الأنظمة العربية الراضخة لمشاريع التسوية. 

وجاء الانبطاح الأكبر على يد قادة منظمة التحرير (فتح), عندما تنازلوا عن مبدأ الكفاح المسلح, وانجرفوا مع تيارات التسوية, فانخرطوا في دوامة المهادنة والمداهنة, وانخدعوا بمتوالية المفاوضات العبثية من دون أن يخرجوا بنتيجة ملموسة. 

 وتوسعت رقعة الانبطاح عندما وقفت معظم الأقطار العربية مع أمريكا وحلفائها, في خنادق الهجوم على العواصم العربية الرافضة لسياسة الانبطاح, فسقطت آخر قلاع الرفض القاطع للاستعمار والصهيونية, وعادت عقارب الساعة من جديد إلى زمن الخنوع والخضوع والذل, ولم يعد (التطبيع) مطلبا إسرائيليا, بل صار ترنيمة يومية مقدسة ترددها الأقطار المنضوية تحت لواء التحالف الأمريكي الإسرائيلي. .

ربما كان (شمعون بيريز) أكثر واقعية عندما فسر التطبيع والانبطاح بطريقته الخاصة, فقال: ((إنه الثمرة الحقيقية لتوظيف ريع النفط الخليجي في تشغيل المهارات العربية لخدمة العبقرية الإسرائيلية)), وقال أيضاً: ((أنها الخطوة المكملة لبناء إسرائيل الكبرى عن طريق التركيع والتطويع بدلا من الحرب والترويع)).

 وهكذا تطور حجم التبادل التجاري بين تل أبيب والعواصم العربية التي أدمنت الخنوع, فحققت التوجهات الانبطاحية أرقاماً فلكية مع بعض الأقطار الخليجية والأردن ومصر وتونس والمغرب, ثم ظهر التطبيع الثقافي واضحا جلياً في برامج الفضائيات العربية, التي شرعت باستضافة محللين ومتحاورين وخبراء في أحاديث مباشرة مع مكاتبها المنتشرة في المدن الإسرائيلية, وظهرت صورة الصهيوني (الطيب) في الأعمال التلفزيونية التونسية والمغربية, وتعاقدت بعض العواصم مع المصانع الإسرائيلية لتزويدها بشحنات من الأسلحة الخفيفة, وطائرات التدريب, والمعدات الحربية الأخرى, وانتشرت وحدات تخصصية من جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في المدن العربية الرئيسة, حتى وصلوا إلى شمال العراق, وتغلغلوا هناك متسترين بعناوين وهمية لشركات استثمارية, وصارت العلاقات بين الدول العربية والدولة العبرية (دهن ودبس), و(سمن على عسل). 

والله يستر من الجايات

ماذا أقولُ لأعرابٍ تًحَرِّكُهم

كفُّ العمالةِ والأحقادُ والبَطَرُ

كمْ قبَّلوا كَفَّ جَزارٍ يُقَتِّلنا

وفوقَ أشلائنا يا ويْحَهم سَكِروا

لو ذرَةٌ مِنْ حياءٍ في وُجُوهِهِمُ

لأشعلوا النارَ في الإسْطبل وانتحروا

يا ربُ عفوكَ أنْقِذنا بمعجزةٍ

تُزلزلُ الأرضَ فيهم إنَّهم فجَروا

حسن المقدسي