الدبلوماسية !!

برغم اعتذاراتي المتكررة، إلا أن رئيس التحرير الشاب، قليل الخبرة، اناط بي مهمة الإشراف على صفحة تعنى بالآراء الحرة، قال لي بما يشبه الأمر [هذا تكليف رسمي غير خاضع للرفض أو النقاش] وكأننا في فوج مغاوير على جبهات القتال، وهو الضابط وانا نائب العريف، ناسياً أو متناسيا، إننا في بلد ديمقراطي لا طاعة فيه من أحد الى أحد، ولا سلطة إلا لرب العالمين، وقد استجبتُ مكرهاً، ونفذت الأمر لعلمي إن رئيس التحرير يعلم مدى حاجتي الى كل دينار من الراتب، وإلا لما تجرأ ونصّب نفسه زعيم كتلة ٍ على رأسي !! وكان ذلك على وجه التحديد قبل عامين !

الحقيقة علمتني التجربة الطويلة، إن الكتابة ضمن صفحة الرأي الحر، أو أي عنوان مماثل، تجعل الكاتب يتوهم بأنه ينحدر من سلالة الملك (مصون غير مسؤول) وإن الأبواب جميعها مشرعة أمامه، فلا خطوط حمر ولا ضوابط ولا ممنوعات كما لو كان في نادي العراة، ولهذا كنتُ احذر كثيراً وأتجنب الاقتراب من هذه الصفحات أو الأشراف عليها، لأنني لو سمحت بمرور عبارة واحدة منفلتةٍ، أو خارجة على القانون، فان رئيس التحرير سيخضعني – قبل المحاكم الجزائية – الى مئة تحقيق وتحقيق، وانا رجل عودتُ نفسي على أن أريح وأستريح وأغلق الباب الذي تأتي منه الريح، ولكن المحذور وقع وتوليت الأشراف، ورفضتُ مقالةً رأيت إنها لا تنسجمُ مع ما نصطلح عليه بحرية التعبير والرأي، لأنها لم تعبر الخطوط الحمر فقط، بل ضربت بها عرض الحائط، وقد (اشتكاني) الكاتب لدى رئيس التحرير الذي انزعج من موقفي ووصفني بدكتاتور الكلمة وطلب مني نشرها على مسؤوليته، فقلت له [حاضر أستاذ، ولكن من باب الأمانة أفضل أن تعرف مضمونها] ويبدو إن الرجل اقتنع بكلامي، وسألني أن أتلو عليه بعض مقاطعها، فاستجبت لسؤاله ووضعت المقالة أمامي وقلت له: المقالة تتحدث عن الحكومة المركزية وتصفها بالحرف الواحد [إنها أقرب ما تكون الى مركز شرطة، لا أحد يحب الوصول اليه أو التعامل معه إلا مضطراً، والوقائع كلها تشير الى إن الحكومة لا تمارس صلاحياتها المركزية بوسائل ديمقراطية، وإنما تمارسها بأساليب مراكز الشرطة، ولهذا وجدت نفسها وحيدة معزولة من غير أصدقاء، وخير دليل على ذلك إن علاقاتها مع دول الجوار ومحيطها العربي متوترة على الدوام ووصل التوتر الى أميركا وهي أقرب الحلفاء إلى الحكومة، أما على الصعيد الداخلي فأزمة المحافظات والأقاليم والنفط وكردستان مع المركز لا أول لها ولا آخر، ولعل أفضل صورة تعبر عن الشبه بين مراكز الشرطة وبين الحكومة المركزية تتمثل في..] وقاطعني غاضباً [كفى.. هذه ليست حرية تعبير عن الرأي… الكاتب المزعج يريد توريطنا في مشكلات نحن في غنى عنها]، شعرت بالارتياح وقلت له [لهذا السبب رفضت المقالة] إلا إنه فاجأني [أنا لم أقل إنها مرفوضة] وسحب المقالة من يدي وكتب عليها [المقالة رائعة وصالحة للنشر.. تحت اليد]، واحتفظ بها بين أوراقه، وها قد مضتْ ستة شهور ولم ترَ النور، وحين راجع كاتبها واطلع على الملاحظة، غادر الجريدة وهو في قمة السعادة، وما زال ينتظر، ومن يومها تعلمت وأنا الكهل، من رئيس التحرير الشاب، درساً لا ينسى في كيفية الضحك على الآخرين تحت غطاء الدبلوماسية!!

كلمة مهاتير أسكتت المهاترين

وقف المهاترون والمزايدون والشامتون كلهم في خندق واحد, وقفوا متفرجين كعادتهم على حرائق غزة, حتى الكلمات الهشة التي استعانوا بها في السابق للتظاهر بمواساة غزة, جندوها هذه المرة في مهاتراتهم للتحريض عليها, ووظفوها للانتقاص منها, وتقليل شأن الانتصارات, التي سجلها أبناؤها بدمائهم وأرواحهم وبسالتهم, على الرغم من شهادة العالم كله واعترافه بهزيمة الصهاينة وانكسار شوكتهم الحربية, وليس أدل على هذا النصر من اعترافات المجرم (موفاز) في ملجأه الحصين, في الوقت الذي تظاهر فيه حتى اليهود في تل أبيب دعماً للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.    فالذين لبسوا ثوب الذل والعار, وأعلنوا الخضوع والإذعان لقوى الشر, ومنحوا الناتو والبنتاغون أكبر القواعد وأوسع المعسكرات, وقدموا لهم أجزل التسهيلات, يدركون تماما أنهم فقدوا ماء وجوههم عندما تساقطوا في حظيرة العمالة, وخسروا الدنيا والآخرة عندما تهافتوا على خدمة أعداء الأمة, ولم يعد يحترمهم أحد لا في عواصمهم, ولا خارجها, ولن ينجح وعاظ السلاطين في إصلاح صورتهم المشوهة, وتجميل مواقفهم الغادرة وحملاتهم الداعرة, فأخذتهم العزة بالإثم, واستعانوا بالمهاترات والمناورات الكلامية ليثبطوا عزيمة غزة التي قهرت الغزاة, ويسرقوا نشوة النصر المؤزر بإذن الله, وفي مقدمتهم الزعماء والرؤساء والقادة والشيوخ, الذين فقدوا نخوتهم العربية, وتخلوا عن واجباتهم الوطنية, وتجردوا من تكليفهم الشرعي, وتنصلوا من التزاماتهم القومية والأخلاقية.  حاول المهاترون أن يضللوا الأمة, ويوحوا لها بعظمة القدرات العسكرية, التي تمتلكها تل أبيب, تمهيدا لجرها إلى هاوية الخنوع والاستسلام, وبالتالي القبول بما يسمى (الأمر الواقع), فجاءت انتصارات غزة في الصميم, لتثبت ضعف هذا الكيان الغاصب, وتوجه أقوى صفعة لجند الشيطان ولأصحاب الأفكار الانهزامية, وتلحق الخزي بذوي الخطابات المسمومة والأقلام الملغومة.   لقد كسر الغزيون حواجز الرعب, وحطموا قيود الفزع, ولم يعد يخيفهم الظالم, ولن يرعبهم الجبان الذي أعتاد على التضليل والتهويل, وفشلت نظريته الانهزامية, فلجأ المهاترون إلى التماس الأعذار الواهية, والبحث عن التبريرات بعد فوات الأوان, ولم ينصفوا الشعب الفلسطيني بكلمة واحدة, فجاءت كلمة رئيس الوزراء الماليزي الأسبق (مهاتير محمد) لتضع النقاط على الحروف, وتكتب أبلغ الجمل, عندما وصفت الكيان الصهيوني بالدولة الإرهابية, جملة لم ينطقها زعماء العرب بهذا الوضوح, وبهذه الصراحة في هذه المرحلة.  قال مهاتير كلمته في حفل كبير أقامه لجمع التبرعات لأهلنا في غزة, ولتدشين صندوقاُ للطوارئ لصالح المنكوبين, فقال: (إن إسرائيل تتبع سياسة الضربات الاستباقية ضد جيرانها بحجة حماية أمنها, وتعتقد أن لها الحق في شن الهجمات على أي بلد, في أي وقت, وهو ما تفعله الآن في غزة, وما فعلته مؤخراً ضد السودان, ومن قبلها العراق) . ودافع مهاتير عن صواريخ حماس, بقوله: (إذا كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة, والدول الغربية, تتفهم قيام إسرائيل بهذا النوع من الهجمات, فلماذا تنكر على الفلسطينيين قيامهم بحماية أنفسهم بأسلحة محلية بسيطة).  وقال: (إن الفلسطينيين في غزة لهم الحق في أن يكونوا آمنين, وعندما يتم وضعهم تحت الحصار, ويحرمون من الغذاء والدواء, فما الذي يتوقع العالم منهم أن يفعلوه ؟؟), وقال: (إن الإعلام الغربي المساند لتل أبيب يركز على صواريخ حماس البسيطة, التي تعد من ضمن المفرقعات بالمقارنة مع ما تمتلكه إسرائيل في ترسانتها الحربية الجبارة من صواريخ بعيدة المدى, في حين يغضون الطرف عن الجرائم والمجازر التي ترتكبها إسرائيل ضد الناس العزل) .   نعم.. هذا هو الرجل الشريف المنصف, وهذه هي المواقف الشجاعة, أما الذين تنازلوا عن شرفهم, والذين فقدوا ضمائرهم, وباعوا أنفسهم للشيطان, فلا تتوقع أن يحذوا حذو هذا الزعيم الماليزي المصلح في يوم من الأيام, ولا جدوى من توجيه كلمات العتب واللوم لاستنفار الموتى واستنهاضهم, ورحم الله السياسي العربي الكبير, أحمد أبو الطيب المتنبي عندما قال في رسالته الميمية:

لا افتخارٌ إلا لمن لا يضام

مُدركٍ أو مُحاربٍ لا ينامُ

ذَلَّ من يَغبِطُ الذليل بعيشٍ

رُبّ عَيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ

من يَهُنْ يسهلِ الهَوانُ عليه

ما لجُرحٍ بميتٍ إيلامُ

يتهافت سفهاء البترول هذه الأيام على طاولات القمار في الفنادق الفاخرة, ويهرع المسرفون والمبذرون نحو ملاعب سباق الخيول, من دون أن يفكروا بالتبرع بالقليل القليل لدعم المقاومة الحقيقية, بينما تأتي التبرعات من اللاعب البرتغالي (كرستيانو رونالدو), عندما تبرع بجائزة هدافين أوربا, التي تبلغ قيمتها (مليون وخمسمائة ألف يورو) إلى أطفال غزة ولتعمير مدارسها.    أنت أصيل يا كرستيانو, وسيُكتب لك النجاح في تسديد ركلاتك الحرة المباشرة من خارج منطقة الجزاء, والخزي والعار للمهاترين المسرفين المبذرين المتخاذلين المهزومين حتى في كرة القدم.

السعودية.. بلد “العجائز” وأسرة المستحيلات يحكمها منطق الغربة عن الحاضر وفقدان الصلة بالمستقبل !! .. الانهيار القريب في جزيرة العرب!!

(3 – 3)

لا نبالغ إذا قلنا إن عمر الحركة الوطنية والقومية والدينية، يتعدّى حدود عمر الدولة السعودية، التي نشأت عام 1932 بعد قيام الوحدة بين الحجاز ونجد، ونتيجة لغياب الإعلام، وانقطاع المجتمع السعودي عن دائرة الضوء العالمية بسبب إجراءات التعتيم والتجهيل التي مارستها الحكومات السعودية

تجاهل الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الاميركية بشكل خاص لما يعانيه شعب الجزيرة العربية من مآسٍ ومعاناة حقيقية وتدمير منظم وغمط للحقوق المدنية والإنسانية وطمس الاعتبارات الإنسانية وغيرها.. وبرغم كل ذلك وغيره، واصلت قوى الرفض النجدية والحجازية على كافة المستويات وبشتى الوسائل، من اجل الاطاحة بالنظام السعودي ومحاسبة المفسدين والمجرمين من أفراد الاسرة الحاكمة والمحسوبين عليها، بيد ان توفر المعلومات الاستخبارية للأسرة الحاكمة وتنوع مصادر هذه المعلومات، مكّن الاسرة الحاكمة من شن حملات وحشية استباقية ضد الحركة الوطنية والقومية والدينية.. وبرغم ذلك، فان الفشل ظل يلاحق كل الجهود الظالمة التي بذلت من قبل السلطة السعودية طوال أكثر من 75 سنة بالتمام والكمال. لقد قال البعض ان حكم آل سعود لا يمكن ان يسقط… اعتمادا على عدة أسباب منها:

1 ـ ضعف المعارضة وتشتتها وتعدديتها.

2 ـ انعدام القدرة على استغلال الفرص التي أتيحت بسبب التباطؤ في التحرك وضعف الاستخدام الامثل للإمكانيات المتاحة. 

3 ـ تعاون منظومات الاستخبارات والمخابرات الاجنبية مع الاجهزة الامنية السعودية. 

4 ـ هيمنة وسيطرة آل سعود على المجتمع السعودي القائم وعلى نحو أكثر بالنسبة للعشائر والقبائل السعودية التي تدين بالولاء للنظام السعودي.

5 ـ تعميق التفرقة والتجزئة والتناحر بين العشائر والقوى والتيارات الدينية والمذهبية والعشائرية وخصوصا بين الاحباش والعرب وبين النجديين والحجازيين تطبيقا لمبدأ “فرق تسد”.

 ومع ذلك فان قراءة موضوعية وعلمية للمستقبل السياسي السعودي تقود حتما الى ما جعل الولايات المتحدة الاميركية تعبر اكثر من مرة عن مخاوف حقيقية من احتمال حدوث انقلاب عسكري في السعودية يطيح بالنظام القائم..ولكن لماذا هذا الاحتمال؟ وكيف السبيل الى تجاهل ما يبدو انه خضوع عسكري كامل للسيطرة السعودية؟ وجوابا على ذلك، نقول: انه منذ قيام الحكم السعودي، وقيادته الأسرية تواجه معارضة مد معارض ورفض شعبي عارم تراوح بين محاولات انقلابية او من خلال الاحتجاجات والانتفاضات الشعبية والمظاهرات والاعتصامات وغيرها. 

1 ـ ففي عهد الملك عبد العزيز، حصلت أول مجزرة او موقعة سميت بوقعة “السبلة” ضد الحجازيين راح ضحيتها عدة مئات من الحجازيين على يد أحباش الملك عبد العزيز الذي اعطى أوامره لهم باستخدام اعنف وأقسى الضربات الموجعة ضد الحجازيين العزل من الأسلحة. 

2 ـ وعلى اثر ذلك نفذت حركة الضابط الشمراتي الانقلابية وهي أول حركة انقلابية ساهمت فيها بعض قطعات الجيش بيد انها فشلت بسبب عدم التفكير اصلا بموضوع توفير “العتاد ” الكافي.

3 ـ حركة قوى الامن الداخلي.

4 ـ حركة الضباط الطيارين .

5 ـ محاولة الامراء الاحرار.

6 ـ محاولة القوى القومية .

7 ـ مقتل الملك فيصل بن عبد العزيز والذي مثل الذروة في وصول المعارضة إلى درجة التخلي عن الأسلوب السلمي في ممارسة حق التصدي للسلطة الجائرة واللجوء إلى عمليات الاغتيال السياسي. لقد كان قتل الملك فيصل على يد ابن اخيه 1975، كارثة حقيقية بالنسبة للاسرة الحاكمة. 

8 ـ اكتشاف التنظيم الثوري السري “جبهة الاصلاح الوطني” وما ترتب على ذلك من حملة اعتقالات طالت العديد من الشخصيات الوطنية المرموقة، الأمر الذي انعكس على الشارع السعودي وخصوصا عمال شركة ارامكو الذين رفضوا الاستغلال الاميركي الجائر للنفط السعودي وبذلك اتسعت دائرة الاحتجاجات والاضرابات لتشمل قطاعات واسعة جدا من الشعب السعودي..

9 ـ ثورة المنطقة الشرقية في عام 1956 والتي لا زالت تتواصل رغم مضي اكثر من نصف قرن على تفجرها .

10 ـ محاولة انقلابية قادها العميد عبد الله المنديلي 

11 ـ محاولة انقلابية قادها تنظيم سري يضم اكثر من 16 شخصا من العسكريين والمدنيين بضمنهم أكاديميون وكان التنظيم يسعى الى تنفيذ مشروع اسماه “مشروع الجيل” وقد حصلت هذه المحاولة في 13 / 7 / 2011، وقد اعتبرت من قبل الأوساط السياسية الغربية والاميركية من اخطر ما حدث ضد النظام السعودي خلال تاريخ السعودية. 

12 ـ محاولة انقلابية قادها مجموعة ضباط في سلاح الطيران بتاريخ 27/ حزيران /2012 وبرغم التكتم السعودي على تفاصيل هذه المحاولة فقد تسربت تفاصيل وافية عن هذه المحاولة التي فتحت الطريق واسعا لمحاولة لاحقة أقدم عليها تخطيطا وتنفيذا الأمير بندر بن سلطان في 13 / ايلول / 2012.

لقد انطوت هذه المحاولة على تنظيم وترتيب فني في غاية الإتقان، وقد قام بها احد كبار ضباط الحرس الوطني، وهذا أمر يحدث للمرة الأولى، بسبب كون الحرس الوطني هو احد اهم الاجهزة السلطوية التي يعتمد عليها النظام في فرض هيمنته وسيطرته المطلقة على الشعب. لقد مثل الرائد احمد معياض الزهراني الخطوة الاولى على طريق انتزاع الحرس الوطني من براثن السيطرة المحكمة من قبل العائلة الحاكمة.. رغم الإجراءات القاسية التي اقدم عليها النظام ضد الانقلابيين الذين يقدر عددهم بـ “15” ضابطا، حيث تم تعريضهم الى اقصى اساليب التعذيب النفسي والجسدي، وتمت احالة من بقي منهم على قيد الحياة الى القضاء بتهمه التآمر، وتم اصدار احكام الموت بحقهم وقد تم تنفيذ حكم الإعدام بالسيف في قاعدة الرياض الجوية، ويصف المستشار السياسي والعسكري في السفارة الاميركية بالسعودية ما حدث بانه ” مجزرة”، وتشير انباء تسربت من اجهزة الامن السعودية الى ان الاستخبارات الروسية، هي من توصل الى اكتشاف خيوط المحاولة الانقلابية 

وتشير صحيفة الكرستيان سانيس مونتير الاميريكية في متابعة تحليلية لها على ما حصل ويحصل في السعودية في عددها الصادر بتاريخ 23 / 9 / 2012 الى إن ما حصل في السعودية في الاونة الاخيرة، يمثل اخطر اختراق حصل في الحرس الوطني الذي هو في الواقع ” حرس ملكي” وهو من عناصر جرى اختيارهم بعناية من نجد ويذكر ان الجيش في السعودية كان وباستمرار يعتمد على الحجازيين غير ان ذلك تغير تدريجيا منذ قيام الوحدة بين الحجاز ونجد، وبعد ان ادرك الحجازيون انهم باتوا مواطنين من الدرجة الثالثة او الرابعة بدأت تتكرر عمليات الانقلابات العسكرية فعمدت الحكومة السعودية الى التقليل من عدد الحجازيين في الجيش حرمت عليهم الدخول في الحرس الوطني بشكل خاص وبذلك صار الجيش والحرس تحت السيطرة “النجدية” واحتكرت القيادات العليا للضباط من العائلة المالكة ثم النجديين وبعد ذلك الجنوبيين. لقد اعتمدت الحكومة السعودية وبشكل مطلق في حماية وجودها على عدة إجراءات منها:

1 ـ تشكيل “الإخوان النجديين” وهي قوات قبلية عشائرية وهي معين وساند للحرس الأبيض الذي سمي فيما بعد “الحرس الوطني” وتعتبر هذه الوقات الاكثر ولاء والاكثر خطرا والاكثر تسليحا.

2 ـ للسعوديين تجربتهم الخاصة في منع محاولات الانقلابات العسكرية من النجاح، حيث وجدوا، أن المشكلة تعود إلى فئات معينة من الشعب هي التي تشكل مصدر الخطر الحقيقي وهي:

أـ الحجازيون

ب ـ بعض القبائل مثل شمر، العجمان وغيرها .

ج ـ الشيعة، الشافعية، الحنفية، الإسماعيلية. 

وبذلك اصبح الجيش والمؤسسات الامنية وكل القوات المسلحة، مقفلة أمام من ذكر في “أ وب وج”. 

3 ـ تحويل الجيش الى جزء من العملية السياسية وفي اطار ايديلوجيتها وفي خدمة العائلة المالكة باعتبارها تملك السلطتين “الدينية والسياسية”. 

4 ـ منع الجنود من ممارسة السياسة. 

5 ـ تعزيز اجهزة المراقبة والتجسس باستخدام احدث الاجهزة والمعدات الحديثة مع المبالغة في اقتناء احدث اساليب التصنت والمتابعة .

6 ـ اتباع سياسة الإحالة على التقاعد في وقت مبكر للضباط ومنع الضباط في مكان أو منصب لمدة طويلة في مكان واحد. 

7 ـ حصر عدد أفراد القوات المسلحة واستخدام أسلوب النوع لا الكم.

8 ـ تقييد حركة القطعات وتحديد أماكن تدريبات ضباط القوة الجوية. 

يقول السير ألن مونرو السفير البريطاني السابق في المملكة السعودية إن امر الاتفاق على من سيأتي خلفا للملك عبد الله او الذي سيليه سيكون مع مرور الوقت من أصعب واعقد القضايا التي ينبغي الاتفاق عليها وإلا فأن البديل هو الكارثة، وتعقب جريدة المصري اليوم على ذلك بالقول: ان النظام السعودي الحالي ينتظر “طلقة الرحمة” وترسم المخابرات الألمانية صورة قاتمة جدا لمستقبل النظام السعودي، حيث تقول مجلة “دير شبيغل” الألمانية على موقعها الالكتروني في 30 أيلول 2012 إن جهاز الاستخبارات الالمانية “بي، ان ، دي ” اعرب في تحليل عن تشاؤم اكبر من تشاؤم الحكومة بشأن الوضع في السعودية..

وصنفت جريدة التايمز اللندنية في عددها الصادر قبل عدة ايام السعودية على انها البلد الذي “يقف في الانتظار” مؤكدة حقيقة ان السعودية مرشحة الآن لسلسلة من التطورات التي قد تبدأ بتظاهرات بسيطة ثم تتطور إلى أكثر من ذلك نتيجة تزايد درجات الاحتقان، لدى الشباب السعودي.وفي رده على الهجمات التي شنت عليه من قبل الإعلام المناصر للأسرة الحاكمة، قال الشيخ محمد بن غانم القحطاني عضو الهيئة التأسيسية لـ” حزب الامة الإسلامي” والذي يعتبر أول حزب يؤسس ويقدم طلب ترخيص في السعودية.. “ان تعليقاته الاخيرة حول مستقبل وجود المملكة ودعوته الى نقل السلطة من عائلة آل سعود الحاكمة الى الشعب يهدف إلى تجنيب البلاد كارثة وسيناريوهات لا يمكن توقعها في حال نشوب صراع بين أجنحة الاسرة الحاكمة، وهي امر متوقع بل هو الاحتمال الاقوى والاقرب الى الواقع الماثل امامنا، او اندلاع اضطرابات داخلية واعتبر القحطاني السعودية في مرحلة تحتاج فيها إلى إصلاح سياسي شامل نظرا لتقدم سن كبار أفراد الأسرة المالكة وإصابة معظمهم بأمراض مختلفة ومتنوعة الخطورة وفقدانهم القدرة على العمل.

ويتصاعد الحديث عبر التواصل الاجتماعي من قبل شباب مثقف سعودي عن تصاعد حدة البطالة في السعودية إلى مستوى حرج جدا ويواصل الفساد نخره وتزايده مقابل مقاومة رسمية ضعيفة وشكلية في كثير من الأحيان مع استمرار التضييق المتعمد على الحريات العامة والخاصة. 

وتقول “هارتس” الاسرائيلية في معرض تعليق لها على ما يجري في السعودية.. “ان علينا ان نحذر السعوديين الى ان ما سيأتي سيجعل تدارك الكارثة أمرا مستبعدا تماما”، هكذا يظهر الاسرائيليين خشيتهم من ستأتي به الايام عاجلا ام آجلا انه الانهيار الشامل والكامل لحكم الاسرة التي حكمت بلاد العرب ومهبط الوحي ومنطلق الإسلام، دين الكرامة والعزة لكل البشرية فحكمهم منطق الغربة عن ليس الحاضر، بل وأيضا عن المحيط الذي تواجدوا فيه فعقدوا بذلك الصلة بالمستقبل، المستقبل الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا، بلسان عربي صريح.

عائلة تسقطها الشيخوخة والهرم

ممدوح ـ ماجد ـ فيصل ـ خالد ـ ناصر ـ مهند ـ عبد الله ـ سعود ـ طلال ـ ناصر ـ محمد ـ ” تركي الاول ” ـ نايف ـ فواز ـ مشعل ـ عبد الرحمن ـ عبد المحسن ـ احمد ـ سطام ( الملك عبد العزيز1876 ـ 1953 ) بندر ـ سلطان ـ منصور ـ مشاري ـ سعد ـ ثامر ـ مساعد ـ مشهور ـ بدر ـ متعب ” تركي الثاني ” متعب ـ مذلول ـ عبد المجيد ـ حمود: ولد عام 1945 اصغر اولاده مات عام 1994 في حادث سير في اميركا ـ عبد الاله ـ مقرن: اصغر اولاده من الاحياء ولد عام 1943

الملك عبد العزيز ( 1976 ـ 1928 ) تنازل مجبرا لولده عبد الرحمن 1928 

عبد الله 1889 ـ فيصل ـ 1788 ـ 1865 

تركي ـ 3834 

عبد الله ـ 1819 

سعود ـ 1748 ـ 1814 

عبد العزيز: هو الذي اتصل بالشيخ محمد عبد الوهاب ولقب نفسه بـ ” الامام ” ـ حكم امارة نجد عام 1726 

(ثنيان، مشاري ) ـ سعود ـ محمد( 1966 ـ 1697 ) ـ فرحان 

محمد: كان موجودا في عام 1625 

مكرن ” مقرن ” هنا ينتمي النسب السعودي المتفق عليه بين المصادر السعودية وغيرها من المصادر التاريخية والنسبية حيث تختلف المصادر التاريخية والنسبية بعد ذلك بين من يؤكد ان نسب عائلة ال سعود ينتهي الى اليهود وبين من يقول غير ذلك 

الباقون على قيد الحياة ” 17 ” تتراوح اعمارهم بين 70 ـ 88 سنة !!!

نسب آل سعود بين الحقيقة العارية والأوهام الكاذبة 

يأخذ نسب العائلة السعودية، حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين والدارسين، ليس لأنه يتعلق بعائلة حكمت وتحكم بلاد الجزيرة العربية، العزيزة على كل العرب لأنها مصدر الإلهام ومهبط الوحي ومرابع الرسول العظيم محمد بن عبد الله وآل بيته الكرام وصحبه الاماجد ولانها ايضا مهد الحضارة العربية ومنبع بني الضاد، ولدي الان اربعة كرم “مشجرات” لآل السعدون لا يوجد بينها اي شبه، فالاولى تنسبهم الى “بني هاشم” صادرة من نقابة الأشراف في مصر، وهي غير صحيحة بالمرة وقد طعنت من جهات كثيرة في مصر وخارجها وبسبب ذلك امتنع السعوديون من الأخذ بها والثانية ترجعهم الى شمر وقد أنكر العارفون بالنسب الشمري ذلك تماما، ويحدثني المرحوم الشيخ احمد عجيل الياور، انه كان لاجئا في السعودية في عام 1960 وقد جمعتني احدى المناسبات بالامير فيصل وكان في حينها وليا للعهد وأثناء الحديث بيني وبينه، قال انه يفخر كونه من شمر فقلت له: ان شمر تفخر بك كذلك كونك ملكا عربيا وليس كونك منها: وعندئذ نهض فيصل غاضبا ونهضت انا كذلك خارجا لأتوجه من فوري الى المطار ومن هناك الى القاهرة.

اما الثالثة فترجعهم الى عنزة وقد انكرت عنزة ذلك ورفضته رفضا قاطعا اما الرابعة فترجعهم الى بني اسد، وهم يتعاملون بها الآن وذلك لسكوت الاسديين عن تكذيب هذه الكرمة او المشجرة التي ادعوا انهم منها.

ان الحقيقة التي ليس في وسع الكذب والتدليس والتزوير في الانسان طمسها هي انهم من يهود الدومينة كما اثبت ذلك الكثير من الكتاب والباحثين.

بماذا تفكر التماثيل؟!

 هو سؤال ماكر ساقه (بيكاسو)- يوما- حين قال بسخريته وسحرية مواهبه الزائدة عن مقاسات الرسم العادي والتقليدي: (ليتني أعرف بماذا تفكر التماثيل!!)، ليترك فينا مباهج ذلك الشك المدهش والحيرة المقبولة من لدن أمثاله من المبدعين الذين (شغلوا الناس وملأوا الدنيا) بنبوغ ما جادوا من ينابيع عبقرياتهم واستحقوا منا طيب الذكرى وشارة الخلود، وقبل ان أدلو بدلوي في دوافع انغماري بموضوعة التماثيل التي تزعم إقامتها وزارة الثقافة ضمن توجهات مشروعها الكبير في فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية لعام/ 2013 لعدد من الوجوه والشخصيات العراقية الفاعلة والمؤثرة في مجالات إبداعاتها في الثقافة والفنون وعموم نواحي المعرفة، أود ان أذكر ما حصل مع الروائي الفرنسي المعروف (بلزاك) الذي خاطب أولئك الذين أرادوا إقامة تمثال له في باريس، بأن لماذا تنفقون على هذا التمثال وتصرفون الكثير الأموال من أجل إتمامه؟ -وأكمل- أعطوني نصف تكاليفه وأنا على أتم الاستعداد لان أقف على المنصة أو القاعدة المخصصة له وبالشكل الذي تطلبونه!!!

 وبغض النظر عن دواعي حاجة ذلك الروائي العظيم للمال في حياته -آنذاك- أي (بلزاك) أكثر من حاجته لتمثال يخلده، ولكن تبقى القضية والمسافة متفاوتة، بل نسبية ما بين هذا وذاك، فها هو شاعرنا (أبو الطيب المتنبي) يقول عمّن كان يمتدحهم ويغدقون عليه بالنقود والهدايا: (ما لهؤلاء أعطيهم ما يخلد، ويعطوني ما يفنى!!) ، إذن الفرق واضح ومكشوف لفهم دواعي وأسباب هذا التفاوت، وإذا أعاود لموضوع تماثيل وزارة الثقافة بالتفاتتها الموضوعية والحضارية في تخليد رموزنا ممن شملهم رعاية الاختيار وانتقاء الأسماء وفق محصلات الاستحقاق الإبداعي، لكي تعيد النظر بضرورة اضافة أسماء أخرى تستحق مجد ذلك التخليد،فمن -مثلا- ينسى أو يتناسى (مدني صالح) الفيلسوف الذي جعل الدرس الفلسفي يهرول مزهوا بطرحه وتناوله سهلا…عذبا…عميقا في حقول و(درابين) الصحافة، استاذا ومعلما على طريقة أفلاطون المعلم الأول لحب الحكمة (الفلسفة)، وأذن تحذوني الرغبة في الدفاع عن (مدني صالح)-هنا حصريا- إنما أدافع عن أسماء أخرى أحاول جردها في ذاكرتي وأشيد وأستنجد بمن ينعش ذواكرنا بمن هم من منزلة (مدني) ويضعها معي أمام القائمين والمشرفين على انجاح هذا المشروع الحضاري الرصين بحجم ما يجب، وبما سيعيد الاعتبار لمن يستحق، كي نزيل الملابسات والإزاحات المقصودة وغير المقصودة عمن تم غمط حقهم من( برواز) هذا الامتياز، سواء أكان بسلامة نية أو سوء مقاصد البعض،ممن ينظر للمستقبل  بعين واحدة، وإذا أقفل مزلاج هذا الموضوع بمفتاح القلب، تسلل الى ذاكرتي مقطع شعري  يختم فيه الشاعر الكبير-المبدع (جواد الحطاب) قصيدة له بعنوان (تماثيل) سببت له الكثير من المشاكل مع النظام السابق حين نشرها منتصف تسعينات القرن الفائت يقول فيه:

( كم سخر الصيف من

 درعها المطري، والشتاء

تهكم من عريها

والتماثيل مشغولة 

غير آبهة بالظنون).

الدبلوماسية !!

برغم اعتذاراتي المتكررة، إلا أن رئيس التحرير الشاب، قليل الخبرة، اناط بي مهمة الإشراف على صفحة تعنى بالآراء الحرة، قال لي بما يشبه الأمر [هذا تكليف رسمي غير خاضع للرفض أو النقاش] وكأننا في فوج مغاوير على جبهات القتال، وهو الضابط وانا نائب العريف، ناسياً أو متناسيا، إننا في بلد ديمقراطي لا طاعة فيه من أحد الى أحد، ولا سلطة إلا لرب العالمين، وقد استجبتُ مكرهاً، ونفذت الأمر لعلمي إن رئيس التحرير يعلم مدى حاجتي الى كل دينار من الراتب، وإلا لما تجرأ ونصّب نفسه زعيم كتلة ٍ على رأسي !! وكان ذلك على وجه التحديد قبل عامين !

الحقيقة علمتني التجربة الطويلة، إن الكتابة ضمن صفحة الرأي الحر، أو أي عنوان مماثل، تجعل الكاتب يتوهم بأنه ينحدر من سلالة الملك (مصون غير مسؤول) وإن الأبواب جميعها مشرعة أمامه، فلا خطوط حمر ولا ضوابط ولا ممنوعات كما لو كان في نادي العراة، ولهذا كنتُ احذر كثيراً وأتجنب الاقتراب من هذه الصفحات أو الأشراف عليها، لأنني لو سمحت بمرور عبارة واحدة منفلتةٍ، أو خارجة على القانون، فان رئيس التحرير سيخضعني – قبل المحاكم الجزائية – الى مئة تحقيق وتحقيق، وانا رجل عودتُ نفسي على أن أريح وأستريح وأغلق الباب الذي تأتي منه الريح، ولكن المحذور وقع وتوليت الأشراف، ورفضتُ مقالةً رأيت إنها لا تنسجمُ مع ما نصطلح عليه بحرية التعبير والرأي، لأنها لم تعبر الخطوط الحمر فقط، بل ضربت بها عرض الحائط، وقد (اشتكاني) الكاتب لدى رئيس التحرير الذي انزعج من موقفي ووصفني بدكتاتور الكلمة وطلب مني نشرها على مسؤوليته، فقلت له [حاضر أستاذ، ولكن من باب الأمانة أفضل أن تعرف مضمونها] ويبدو إن الرجل اقتنع بكلامي، وسألني أن أتلو عليه بعض مقاطعها، فاستجبت لسؤاله ووضعت المقالة أمامي وقلت له: المقالة تتحدث عن الحكومة المركزية وتصفها بالحرف الواحد [إنها أقرب ما تكون الى مركز شرطة، لا أحد يحب الوصول اليه أو التعامل معه إلا مضطراً، والوقائع كلها تشير الى إن الحكومة لا تمارس صلاحياتها المركزية بوسائل ديمقراطية، وإنما تمارسها بأساليب مراكز الشرطة، ولهذا وجدت نفسها وحيدة معزولة من غير أصدقاء، وخير دليل على ذلك إن علاقاتها مع دول الجوار ومحيطها العربي متوترة على الدوام ووصل التوتر الى أميركا وهي أقرب الحلفاء إلى الحكومة، أما على الصعيد الداخلي فأزمة المحافظات والأقاليم والنفط وكردستان مع المركز لا أول لها ولا آخر، ولعل أفضل صورة تعبر عن الشبه بين مراكز الشرطة وبين الحكومة المركزية تتمثل في..] وقاطعني غاضباً [كفى.. هذه ليست حرية تعبير عن الرأي… الكاتب المزعج يريد توريطنا في مشكلات نحن في غنى عنها]، شعرت بالارتياح وقلت له [لهذا السبب رفضت المقالة] إلا إنه فاجأني [أنا لم أقل إنها مرفوضة] وسحب المقالة من يدي وكتب عليها [المقالة رائعة وصالحة للنشر.. تحت اليد]، واحتفظ بها بين أوراقه، وها قد مضتْ ستة شهور ولم ترَ النور، وحين راجع كاتبها واطلع على الملاحظة، غادر الجريدة وهو في قمة السعادة، وما زال ينتظر، ومن يومها تعلمت وأنا الكهل، من رئيس التحرير الشاب، درساً لا ينسى في كيفية الضحك على الآخرين تحت غطاء الدبلوماسية!!

كلمة مهاتير أسكتت المهاترين

وقف المهاترون والمزايدون والشامتون كلهم في خندق واحد, وقفوا متفرجين كعادتهم على حرائق غزة, حتى الكلمات الهشة التي استعانوا بها في السابق للتظاهر بمواساة غزة, جندوها هذه المرة في مهاتراتهم للتحريض عليها, ووظفوها للانتقاص منها, وتقليل شأن الانتصارات, التي سجلها أبناؤها بدمائهم وأرواحهم وبسالتهم, على الرغم من شهادة العالم كله واعترافه بهزيمة الصهاينة وانكسار شوكتهم الحربية, وليس أدل على هذا النصر من اعترافات المجرم (موفاز) في ملجأه الحصين, في الوقت الذي تظاهر فيه حتى اليهود في تل أبيب دعماً للشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.    فالذين لبسوا ثوب الذل والعار, وأعلنوا الخضوع والإذعان لقوى الشر, ومنحوا الناتو والبنتاغون أكبر القواعد وأوسع المعسكرات, وقدموا لهم أجزل التسهيلات, يدركون تماما أنهم فقدوا ماء وجوههم عندما تساقطوا في حظيرة العمالة, وخسروا الدنيا والآخرة عندما تهافتوا على خدمة أعداء الأمة, ولم يعد يحترمهم أحد لا في عواصمهم, ولا خارجها, ولن ينجح وعاظ السلاطين في إصلاح صورتهم المشوهة, وتجميل مواقفهم الغادرة وحملاتهم الداعرة, فأخذتهم العزة بالإثم, واستعانوا بالمهاترات والمناورات الكلامية ليثبطوا عزيمة غزة التي قهرت الغزاة, ويسرقوا نشوة النصر المؤزر بإذن الله, وفي مقدمتهم الزعماء والرؤساء والقادة والشيوخ, الذين فقدوا نخوتهم العربية, وتخلوا عن واجباتهم الوطنية, وتجردوا من تكليفهم الشرعي, وتنصلوا من التزاماتهم القومية والأخلاقية.  حاول المهاترون أن يضللوا الأمة, ويوحوا لها بعظمة القدرات العسكرية, التي تمتلكها تل أبيب, تمهيدا لجرها إلى هاوية الخنوع والاستسلام, وبالتالي القبول بما يسمى (الأمر الواقع), فجاءت انتصارات غزة في الصميم, لتثبت ضعف هذا الكيان الغاصب, وتوجه أقوى صفعة لجند الشيطان ولأصحاب الأفكار الانهزامية, وتلحق الخزي بذوي الخطابات المسمومة والأقلام الملغومة.   لقد كسر الغزيون حواجز الرعب, وحطموا قيود الفزع, ولم يعد يخيفهم الظالم, ولن يرعبهم الجبان الذي أعتاد على التضليل والتهويل, وفشلت نظريته الانهزامية, فلجأ المهاترون إلى التماس الأعذار الواهية, والبحث عن التبريرات بعد فوات الأوان, ولم ينصفوا الشعب الفلسطيني بكلمة واحدة, فجاءت كلمة رئيس الوزراء الماليزي الأسبق (مهاتير محمد) لتضع النقاط على الحروف, وتكتب أبلغ الجمل, عندما وصفت الكيان الصهيوني بالدولة الإرهابية, جملة لم ينطقها زعماء العرب بهذا الوضوح, وبهذه الصراحة في هذه المرحلة.  قال مهاتير كلمته في حفل كبير أقامه لجمع التبرعات لأهلنا في غزة, ولتدشين صندوقاُ للطوارئ لصالح المنكوبين, فقال: (إن إسرائيل تتبع سياسة الضربات الاستباقية ضد جيرانها بحجة حماية أمنها, وتعتقد أن لها الحق في شن الهجمات على أي بلد, في أي وقت, وهو ما تفعله الآن في غزة, وما فعلته مؤخراً ضد السودان, ومن قبلها العراق) . ودافع مهاتير عن صواريخ حماس, بقوله: (إذا كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة, والدول الغربية, تتفهم قيام إسرائيل بهذا النوع من الهجمات, فلماذا تنكر على الفلسطينيين قيامهم بحماية أنفسهم بأسلحة محلية بسيطة).  وقال: (إن الفلسطينيين في غزة لهم الحق في أن يكونوا آمنين, وعندما يتم وضعهم تحت الحصار, ويحرمون من الغذاء والدواء, فما الذي يتوقع العالم منهم أن يفعلوه ؟؟), وقال: (إن الإعلام الغربي المساند لتل أبيب يركز على صواريخ حماس البسيطة, التي تعد من ضمن المفرقعات بالمقارنة مع ما تمتلكه إسرائيل في ترسانتها الحربية الجبارة من صواريخ بعيدة المدى, في حين يغضون الطرف عن الجرائم والمجازر التي ترتكبها إسرائيل ضد الناس العزل) .   نعم.. هذا هو الرجل الشريف المنصف, وهذه هي المواقف الشجاعة, أما الذين تنازلوا عن شرفهم, والذين فقدوا ضمائرهم, وباعوا أنفسهم للشيطان, فلا تتوقع أن يحذوا حذو هذا الزعيم الماليزي المصلح في يوم من الأيام, ولا جدوى من توجيه كلمات العتب واللوم لاستنفار الموتى واستنهاضهم, ورحم الله السياسي العربي الكبير, أحمد أبو الطيب المتنبي عندما قال في رسالته الميمية:

لا افتخارٌ إلا لمن لا يضام

مُدركٍ أو مُحاربٍ لا ينامُ

ذَلَّ من يَغبِطُ الذليل بعيشٍ

رُبّ عَيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ

من يَهُنْ يسهلِ الهَوانُ عليه

ما لجُرحٍ بميتٍ إيلامُ

يتهافت سفهاء البترول هذه الأيام على طاولات القمار في الفنادق الفاخرة, ويهرع المسرفون والمبذرون نحو ملاعب سباق الخيول, من دون أن يفكروا بالتبرع بالقليل القليل لدعم المقاومة الحقيقية, بينما تأتي التبرعات من اللاعب البرتغالي (كرستيانو رونالدو), عندما تبرع بجائزة هدافين أوربا, التي تبلغ قيمتها (مليون وخمسمائة ألف يورو) إلى أطفال غزة ولتعمير مدارسها.    أنت أصيل يا كرستيانو, وسيُكتب لك النجاح في تسديد ركلاتك الحرة المباشرة من خارج منطقة الجزاء, والخزي والعار للمهاترين المسرفين المبذرين المتخاذلين المهزومين حتى في كرة القدم.

فشل العقول الحالمة

(حين نحلم … أننا نحلم… عندها ستغدو اليقظة وشيكة)، بهذا المعنى- أو بشيء قريب منه- يمكن ان نتلمس طريق الأحلام التي ابتدأ بها الإنسان القديم، ليصل ونصل معه إلى كل ما تحقق الآن من تقدم وتطور طال كل مفاصل ومفردات الحياة (سوى- طبعا- مفردات البطاقة التموينية،قبل وبعد الغائها ثم عدول الحكومة عن ذلك القرار برمشة عين)، ولان موضوع الأحلام كان قد شغل كل علماء النفس وعلى مختلف مدارسهم واتجاهاتهم، فضلا عن المفسرين والسحرة من العرافين والعرافات  وقارئات وقارئي الفناجين، على طول مد البصر للنظر في قاع الفنجان، لكشف المخفي والتنبؤ بما قد يحث بالمستقبل، ولان (المستقبل هو ظل الماضي)، كما يذهب الصينيون الى ذلك، قبل وبعد بنائهم لسور الصين العظيم والذي يعد من (سوابع) عجائب الدنيا… سيبقى الحلم أو المنام لغزا محيرا رغم كل التطور الهائل الذي اجتاح العالم على مجرى ما مر به، قبل وبعد (انشتاين) الذي أجرى عبر نظرياته المذهلة تغيرا واسعا و سريعا في مجريات واقع العلم وعالم اليوم الذي استنار بواحدة من أهم نتائج بحثه هي (كلما زادت السرعة … قل الوقت)  موضحا بالدليل ودقة التجارب، أن الوقت يجري كالأنهر ويتلوى بجميع الاتجاهات، أي انه -يا جماعة الخير- يجري في كل مكان بذات الوقت وأن سرعة الضوء ثابتة دائما، وحين ينصف المنصفين عبقرية (البرت انشتاين) ويقرون بذكائه المفرط، يقول بتواضع جم: ( أنا لست ذكيا … بل فضوليا)، كما لو انه يؤكد حكمة من قال ) : بعض الرجال عظماء الى درجة لا يمكن أن تصنعهم الا أنفسهم). 

 الحلم أذن هو طاقة نفسية وقنطرة حقيقية للعبور في فحص وتفسير الشخصية ، كما انه هو من أوصل الطموحين والفضوليين بنهج الاكتشاف ووسائل العلم والتجارب التي أنتجت إرثا كبيرا ومتنوعا من نواتج هذه المنجزات فاض عن حاجة تلك الشعوب المنتجة لها،حتى شاع تصديرها بوهج حضارة وتقدم ومدنية ومال واقتصاد ضخم ومشاريع كبيرة بل عملاقة أخذت تنفذها شركات ما يطلق عليها بـ(عابرة القارات)، فيما نواصل نحن ومن يتشابه معنا في عدم السعي لتحقيق أحلامنا، من خلال التشبث بالحلم حلما مجردا، وأملا وأماني تباغتنا وتغرينا كالسراب، بسبب الغياب والفشل المتكرر في رسم الخطط والسبل القادرة على تحقيق أبسط تلك الأحلام التي أخذت تتزاحم في نفوسنا وتتدافع في عقولنا كي تكدر أرواحنا بتحولها – في الكثير من الجوانب والأحيان – كوابيس ودبابيس توخز أمالنا، مطالبة بحقيقة تحديد (مكاننا من الأعراب) بين عالم اليوم وعقوله الحالمة بالتنفيذ وقطف النجاح وعقولنا النائمة على وسائد من (وعود وعهود وأنين وآهات) كما تذهب (أم كلثوم) في رائعة أغنيتها (للصبر حدود). 

الأجنحة الخاصة تطيح بالخدمة المجانية للمستشفيات الحكومية

كتبنا وكتب غيرنا عن الوضع الصحي في العراق فيما يتعلق بتفشي الأمراض الانتقالية وغير الانتقالية, وغياب المشروع الصحي بمستوى ما وصلت إليه الدول المتقدمة والدول التي في طريقها إلى التقدم.

وقلنا أكثر من مرة أن الوضع الصحي في العراق يحتاج إلى الشروع بالخصخصة لاسيما على مستوى الخدمات العلاجية في المستشفيات بعد أن ظهر جليا رداءة الخدمة داخل المستشفيات الحكومية وعجز إدارات المستشفيات عن السيطرة على تلكؤ بعض الملاك الطبي في الخدمة وتمرد البعض الآخر لمصالح شخصية نفعية على حساب المهنة الإنسانية التي قلنا عنها بأنها تحتضر في العراق بعد أن سجلت نقابة الأطباء غيابا واضحا, وانشغلت وزارة الصحة بروتين العمل الإداري الذي أصبح في العراق عموما وفي كل الوزارات ومنها وزارة الصحة مترهلا كسولا يشوه صورة الدولة التي تنفق مليارات من الدولارات على الأدوية والأجهزة والبنايات والخدمات والايفادات, والنتيجة من وراء كل ذلك نجد مرضانا أصبحوا نهبا لمكاتب السمسرة للعلاج في خارج العراق حتى أصبحت الهند مثالا على ذلك.

والسبب من وراء ذلك أولا هو الملاك الطبي والاستثناء فيما نذكر موجود ولكنه قليل ومغيب, ثم الإدارات ثانيا التي عرف اغلبها بالضعف وارتهانها لتأثيرات أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجالس المحافظات ومسؤولي الإدارة في المحافظات, وهذه جميعها من نتائج المحاصصة التي لم تكن سببا لفشل العملية السياسية فقط وإنما كانت السبب لفشل الحكومة ومؤسسات الدولة وإداراتها .

أما الملاك الطبي فله حديث آخر يتعلق بتحليل المقطع التاريخي الذي يمر به المجتمع العراقي من حيث انخفاض المستوى الأخلاقي وحدوث التنافر والتناشز الاجتماعي الذي افقد الثقة بين الأفراد وأشاع روح التذمر والضجر, وهذه الحالة أثمرت ضياعا كان من نتيجته ظهور حالات مثل:

1- الايمو

2- البريكية

3- المثلية

هذا على مستوى فئة الأعمار الشابة , أما على فئة بقية الأعمار فتوزع التأثير على إنتاج مايلي:

1- فقدان الثقة

2- التشاؤم

3- الكآبة

4- الجشع والطمع

5- قلة الإنتاج نتيجة عدم الرغبة في العمل

والملاك الطبي جزء من المجتمع العراقي يتعرض إلى ما يتعرض له المجتمع من أمراض سلوكية وتأثيرات نفسية واقتصادية، فنحن أمام حالة اجتماعية تشكل ظاهرة مرضية تحتاج الى مواجهة عقلانية  ادواتها المعرفة أولا مع ما يقتضيه الحسم كرادع لابد منه في الحالات الضرورية.

وما يقوم به القضاء اليوم من إصدار عقوبات رادعة بحق بعض الملاكات الطبية التي تلبست بقضايا تسيء للمهنة وللمجتمع والدولة, ولكن هذا الردع يظل معزولا عن استكمال العلاج الإصلاحي الذي يحتاج إلى مشروع تتظافر فيه جهود جميع الحاضنات المؤثرة في المجتمع العراقي .

ومن أمثلة المظاهر السلبية للملاك الطبي في العراق اليوم وهي كثيرة والشائع منها مثل:

1- طريقة المعاينة في العيادات الخاصة للأطباء والتي أصبحت موضع تندر المرضى ومن معهم من أقاربهم مثلما هي تندر واشمئزاز الناس عموما ومن الأرقام التي تسجل في هذا الصدد :

ا‌- المبالغة باستقبال أعداد كثيرة من المرضى تصل ما فوق الخمسين مريضا وأحيانا يتجاوز العدد المائة في سويعات قليلة لا يمكن ان تكون موضع اطمئنان على سلامة سير الفحص الطبي بقواعده العلمية والأخلاقية.

ب‌- ميل اغلب الأطباء إلى معاينة المرضى بصورة جمعية “5” مثلا .

ت‌- وهذه الحالة لم تستثن منها طبيبات الولادة والنسائية

ث‌- غياب التعامل الإنساني مع المريض .

ج‌- عدم نظافة العيادة الطبية الخاصة وعدم وجود مرافق صحية في اغلبها .

ح‌- عدم مراعاة الحالة الصحية للمرضى, فعيادة طبيب العظام والكسور او طبيب الأمراض القلبية قد تكون في الطابق الرابع او الخامس مع عدم وجود المصاعد الكهربائية وان وجدت فعدم وجود الكهرباء .

2- عدم الالتزام بالضوابط العلمية والأخلاقية في لوحات التعريف باختصاص الطبيب مما يوقع المريض بخداع يروح ضحيته بحيث لم يحصل على نتيجة مرضية للشفاء بعد دفع رسوم المعاينة والمختبر والأشعة.

2- استغلال حاجة المريض للشفاء بطريقة لا أخلاقية حيث تتم على حساب المريض صفقات مابين بعض الاطباء والصيدليات والمختبرات والأشعة والسونار.

3- استغلال حاجة المريض للعمل الجراحي السريع بتوجيهه إلى المستشفيات الخاصة لجهة الانتفاع المادي .

وعندما شرعت وزارة الصحة بفتح الأجنحة الخاصة التي بدأت بنسبة 25|0 من مجموع الأسرة للتخفيف عن الضغط الذي تواجهه الردهات العامة وبسعر “50000” دينار للسرير الواحد, ولان هذه الخطوة لم تكن مدروسة جيدا لذلك تحولت إلى تسعيرة خاصة وجديدة على مستوى تسعيرة غرفة العمليات وأجور الطبيب الجراح وأجور طبيب التخدير والملاك الطبي, مما فتح فرصة امام جشع بعض الملاكات الطبية المصابة بالجشع قبل ذلك في عياداتها الخاصة كما بينا ذلك.

وهنا أصبح المريض صيدا ثمينا لأصحاب الجشع ممن تخلوا عن مبادئ المهنة الإنسانية وحولوها إلى تجارة مقززة ومقرفة بأرواح الناس لاسيما الفقراء منهم، فمثلا أجور عملية ولادة قيصرية لليلة واحدة تكلف “500000” أي نصف مليون دينار عراقي في مستشفى حكومي عمومي !

فأين سيجد المريض الفقير المحتاج للرحمة من يخفف عليه أزمته المرضية وأعباؤه المالية وهو يواجه هذا الجشع الذي يقول له لا توجد أسرة لدخولك للمستشفى الحكومي إلا الأجنحة الخاصة فيقع في مصيدة وورطة لم يحسب حاسبها ؟

وبهذا اللون من الالتفاف تحولت المستشفيات الحكومية العامة إلى مستشفيات خاصة تتقاضى أسعارا ترهق المريض العادي وتحرم المريض الفقير من تحصيل العلاج لأنه لايوجد ضابط يحمي المريض من جشع الملاك الطبي الذي تحدثنا عن سلوكيته في عياداته الخاصة.

إننا اليوم أصبحنا نقدم مستشفياتنا الحكومية العامة إلى وسيلة لجشع الجشعين ومحطة لزيادة آلام الفقراء والمحرومين من المرضى, وبذلك نكون قد خالفنا الدستور العراقي الذي اقر وثبت مجانية الصحة والتعليم , ومثلما اعتدي على مجانية التعليم بالدروس الخصوصية من وراء ظهر المؤسسة التربوية كذلك اغتيلت الخدمات الصحية المجانية في المستشفيات الحكومية أكثر من مرة, مرة بسبب جشع الملاك الطبي, ومرة بسبب سوء إدارة وتخطيط وزارة الصحة والتي لم تحسب حساب ما معنى وجود الأجنحة الخاصةأمام شهية غير محدودة للطمع والجشع الذي يتعامل به البعض من الملاك الطبي الذي أصبح يشكل أغلبية تكبل أعمال الإدارة, وتحبط كل توجه نحو الإصلاح.

إن مشروعا للخصخصة في الخدمة العلاجية على مستوى المستشفيات بلحاظ وجود مثل ما ظهر عندنا من ملاك طبي غير ملتزم بمبادئ وأخلاق المهنة الطبية وهي مهنة إنسانية عالمية احترمتها شعوب وتساهلت بحقها شعوب نصيبها من التخلف كبير ومنها شعبنا الذي يتحمل الكثير منه فساد الانتخابات وفساد الحكومة وفساد المسؤولين مثلما يتحمل فساد الملاك الطبي وتمرده على القيم وأخلاقية المهنة.ومثلما فسد مشروع الايفادات الطبية وأصبح عبئا على الإدارة والمال العام كذلك أصبحت الأجنحة الخاصة مشروعا لتحقيق طمع الطامعين وجشع الجاشعين واضطهاد المرضى وعوائلهم نتيجة غياب التخطيط والإشراف الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح وذلك هو الذي ينصف المواطن وحتى لا يبقى الوضع الصحي معرضا للتجاذبات وإهمال كما حدث في موضوع البطاقة التموينية وارتداداتها، فإن الالتفات الى الوضع الصحي في العراق هو واجب كل المخلصين, لأن إهماله يعقد الوضع السياسي والاجتماعي ويمهد لانفجارات لا تحمد عقباها.

عراقي في فرنسا !!

محمد سليم القبان، شاب من عامة الناس،سوى انه ينتمي إلى أسرة أصيلة من أثرياء بغداد، أكمل دراسته الجامعية – قسم التاريخ- بتفوق، وقرر برغبته ورغبة العائلة، نيل شهادته العليا من إحدى الجامعات الفرنسية المشهود لها بالرصانة العلمية، والسمعة العالمية، فكان له ما اراد. 

سافر القبان إلى باريس والتحق بالجامعة، وبحكم ما يتمتع به من فطنة وذكاء، زيادة على عافية الشباب، ووضع مادي مرفه وجمال لافت للنظر، فقد احتضنه مجتمع المدينة المخملي، واندمج هو في لياليه الملاح، وعقد صداقات كثيرة وعلاقات نسائية واسعة ولكنه كان متحوطا لكل شيء، حذرا من الاندفاع وراء نزواته، فلم يتماهل يوما أو يغفل عن هدفه الدراسي الذي جاء من اجله، ولم تشغله فتيات فرنسا وحريتها عن إدامة الصلة بأسرته وأقاربه وأصدقائه في العراق، يسأل عنهم، ويتقصى أخبار البلد، غير قادر على منع نفسه من البكاء أحيانا، كلما بلغه نبأ عن تفجير مأساوي حصد عشرات الشهداء هنا أو هناك. 

في بلاد الغربة تمسك القبان بعراقيته، ووضع الوطن نصب عينيه، يدافع عنه وعن ناسه وحاضره تاريخه، ولا يسمح لأحد  ان يمسه بكلمة، وهكذا كان يدخل في حوارات ومناكدات مع أصدقائه الفرنسيين، تأخذ طابع الجد مرة، والمزاح مرة أخرى، وهو في الحالتين يرد ردودا مفحمة، لأنه يمتلك من المعلومات ما يؤهله لكسب المعركة!!

حصل ذات ليلة إن القبان كان مع مجموعة أصدقاء شباب من الجنسين يحضرون حفلا اقامته إحدى زميلاتهم بمناسبة عيد ميلادها وبعد أن غنوا ورقصوا وأكلوا وشربوا وتعبوا، واخذوا قسطا من الراحة، وأبدى القبان إعجابه بنمط الحياة الفرنسية، وصدق العلاقات الإنسانية بلا رياء، وقد علق احد الشباب من باب التباهي والمزاح (طبعا.. هذه فرنسا، أنها أفضل من العراق في كل شيء) غير أن المزحة كانت ثقيلة على القبان ولذلك رد عليه (أتحداك، اذكر لي شيئا واحدا تتفوقون به علينا) قال الفرنسي وهو مازال مأخوذا بجو المزاح (برج ايفل مثلا، هل لديكم مايضاهيه؟) ولم يتأخر القبان في الرد (بالتأكيد لدينا ماهو أفضل لان ايفل تم بناؤه والعالم في قمة تطوره التكنولوجي بينما بنى العراقيون برج بابل وزقورة أور قبل الميلاد وبنوا قبل مئات السنين على انجاز ايفل، المئذنة الحدباء وملوية سامراء ومئذنة عنه ومشهد الشمس وقبة زمرد خاتون وكل واحدة منها أجمل من برجكم وأعظم هندسة واقل كلفة ) ولم يتوقف الفرنسي وقال [هل لديكم شخص موهوب عسكريا مثل نابليون بونابرت الذي حقق رقما قياسيا، ففي 6 سنوات فقط، انتقل من نقيب مغمور في الجيش إلى إمبراطور] وضحك القبان من أعماقه حتى لفتت ضحكته الحاضرين وأجاب [في العراق لدينا المئات ممن هم أسرع من نابليون، فهناك من ترقى من رتبه نائب ضباط إلى مقدم في 6 أشهر، ومن انتقل من رتبة عريف إلى عقيد في 6 أسابيع، ومن انتقل من رتبة نائب عريف إلى عميد في 6 أيام، وهناك من انتقل..] ولم يستطع إكمال عبارته فقد ضجت القاعة بالتصفيق، ورفعوا القبان فوق أكتافهم، وطلبوا من صديقهم الفرنسي  ان يعترف بخسارته وينسحب، واعترف الرجل عن طيب خاطر، ثم صافح القبان وأعرب عن أسفه الشديد لأنه يجهل وجود مثل هذه المواهب في العراق!!

فشل العقول الحالمة

(حين نحلم … أننا نحلم… عندها ستغدو اليقظة وشيكة)، بهذا المعنى- أو بشيء قريب منه- يمكن ان نتلمس طريق الأحلام التي ابتدأ بها الإنسان القديم، ليصل ونصل معه إلى كل ما تحقق الآن من تقدم وتطور طال كل مفاصل ومفردات الحياة (سوى- طبعا- مفردات البطاقة التموينية،قبل وبعد الغائها ثم عدول الحكومة عن ذلك القرار برمشة عين)، ولان موضوع الأحلام كان قد شغل كل علماء النفس وعلى مختلف مدارسهم واتجاهاتهم، فضلا عن المفسرين والسحرة من العرافين والعرافات  وقارئات وقارئي الفناجين، على طول مد البصر للنظر في قاع الفنجان، لكشف المخفي والتنبؤ بما قد يحث بالمستقبل، ولان (المستقبل هو ظل الماضي)، كما يذهب الصينيون الى ذلك، قبل وبعد بنائهم لسور الصين العظيم والذي يعد من (سوابع) عجائب الدنيا… سيبقى الحلم أو المنام لغزا محيرا رغم كل التطور الهائل الذي اجتاح العالم على مجرى ما مر به، قبل وبعد (انشتاين) الذي أجرى عبر نظرياته المذهلة تغيرا واسعا و سريعا في مجريات واقع العلم وعالم اليوم الذي استنار بواحدة من أهم نتائج بحثه هي (كلما زادت السرعة … قل الوقت)  موضحا بالدليل ودقة التجارب، أن الوقت يجري كالأنهر ويتلوى بجميع الاتجاهات، أي انه -يا جماعة الخير- يجري في كل مكان بذات الوقت وأن سرعة الضوء ثابتة دائما، وحين ينصف المنصفين عبقرية (البرت انشتاين) ويقرون بذكائه المفرط، يقول بتواضع جم: ( أنا لست ذكيا … بل فضوليا)، كما لو انه يؤكد حكمة من قال ) : بعض الرجال عظماء الى درجة لا يمكن أن تصنعهم الا أنفسهم). 

 الحلم أذن هو طاقة نفسية وقنطرة حقيقية للعبور في فحص وتفسير الشخصية ، كما انه هو من أوصل الطموحين والفضوليين بنهج الاكتشاف ووسائل العلم والتجارب التي أنتجت إرثا كبيرا ومتنوعا من نواتج هذه المنجزات فاض عن حاجة تلك الشعوب المنتجة لها،حتى شاع تصديرها بوهج حضارة وتقدم ومدنية ومال واقتصاد ضخم ومشاريع كبيرة بل عملاقة أخذت تنفذها شركات ما يطلق عليها بـ(عابرة القارات)، فيما نواصل نحن ومن يتشابه معنا في عدم السعي لتحقيق أحلامنا، من خلال التشبث بالحلم حلما مجردا، وأملا وأماني تباغتنا وتغرينا كالسراب، بسبب الغياب والفشل المتكرر في رسم الخطط والسبل القادرة على تحقيق أبسط تلك الأحلام التي أخذت تتزاحم في نفوسنا وتتدافع في عقولنا كي تكدر أرواحنا بتحولها – في الكثير من الجوانب والأحيان – كوابيس ودبابيس توخز أمالنا، مطالبة بحقيقة تحديد (مكاننا من الأعراب) بين عالم اليوم وعقوله الحالمة بالتنفيذ وقطف النجاح وعقولنا النائمة على وسائد من (وعود وعهود وأنين وآهات) كما تذهب (أم كلثوم) في رائعة أغنيتها (للصبر حدود).