الأجنحة الخاصة تطيح بالخدمة المجانية للمستشفيات الحكومية
كتبنا وكتب غيرنا عن الوضع الصحي في العراق فيما يتعلق بتفشي الأمراض الانتقالية وغير الانتقالية, وغياب المشروع الصحي بمستوى ما وصلت إليه الدول المتقدمة والدول التي في طريقها إلى التقدم.
وقلنا أكثر من مرة أن الوضع الصحي في العراق يحتاج إلى الشروع بالخصخصة لاسيما على مستوى الخدمات العلاجية في المستشفيات بعد أن ظهر جليا رداءة الخدمة داخل المستشفيات الحكومية وعجز إدارات المستشفيات عن السيطرة على تلكؤ بعض الملاك الطبي في الخدمة وتمرد البعض الآخر لمصالح شخصية نفعية على حساب المهنة الإنسانية التي قلنا عنها بأنها تحتضر في العراق بعد أن سجلت نقابة الأطباء غيابا واضحا, وانشغلت وزارة الصحة بروتين العمل الإداري الذي أصبح في العراق عموما وفي كل الوزارات ومنها وزارة الصحة مترهلا كسولا يشوه صورة الدولة التي تنفق مليارات من الدولارات على الأدوية والأجهزة والبنايات والخدمات والايفادات, والنتيجة من وراء كل ذلك نجد مرضانا أصبحوا نهبا لمكاتب السمسرة للعلاج في خارج العراق حتى أصبحت الهند مثالا على ذلك.
والسبب من وراء ذلك أولا هو الملاك الطبي والاستثناء فيما نذكر موجود ولكنه قليل ومغيب, ثم الإدارات ثانيا التي عرف اغلبها بالضعف وارتهانها لتأثيرات أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجالس المحافظات ومسؤولي الإدارة في المحافظات, وهذه جميعها من نتائج المحاصصة التي لم تكن سببا لفشل العملية السياسية فقط وإنما كانت السبب لفشل الحكومة ومؤسسات الدولة وإداراتها .
أما الملاك الطبي فله حديث آخر يتعلق بتحليل المقطع التاريخي الذي يمر به المجتمع العراقي من حيث انخفاض المستوى الأخلاقي وحدوث التنافر والتناشز الاجتماعي الذي افقد الثقة بين الأفراد وأشاع روح التذمر والضجر, وهذه الحالة أثمرت ضياعا كان من نتيجته ظهور حالات مثل:
1- الايمو
2- البريكية
3- المثلية
هذا على مستوى فئة الأعمار الشابة , أما على فئة بقية الأعمار فتوزع التأثير على إنتاج مايلي:
1- فقدان الثقة
2- التشاؤم
3- الكآبة
4- الجشع والطمع
5- قلة الإنتاج نتيجة عدم الرغبة في العمل
والملاك الطبي جزء من المجتمع العراقي يتعرض إلى ما يتعرض له المجتمع من أمراض سلوكية وتأثيرات نفسية واقتصادية، فنحن أمام حالة اجتماعية تشكل ظاهرة مرضية تحتاج الى مواجهة عقلانية ادواتها المعرفة أولا مع ما يقتضيه الحسم كرادع لابد منه في الحالات الضرورية.
وما يقوم به القضاء اليوم من إصدار عقوبات رادعة بحق بعض الملاكات الطبية التي تلبست بقضايا تسيء للمهنة وللمجتمع والدولة, ولكن هذا الردع يظل معزولا عن استكمال العلاج الإصلاحي الذي يحتاج إلى مشروع تتظافر فيه جهود جميع الحاضنات المؤثرة في المجتمع العراقي .
ومن أمثلة المظاهر السلبية للملاك الطبي في العراق اليوم وهي كثيرة والشائع منها مثل:
1- طريقة المعاينة في العيادات الخاصة للأطباء والتي أصبحت موضع تندر المرضى ومن معهم من أقاربهم مثلما هي تندر واشمئزاز الناس عموما ومن الأرقام التي تسجل في هذا الصدد :
ا- المبالغة باستقبال أعداد كثيرة من المرضى تصل ما فوق الخمسين مريضا وأحيانا يتجاوز العدد المائة في سويعات قليلة لا يمكن ان تكون موضع اطمئنان على سلامة سير الفحص الطبي بقواعده العلمية والأخلاقية.
ب- ميل اغلب الأطباء إلى معاينة المرضى بصورة جمعية “5” مثلا .
ت- وهذه الحالة لم تستثن منها طبيبات الولادة والنسائية
ث- غياب التعامل الإنساني مع المريض .
ج- عدم نظافة العيادة الطبية الخاصة وعدم وجود مرافق صحية في اغلبها .
ح- عدم مراعاة الحالة الصحية للمرضى, فعيادة طبيب العظام والكسور او طبيب الأمراض القلبية قد تكون في الطابق الرابع او الخامس مع عدم وجود المصاعد الكهربائية وان وجدت فعدم وجود الكهرباء .
2- عدم الالتزام بالضوابط العلمية والأخلاقية في لوحات التعريف باختصاص الطبيب مما يوقع المريض بخداع يروح ضحيته بحيث لم يحصل على نتيجة مرضية للشفاء بعد دفع رسوم المعاينة والمختبر والأشعة.
2- استغلال حاجة المريض للشفاء بطريقة لا أخلاقية حيث تتم على حساب المريض صفقات مابين بعض الاطباء والصيدليات والمختبرات والأشعة والسونار.
3- استغلال حاجة المريض للعمل الجراحي السريع بتوجيهه إلى المستشفيات الخاصة لجهة الانتفاع المادي .
وعندما شرعت وزارة الصحة بفتح الأجنحة الخاصة التي بدأت بنسبة 25|0 من مجموع الأسرة للتخفيف عن الضغط الذي تواجهه الردهات العامة وبسعر “50000” دينار للسرير الواحد, ولان هذه الخطوة لم تكن مدروسة جيدا لذلك تحولت إلى تسعيرة خاصة وجديدة على مستوى تسعيرة غرفة العمليات وأجور الطبيب الجراح وأجور طبيب التخدير والملاك الطبي, مما فتح فرصة امام جشع بعض الملاكات الطبية المصابة بالجشع قبل ذلك في عياداتها الخاصة كما بينا ذلك.
وهنا أصبح المريض صيدا ثمينا لأصحاب الجشع ممن تخلوا عن مبادئ المهنة الإنسانية وحولوها إلى تجارة مقززة ومقرفة بأرواح الناس لاسيما الفقراء منهم، فمثلا أجور عملية ولادة قيصرية لليلة واحدة تكلف “500000” أي نصف مليون دينار عراقي في مستشفى حكومي عمومي !
فأين سيجد المريض الفقير المحتاج للرحمة من يخفف عليه أزمته المرضية وأعباؤه المالية وهو يواجه هذا الجشع الذي يقول له لا توجد أسرة لدخولك للمستشفى الحكومي إلا الأجنحة الخاصة فيقع في مصيدة وورطة لم يحسب حاسبها ؟
وبهذا اللون من الالتفاف تحولت المستشفيات الحكومية العامة إلى مستشفيات خاصة تتقاضى أسعارا ترهق المريض العادي وتحرم المريض الفقير من تحصيل العلاج لأنه لايوجد ضابط يحمي المريض من جشع الملاك الطبي الذي تحدثنا عن سلوكيته في عياداته الخاصة.
إننا اليوم أصبحنا نقدم مستشفياتنا الحكومية العامة إلى وسيلة لجشع الجشعين ومحطة لزيادة آلام الفقراء والمحرومين من المرضى, وبذلك نكون قد خالفنا الدستور العراقي الذي اقر وثبت مجانية الصحة والتعليم , ومثلما اعتدي على مجانية التعليم بالدروس الخصوصية من وراء ظهر المؤسسة التربوية كذلك اغتيلت الخدمات الصحية المجانية في المستشفيات الحكومية أكثر من مرة, مرة بسبب جشع الملاك الطبي, ومرة بسبب سوء إدارة وتخطيط وزارة الصحة والتي لم تحسب حساب ما معنى وجود الأجنحة الخاصةأمام شهية غير محدودة للطمع والجشع الذي يتعامل به البعض من الملاك الطبي الذي أصبح يشكل أغلبية تكبل أعمال الإدارة, وتحبط كل توجه نحو الإصلاح.
إن مشروعا للخصخصة في الخدمة العلاجية على مستوى المستشفيات بلحاظ وجود مثل ما ظهر عندنا من ملاك طبي غير ملتزم بمبادئ وأخلاق المهنة الطبية وهي مهنة إنسانية عالمية احترمتها شعوب وتساهلت بحقها شعوب نصيبها من التخلف كبير ومنها شعبنا الذي يتحمل الكثير منه فساد الانتخابات وفساد الحكومة وفساد المسؤولين مثلما يتحمل فساد الملاك الطبي وتمرده على القيم وأخلاقية المهنة.ومثلما فسد مشروع الايفادات الطبية وأصبح عبئا على الإدارة والمال العام كذلك أصبحت الأجنحة الخاصة مشروعا لتحقيق طمع الطامعين وجشع الجاشعين واضطهاد المرضى وعوائلهم نتيجة غياب التخطيط والإشراف الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح وذلك هو الذي ينصف المواطن وحتى لا يبقى الوضع الصحي معرضا للتجاذبات وإهمال كما حدث في موضوع البطاقة التموينية وارتداداتها، فإن الالتفات الى الوضع الصحي في العراق هو واجب كل المخلصين, لأن إهماله يعقد الوضع السياسي والاجتماعي ويمهد لانفجارات لا تحمد عقباها.