روس بوتين وروسيا بلا بوتين

لا جدال في حق فلاديمير بوتين في فترة رئاسية ثالثة، تفصل بينها وبين الفترتين الماضيتين، فترة رئاسة ميدفيدف، كان خلالها بوتين رئيساً لروسيا، لكنه يمارس صلاحياته من موقع رئيس الوزراء، في لعبة سياسية انتخابية، أطلق عليها المحللون السياسيون لعبة تبادل الأدوار بين الرجلين، لا جدال في ذلك، طالما يضمنه الدستور الروسي، ولكن لا جدال أيضاً في حقّ شرائح واسعة من الشعب الروسي برفض هذه الهيمنة على الشخصية التي امتدت لاثني عشر عاماً على القرار الروسي، خاصة عندما يرتبط هذا الرفض بالتشكيك بنزاهة الانتخابات التي أُجريت في الرابع من كانون الأول الماضي، التي فاز فيها حزب بوتين وتمهد لفوزه الرئاسي في آذار المقبل.

معارضو بوتين يتحدّونه، كما يتحدّون موجة البرد القارس التي أودت بحياة الآلاف في أوربا، يقولون إنهم مستمرون بالاحتجاجات حتى تعاد الانتخابات التي يزعمون أن ثمة تلاعباً بنتائجها أدى إلى فوز حزب بوتين، أنه غضب شعبي من نوع آخر، غضب ديمقراطي، لا يدمر الممتلكات العامة، ولا يرفع فيه السلاح، ولا مظاهر للبلطجية والشبيحة، المافيا الروسية على الحياد، والشعارات المطروحة دقيقة وبسيطة وواضحة: «روسيا بلا بوتين» و»اعيدوا لنا الانتخابات».

الرجل الذي يصفه خصومه بـ»الحيوان السياسي» الذي يلتهم من يقف بطريقه بسهولة وتلذّذ، له مريدوه أيضاً، وهؤلاء لم يركنوا إلى الصمت وسط ضجيج المعارضين، بل نظموا مسيرات تأييد حاشدة، وسط الأجواء الجليدية أيضاً، هم روس أيضاً، لكنهم روس بوتين الذين يرون فيه بطلاً قومياً من نوع آخر، بطلاً، أعاد لروسيا مكانتها العالمية، واستعاد أمجاد القياصرة والشيوعيين على حدٍّ سواء، هؤلاء يذكرون أولئك بسلبية بوريس يلتسين الذي أصبحت روسيا في عهده، مجرد شجرة يابسة في القرية الكونية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها في تسلسل التأثير الدولي، الصين واليابان والهند. هذا استثناء واضح كما ترون لأوربا، ربما بفعل تبعية حلف الناتو لواشنطن أيضاً، أليست القوة هي من يقرر حجم الحقّ؟ دعونا نتذكر وسط ضجيج الجليد الروسي قول شاعرنا المنسي بلند الحيدري «الملكُ أساسُ العدلِ، أنْ تُملُكَ سكّيناً، تملكُ حقّك في قتلي». 

هل هو استقراء مبكر لعالم القطب الواحد وحقبة الحرب الباردة؟ لكن من قال أن الحرب الباردة وضعت أوزارها؟.

بوتين عائد للكرملين في الرابع من آذار المقبل، وسط احتجاجات لم تكن متصورة قبل أشهر عديدة، قد تكون عودته متضرّرة بفعل حجم الاحتجاجات التي سبقتها، بل قد تكون الاحتجاجات مصاحبة أيضاً لعودته، في هذه الحالة سيزداد التهديد الذي تواجهه شرعية بوتين حتى رغم أن المعارضة ليست سوى جماعات متّحدة بشكل فضفاض وتضم مجموعات مختلفة مثل القوميين واليساريين والليبراليين وأنصار البيئة، لكن درجة الحرارة التي رافقت المحتجين والتي وصلت إلى 22 درجة تحت الصفر، تشي بسخونة القادم من شكل الاحتجاجات.

«نحن نواجه نضالاً صعباً طويلاً ضد أوغاد ولصوص قساة. إنّه ماراثون يتعين علينا كسبه»، هكذا يصرخ السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، لكن مناصري بوتين يصرخون أيضاً، إنه رجل المرحلة، دعوه يعمل، دعوه يمر.

لا أكـذب… ولا أتجمل

 بدءا أقر وأعترف بأن عنوان هذا المقال ليس له علاقة برواية الراحل إحسان عبد القدوس (أنا لا أكذب،، ولكني أتجمل) ذلك الكاتب الذي ناصر قضية (حواء) بالوقوف الى جانبها في السراء والضراء وبالضد من حبيب الروح (آدم) الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته كما يقول المثل المصري، على حد كثرة تكراره في المسلسلات والافلام العربية،، بحيث أضحى ينطبق كثيرا على حياة أخوتنا في مصر الكنانة،، بعد اطاحتهم الحقيقية والمباركة بتنحي مبارك،، وكم تبدو أثار تلك الحقيقة واضحة -ايضا- بوضوح عبارة (حرب الجميع ضد الجميع) التي تختصر واقع مجريات الربيع العربي منذ إندلاع شرارة موجة الغضب الأولى-قبل عام تقريبا- في تونس الخضراء بان حرق ( بائع الخضار-محمد البوعزيزي-) نفسه تحت وطأة الاحساس الطاغي بالظلم ولعنة الحاجة التي دفعت به للإقدام على الانتحار بأن شعل (صعادات) ثورات غضب عارمة في سموات وساحات ميادين التحرير،، رغم أن تلك الدول كانت حبلى بروح رفضها للواقع الذي كانت تحياه منذ عقود ووعود وكلام معسول وعهود كما يرد في أغنية أم كلثوم (للصبر حدود).

 وبعد ما حدث عقب انقلابات تسمى ثورات رتبت أوضاعها أول الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) وأخوته (اليوتويب – وتويتر) وسرعان ما تحولت الى أعمال عنف وقذف وحذف من قوائم الموجود على كراسي الحكم ومناصب السلطة وسرقات وملفات فساد وتفاقمت الأحوال الى قاتل ومقتول وتتدخل من تتدخل وتغلغل من تغلغل في تغيير مسارات وشكل ولون وطعم تلك الثورات قبل اللجوء الى القانون في حل وحسم القضايا لصالح مستقبل أفضل،، يبشر ويؤمن لحياة تستحق هذا النضال الذي ستبقى الشعوب العربية  تدور حوله ولا تصل اليه،، لأنها لم تزل غير قادرة على نقد ماضيها بروح الصراحة والابتعاد عن المجاملة وتصديق الأكاذيب التي تطلقها الأنظمة حال تسلم مقود السلطة،، لتتخلى عن وعودها وعهودها في أنسب لحظات الهروب بالتسويغ والتدويخ والتغليس حين تتفنن بوضع أغلى مساحيق التجميل الزائف بوطنية مدهونة بمراهم ومرطبات ومنعشات بشرة الحرص الأمثل الذي يتحول – بمرور الوقت والزمن- الى كدمات وندب وأورام في وجوه وقلوب وضمائرالجماهير،، بل الموت -أحيانا- أن تجاسرت وطالبت  بأبسط حقوقها،، والأمثلة كثيرة على صحة ما  نصبو ونريد،، منها القريب ومنها البعيد،، ولكي لا نزيد نفخا في قربة مثقوبة خشية ان نموت قهرا وحسرة من تكرار ما مر ويمر على بعض الدول التي غمرتها نسائم (الدنيا ربيع.. والجو بديع) سنقفل على كل (المواضيع) بمثل أفريقي يقول: ( إذا أتحد أفراد القطيع،، نائم الأسد جائعا)  مو صح.. يا جماعة الخير؟! 

المنســــيات.. البـــطالــة اولا !!

في مجريات التدافع الحاصل في الحكم وفي العملية السياسية في العراق تطفو على سطح الأحداث مسائل لا تعتبر هما شعبيا وما لا يعتبر هما شعبيا في حكومة جاءت عبر عملية انتخابية يسلب منها مصداقيتها التمثيلية، وما لا يعتبر هما شعبيا عند أحزاب السلطة يسقط مدعياتها في العلاقة بالمواطنين الذين يشكلون القاعدة الشعبية التي تعتمل فيها مشاعر الرضا والسخط. 

ومن المظاهر التي تطفو على سطح الأحداث هي:-

1- الخلافات الحزبية.

2- الخلافات الحكومية.

3- الخلافات النيابية.

4- الخلافات مع دول الجوار.

5- الخلافات بين مجالس المحافظات.

أما الحالات المنسية وهي حاجات أساسية تلامس الواقع المعيشي للمواطنين فهي مغيبة حد النسيان وهي: 

1- البطالة ولاسيما بطالة الخريجين.

2- الزراعة ومسائلها.

3- الصناعة وشؤونها.

4- ظاهرة الفقر والعوز وتدني الدخول.

5- ظاهرة الأيتام.

6- ظاهرة الأرامل.

7- ظاهرة تدهور البنية التحتية.

8- ظاهرة عدم احترام المواطن من قبل دوائر الدولة.

9- ظاهرة استمرار سرقات المشاريع.

10- ظاهرة استمرار المحاصصة.

11- استمرار وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب.

12- استمرار المخالفات الدستورية.

هذه القضايا على حساسيتها وخطورتها إلا أنها تبدو في المشهد السياسي والحكومي جزءا منه، منسية، وهناك تعمد على نسيانها لمصالح حزبية وفئوية، ومن اهم تلك القضايا: “قضية البطالة” والبطالة في العراق اليوم تنقسم الى:-

1- بطالة حقيقية: وهي عدم وجود عمل يساهم في عجلة الإنتاج وهي على قسمين:-

ا‌- بطالة الخريجين.

ب‌- بطالة غير الخريجين.

2- بطالة غير حقيقية “مقنعة” وهي بطالة الفئات التالية:

ا‌- بطالة اغلب الموظفين ولها أسباب:-

1- نتيجة التخمة الوظيفية.

2- نتيجة الفوضى الإدارية.

3- نتيجة فقدان التخطيط في دوائر الدولة للقوى العاملة.

4- نتيجة ضعف المسؤولين عن الإدارة.

5- نتيجة تدني منظومة القيم في الشخصية.

ب‌- بطالة اغلب الفلاحين في القطاع الزراعي.

ت‌- بطالة اغلب أصحاب المهن الأهلية.

وللبطالة تأثيرات منها:-

1- آثار نفسية.

2- آثار اقتصادية.

3- آثار اجتماعية وتنعكس على:-

1- الأسرة نتيجة الضيق المالي وعدم القدرة على تلبية المطالب الحياتية .

2- كثرة المشاكل والمعاكسات والمشاكسات من قبل الشباب الذي يعاني من البطالة وهي ترجع للأسباب النفسية.

3- تدني مستوى النمو الاسري والاجتماعي الذي يعاني من البطالة.

4- تدني المستوى الثقافي : لان من لايجد علا يدر عليه رزقا لايستطيع الحصول على الكتاب والمجلة والجريدة او الكومبيوتر والانترنيت .

5- اثار سياسية : فكثرة البطالة تنعكس على الحياة السياسية من حكومية وحزبية ومنظمات وهيئات، فتجد نفسها غير قادرة على تلبية مطالب البطالة بشكل قانوني فتبدا لدى البعض طرقا واساليبا فيها الكثير من الالتواء مما يجعل الوضع السياسي مملوءا بالكثير من الشوائب .

اما الاثار النفسية للبطالة فهي :-

1- تحرك مشاعر الغيرة تجاه العاملين .

2- تحرك مشاعر الحسد تجاه الآخرين.

3- تحرك وتنمي مشاعر الحقد والكراهية تجاه المجتمع .

4- تكون مصدرا للإحباط والكآبة.

5- تكون مصدرا للتوتر والقلق وعدم الاستقرار. 

أما الآثار الاقتصادية فهي:-

1- تدني مستوى دخل الافراد والاسر الذين يعانون البطالة.

2- تدني مستوى الدخول الوطنية للمجتمع. .

3- تواجه الدولة ضغطا مستمرا من رعاياها نتيجة الحاجة الاقتصادية.

4- تدني مستوى النمو المصرفي في قطاع البنوك. 

5- تدني مستويات القدرة على الاستثمار. 

ومن ملاحظة تعدد اثار البطالة، نعلم ونعرف خطورة هذه الظاهرة ولماذا تتحول الى مرض اجتماعي تسعى الدول والشعوب للتخلص منها او التخفيف من اثارها، ومن الملفت للنظر انه بعد تسع سنوات من التغيير لم تبدا عندنا مشاريع حقيقية للاستثمار مثل:-

1- معامل صغيرة للمعلبات في المحافظات وموادها الاولية متوفرة في العراق مثل :-

ا‌- معلبات معجون الطماطة.

ب‌- معلبات الأسماك.

ت‌- معلبات اللحوم.

ث‌- معلبات العصائر المختلفة

ج‌- مصانع المناديل الصحية “كلينس”.

ح‌- مصانع الألبان والحليب. 

خ‌- مصانع الثلج الصحي. 

د‌- مصانع المشروبات الغازية.

ذ‌- مصانع تكرير وتعقيم المياه. 

ر‌- مصانع بلاستيكية.

هذه وغيرها مما لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة كان بالإمكان المبادرة لإنشائها لامتصاص الأيدي العاملة من الخريجين وغيرهم مما يجعل البطالة في الحد الأدنى ان لم نقل تتلاشى.

شرف المهنة!

في عام يعود الى النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، تلقيت دعوة من مدير عام التربية لمرافقته مع وفد كبير من الإدارات المدرسية، وذلك لزيارة احدى المدارس، وكان الهدف – كما اخبرني عند لقائي الشخصي معه – ان هذه المدرسة يقودها مدير مخضرم وقدير، استطاع تحويل مدرسته الى مؤسسة نموذجية، وخاصة في مجال الاعمار والترميم والصيانة، وتقارير المشرفين التربويين جميعها تشيد بجهوده الشخصية وسياسته الحكيمة وقيادته الناجحة، ولهذا رأيت أن نقوم بهذه الجولة لزيارته، والتعرف على انجازاته، والأهم هو  (نقل تجربته الرائدة الى المدراء الآخرين الذين تم تعيينهم حديثا، وما زالوا قليلي الخبرة) ، وتحدث الرجل حديثا مملا بالمعنى نفسه، ثم وصل الى النقطة الرئيسة التي دعاني من اجلها (وأنت طبعا من الإعلاميين الكبار الذين احترم قلمهم، ومقالاتك مقروءة، ولذلك حرصت على ان تكون معنا، وترى بنفسك، وتكتب ما يمليه عليه ضميرك، ولعل ما ذكرته هنا لا يساوي عشر ما تكلم به المدير من إطراء ومديح، وطلب مني أخيرا بما يشبه الرجاء أن اكتب (تحقيقا دسما) على حد تعبيره حول فعالية مديريته وسعيها الدؤوب لتبادل الخبرات ونقل التجارب ويبدو انه نسي حكاية ما يمليه عليه ضميري!!

الحقيقة لم أعر بالا لتلك المحاضرة التي اعتدت على سماع الكثير منها، اينما اجريت تحقيقات صحفية في دوائر الدولة، ولكن الذي استرعى اهتمامي، هي الفترة الأخيرة (وبالتأكيد سوف لن أنسى تعاونك معنا بعد نشر التحقيق، أما الان فأرجو قبول هذه الهدية المتواضعة مقدما!!) ، وكانت الهدية (50) الف دينار، وهو مبلغ يعادل خمسة اضعاف راتبي في الجريدة!

كان قلبي يخفق وأنا اعتذر عن قبول الهدية، واقسمت بشرف المهنة على رفضها، ولكن الرجل سبقني في اليمين بشرفه، وشرف المسؤول لديه حصانة، وجل ما كنت اخشاه في تلك اللحظات العصيبة، ان يصدق الرجل قسمي الكاذب، وهكذا مرت المحنة بسلام، ووضعت المبلغ في جيبي على استحياء مفتعل، وفي الوقت المحدد للجولة، انطلق موكبنا، وقمنا بزيارة المدرسة ومديرها الذي تفاجأ بنا، ولكن مفاجأتنا كانت اعظم، فلم نقف على باب أو سياج أو شباك أو ساحة أو ارضية، إلا وقد عاشرها التعب، وطلب منه مدير التربية وهو ممتعض من الصورة المزرية أن يتحدث عن تجربته، وأشهد ان مدير المدرسة كان رجلا شجاعا وصريحا، فقد قال ما معناه (لقد أبلغت السادة المشرفين التربويين بمعاناة المدرسة وحاجتها الى ترميم السقف وطلاء الجدران وتصليح الرحلات والزجاج ، ورفعت الى مديرية التربية تسعة كتب رسمية، ولكن احدا لم يستجب، ولهذا قمت والله العظيم بتصليح حنفيات الماء من جيبي) ثم ختم حديثه، (أنا أعتذر إذا كانت تجربة مدرستنا مخجلة، ولكن هذا هو واقع الحال) ، وعلى عجل أنهى مدير التربية الزيارة، وهو في قمة الاحباط ، وفي اليوم الثاني استدعاني بصورة شخصية كذلك، وقدم لي هدية جديدة مقدارها (75) الف دينار، فأعتذرت وقلت له (التحقيق لم يكتب ولم ينشر إلى الان) ابتسم الرجل بلطف ورّد عليّ: هذا المبلغ يا صديقي الإعلامي، لكي تتخلى نهائيا عن فكرة كتابته ونشره، ولابد إن مبلغ (152) ألف دينار في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي  كانت أهم بكثير من شرف المهنة!! تنويه: الحياة تعج بحكايات مماثلة لهذه التجربة، والكاتب غير مسؤول عن أي تشابه قد يحصل من باب المصادفة، لذا اقتضت الإشارة!!

مصر.. بين الانتقالية والانتقائية والانتقامية

من هو المسؤول عن تخريب مصر إلى هذا الحد؟؟, ومن الذي كتب سيناريوهات المواجهات المسلحة في ملاعب بورسعيد؟, وما ذنب بورسعيد حتى تتحمل وحدها نتائج العنف والشغب وتتلقى العقوبات من غير ذنب؟, وهل الأصابع الخارجية هي الشماعة الجاهزة لتبرير الصراع السياسي الداخلي؟, وإذا كان الأمر كذلك فما هو دور المشير طنطاوي وجنوده في التصدي للمؤامرة؟, وهل القوى الداخلية المختبئة هي التي تلعب بالنار وتثير الغبار؟, وإذا كان عناصر الشرطة هم الذين تعرضوا للضرب بالذخيرة الحية فمن هو الذي كان يمسك السلاح ويطلق النار على الجيش والشرطة, ويرتكب المجازر الانتقائية ثم يختفي في رابعة النهار من غير أثر؟. وهل القوى الخفية التي تعمل في السر, هي الذراع الانتقامي للخلايا النائمة التي تعمل لحساب ورثة الرئيس المخلوع؟.

 كان الصراع الشعبي في مصر يغلي في قدور الطوائف المتناطحة, حتى فاحت روائحه بين الأقباط والمسلمين, ثم انتقل الصراع ليغلي في قدور الشعب والبلطجية, وجاءت واقعة الجمل لترسم صورة بشعة للصراع بين السلطة المنهارة والجماهير المحتارة, ثم اندلعت الاشتباكات المسلحة في ملاعب بورسعيد, التي لم تعد تشعر بالسعادة, وربما ينتقل الصراع ليتفجر في جبهات التجمعات السكانية بين (الصعيد) و(دمياط), أو بين (وجه قبلي), و(وجه بحري)..

 ارتبط (الإخوان) برابطة الإخوة والتآخي مع العم طنطاوي ومجلسه العسكري, وعقدوا العزم على ترتيب إجراءات المرحلة الانتقالية, في حين راحت بعض العناصر المسلحة تعد العدة لخوض المرحلة التعبوية الانتقامية, فتأرجحت (الانتقائية) بين (الانتقالية), و(الانتقامية), وباتت هي الكابوس الجاثم على صدور الناس في مصر, وهي الخيار المتاح لطنطاوي و(أخوانه) في التعامل المريب مع الشعب, فهم يتحدثون بلسان طليق عن المرحلة الانتقالية, لكنهم سرعان ما يلجئون إلى استخدام العصا الغليظة والتلويح بها للانتقام من القوى المعارضة, ثم يعودون لانتقاء الحلول الترقيعية التوفيقية المتوافقة مع متطلبات التسويف والمماطلة.

يقول المثل المصري: (اسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب), فلطالما تحدث المجلس العسكري عن اختزال إجراءات المرحلة الانتقالية, لكنه يميل في الوقت نفسه الى التنفيس عن هواياته المفضلة في ممارسة البطش والتنكيل والتعسف, فوقع على رأسه في تناقض عجيب بين التشدق في الأقوال والتطرف في الأفعال, وبين التسويف والتخويف, فبين هذا وذاك تقبع الرغبات المكبوتة, وتكمن المخططات المدروسة, وربما يتزعم العم طنطاوي حركة (حراس المحروسة) فيضع البلاد والعباد تحت رحمة العسكر, ويسقي الجنود من رحيق الخلود, ويبقى الحال على ما هو عليه, وكأنك يا أبو زيد لا رحت ولا جيت, فيتمدد حكم الجيش, وتعود الأمور الى سابق عهدها. وتستمر عجلة التوريث من اللواء محمد نجيب الى المشير طنطاوي, مرورا بكل القادة من صنف المشاة وسلاح الجو والبحرية, فلا مكان للديمقراطية في أصحاب العقول المشفرة, الذين تدربوا على إصدار الأوامر المشددة, وحرصوا على تنفيذها بالقوة, وآمنوا بتطبيق منطق التفوق العسكري على عدالة الحكم المدني, ومكانك سر, إلى الوراء در, فلن يتنازل المجلس العسكري عن سلطته بهذه البساطة حتى يضمن سيادته الدستورية, ويستحوذ على حصة الأسد من ميراث المحروسة.

 وحتى يتحقق حلم الجنرال أبو العباس السفاح, ويتحكم برقاب الناس, تبقى الفرصة متاحة لأحباب الزعيم المخلوع لكي يفتعلوا الأزمات, ويشنوا الغارات وسط الحشود الجماهيرية المتجمعة في الملاعب والمصانع والساحات.

لا أمل لمصر المحروسة إلا بعودة الجيش إلى ثكناته, وإلا بتخليهم عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية منتخبة, غير متطرفة, ولا متعصبة, ولا متشنجة, ولا متحيزة. وإلا باللجوء إلى المحاكم العرفية لمحاسبة المجرمين والقتلة على وجه السرعة, ومن دون تأخير ولا تأجيل ولا مماطلة, وإلا بفرض الإقامة الجبرية على العمة (سوزان), ووضع القيود على نشاطاتها المريبة, وإلا بتبني قواعد صارمة تحد من تحركاتها, وتكبح رغباتها الموتورة, وتردع تطلعاتها الانتقامية المسعورة.

وبخلاف ذلك سنشاهد المزيد من الأحداث الدامية, وستستمر مصر بالتأرجح بين الأوضاع الانتقالية والانتقائية والانتقامية… 

والله يستر من الجايات. 

روس بوتين وروسيا بلا بوتين

لا جدال في حق فلاديمير بوتين في فترة رئاسية ثالثة، تفصل بينها وبين الفترتين الماضيتين، فترة رئاسة ميدفيدف، كان خلالها بوتين رئيساً لروسيا، لكنه يمارس صلاحياته من موقع رئيس الوزراء، في لعبة سياسية انتخابية، أطلق عليها المحللون السياسيون لعبة تبادل الأدوار بين الرجلين، لا جدال في ذلك، طالما يضمنه الدستور الروسي، ولكن لا جدال أيضاً في حقّ شرائح واسعة من الشعب الروسي برفض هذه الهيمنة على الشخصية التي امتدت لاثني عشر عاماً على القرار الروسي، خاصة عندما يرتبط هذا الرفض بالتشكيك بنزاهة الانتخابات التي أُجريت في الرابع من كانون الأول الماضي، التي فاز فيها حزب بوتين وتمهد لفوزه الرئاسي في آذار المقبل.

معارضو بوتين يتحدّونه، كما يتحدّون موجة البرد القارس التي أودت بحياة الآلاف في أوربا، يقولون إنهم مستمرون بالاحتجاجات حتى تعاد الانتخابات التي يزعمون أن ثمة تلاعباً بنتائجها أدى إلى فوز حزب بوتين، أنه غضب شعبي من نوع آخر، غضب ديمقراطي، لا يدمر الممتلكات العامة، ولا يرفع فيه السلاح، ولا مظاهر للبلطجية والشبيحة، المافيا الروسية على الحياد، والشعارات المطروحة دقيقة وبسيطة وواضحة: «روسيا بلا بوتين» و»اعيدوا لنا الانتخابات».

الرجل الذي يصفه خصومه بـ»الحيوان السياسي» الذي يلتهم من يقف بطريقه بسهولة وتلذّذ، له مريدوه أيضاً، وهؤلاء لم يركنوا إلى الصمت وسط ضجيج المعارضين، بل نظموا مسيرات تأييد حاشدة، وسط الأجواء الجليدية أيضاً، هم روس أيضاً، لكنهم روس بوتين الذين يرون فيه بطلاً قومياً من نوع آخر، بطلاً، أعاد لروسيا مكانتها العالمية، واستعاد أمجاد القياصرة والشيوعيين على حدٍّ سواء، هؤلاء يذكرون أولئك بسلبية بوريس يلتسين الذي أصبحت روسيا في عهده، مجرد شجرة يابسة في القرية الكونية التي تتزعمها الولايات المتحدة الأميركية، تتبعها في تسلسل التأثير الدولي، الصين واليابان والهند. هذا استثناء واضح كما ترون لأوربا، ربما بفعل تبعية حلف الناتو لواشنطن أيضاً، أليست القوة هي من يقرر حجم الحقّ؟ دعونا نتذكر وسط ضجيج الجليد الروسي قول شاعرنا المنسي بلند الحيدري «الملكُ أساسُ العدلِ، أنْ تُملُكَ سكّيناً، تملكُ حقّك في قتلي». 

هل هو استقراء مبكر لعالم القطب الواحد وحقبة الحرب الباردة؟ لكن من قال أن الحرب الباردة وضعت أوزارها؟.

بوتين عائد للكرملين في الرابع من آذار المقبل، وسط احتجاجات لم تكن متصورة قبل أشهر عديدة، قد تكون عودته متضرّرة بفعل حجم الاحتجاجات التي سبقتها، بل قد تكون الاحتجاجات مصاحبة أيضاً لعودته، في هذه الحالة سيزداد التهديد الذي تواجهه شرعية بوتين حتى رغم أن المعارضة ليست سوى جماعات متّحدة بشكل فضفاض وتضم مجموعات مختلفة مثل القوميين واليساريين والليبراليين وأنصار البيئة، لكن درجة الحرارة التي رافقت المحتجين والتي وصلت إلى 22 درجة تحت الصفر، تشي بسخونة القادم من شكل الاحتجاجات.

«نحن نواجه نضالاً صعباً طويلاً ضد أوغاد ولصوص قساة. إنّه ماراثون يتعين علينا كسبه»، هكذا يصرخ السياسي المعارض بوريس نيمتسوف، لكن مناصري بوتين يصرخون أيضاً، إنه رجل المرحلة، دعوه يعمل، دعوه يمر.

لا أكـذب… ولا أتجمل

 بدءا أقر وأعترف بأن عنوان هذا المقال ليس له علاقة برواية الراحل إحسان عبد القدوس (أنا لا أكذب،، ولكني أتجمل) ذلك الكاتب الذي ناصر قضية (حواء) بالوقوف الى جانبها في السراء والضراء وبالضد من حبيب الروح (آدم) الذي يقتل القتيل ويمشي في جنازته كما يقول المثل المصري، على حد كثرة تكراره في المسلسلات والافلام العربية،، بحيث أضحى ينطبق كثيرا على حياة أخوتنا في مصر الكنانة،، بعد اطاحتهم الحقيقية والمباركة بتنحي مبارك،، وكم تبدو أثار تلك الحقيقة واضحة -ايضا- بوضوح عبارة (حرب الجميع ضد الجميع) التي تختصر واقع مجريات الربيع العربي منذ إندلاع شرارة موجة الغضب الأولى-قبل عام تقريبا- في تونس الخضراء بان حرق ( بائع الخضار-محمد البوعزيزي-) نفسه تحت وطأة الاحساس الطاغي بالظلم ولعنة الحاجة التي دفعت به للإقدام على الانتحار بأن شعل (صعادات) ثورات غضب عارمة في سموات وساحات ميادين التحرير،، رغم أن تلك الدول كانت حبلى بروح رفضها للواقع الذي كانت تحياه منذ عقود ووعود وكلام معسول وعهود كما يرد في أغنية أم كلثوم (للصبر حدود).

 وبعد ما حدث عقب انقلابات تسمى ثورات رتبت أوضاعها أول الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) وأخوته (اليوتويب – وتويتر) وسرعان ما تحولت الى أعمال عنف وقذف وحذف من قوائم الموجود على كراسي الحكم ومناصب السلطة وسرقات وملفات فساد وتفاقمت الأحوال الى قاتل ومقتول وتتدخل من تتدخل وتغلغل من تغلغل في تغيير مسارات وشكل ولون وطعم تلك الثورات قبل اللجوء الى القانون في حل وحسم القضايا لصالح مستقبل أفضل،، يبشر ويؤمن لحياة تستحق هذا النضال الذي ستبقى الشعوب العربية  تدور حوله ولا تصل اليه،، لأنها لم تزل غير قادرة على نقد ماضيها بروح الصراحة والابتعاد عن المجاملة وتصديق الأكاذيب التي تطلقها الأنظمة حال تسلم مقود السلطة،، لتتخلى عن وعودها وعهودها في أنسب لحظات الهروب بالتسويغ والتدويخ والتغليس حين تتفنن بوضع أغلى مساحيق التجميل الزائف بوطنية مدهونة بمراهم ومرطبات ومنعشات بشرة الحرص الأمثل الذي يتحول – بمرور الوقت والزمن- الى كدمات وندب وأورام في وجوه وقلوب وضمائرالجماهير،، بل الموت -أحيانا- أن تجاسرت وطالبت  بأبسط حقوقها،، والأمثلة كثيرة على صحة ما  نصبو ونريد،، منها القريب ومنها البعيد،، ولكي لا نزيد نفخا في قربة مثقوبة خشية ان نموت قهرا وحسرة من تكرار ما مر ويمر على بعض الدول التي غمرتها نسائم (الدنيا ربيع.. والجو بديع) سنقفل على كل (المواضيع) بمثل أفريقي يقول: ( إذا أتحد أفراد القطيع،، نائم الأسد جائعا)  مو صح.. يا جماعة الخير؟! 

المنســــيات.. البـــطالــة اولا !!

في مجريات التدافع الحاصل في الحكم وفي العملية السياسية في العراق تطفو على سطح الأحداث مسائل لا تعتبر هما شعبيا وما لا يعتبر هما شعبيا في حكومة جاءت عبر عملية انتخابية يسلب منها مصداقيتها التمثيلية، وما لا يعتبر هما شعبيا عند أحزاب السلطة يسقط مدعياتها في العلاقة بالمواطنين الذين يشكلون القاعدة الشعبية التي تعتمل فيها مشاعر الرضا والسخط. 

ومن المظاهر التي تطفو على سطح الأحداث هي:-

1- الخلافات الحزبية.

2- الخلافات الحكومية.

3- الخلافات النيابية.

4- الخلافات مع دول الجوار.

5- الخلافات بين مجالس المحافظات.

أما الحالات المنسية وهي حاجات أساسية تلامس الواقع المعيشي للمواطنين فهي مغيبة حد النسيان وهي: 

1- البطالة ولاسيما بطالة الخريجين.

2- الزراعة ومسائلها.

3- الصناعة وشؤونها.

4- ظاهرة الفقر والعوز وتدني الدخول.

5- ظاهرة الأيتام.

6- ظاهرة الأرامل.

7- ظاهرة تدهور البنية التحتية.

8- ظاهرة عدم احترام المواطن من قبل دوائر الدولة.

9- ظاهرة استمرار سرقات المشاريع.

10- ظاهرة استمرار المحاصصة.

11- استمرار وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب.

12- استمرار المخالفات الدستورية.

هذه القضايا على حساسيتها وخطورتها إلا أنها تبدو في المشهد السياسي والحكومي جزءا منه، منسية، وهناك تعمد على نسيانها لمصالح حزبية وفئوية، ومن اهم تلك القضايا: “قضية البطالة” والبطالة في العراق اليوم تنقسم الى:-

1- بطالة حقيقية: وهي عدم وجود عمل يساهم في عجلة الإنتاج وهي على قسمين:-

ا‌- بطالة الخريجين.

ب‌- بطالة غير الخريجين.

2- بطالة غير حقيقية “مقنعة” وهي بطالة الفئات التالية:

ا‌- بطالة اغلب الموظفين ولها أسباب:-

1- نتيجة التخمة الوظيفية.

2- نتيجة الفوضى الإدارية.

3- نتيجة فقدان التخطيط في دوائر الدولة للقوى العاملة.

4- نتيجة ضعف المسؤولين عن الإدارة.

5- نتيجة تدني منظومة القيم في الشخصية.

ب‌- بطالة اغلب الفلاحين في القطاع الزراعي.

ت‌- بطالة اغلب أصحاب المهن الأهلية.

وللبطالة تأثيرات منها:-

1- آثار نفسية.

2- آثار اقتصادية.

3- آثار اجتماعية وتنعكس على:-

1- الأسرة نتيجة الضيق المالي وعدم القدرة على تلبية المطالب الحياتية .

2- كثرة المشاكل والمعاكسات والمشاكسات من قبل الشباب الذي يعاني من البطالة وهي ترجع للأسباب النفسية.

3- تدني مستوى النمو الاسري والاجتماعي الذي يعاني من البطالة.

4- تدني المستوى الثقافي : لان من لايجد علا يدر عليه رزقا لايستطيع الحصول على الكتاب والمجلة والجريدة او الكومبيوتر والانترنيت .

5- اثار سياسية : فكثرة البطالة تنعكس على الحياة السياسية من حكومية وحزبية ومنظمات وهيئات، فتجد نفسها غير قادرة على تلبية مطالب البطالة بشكل قانوني فتبدا لدى البعض طرقا واساليبا فيها الكثير من الالتواء مما يجعل الوضع السياسي مملوءا بالكثير من الشوائب .

اما الاثار النفسية للبطالة فهي :-

1- تحرك مشاعر الغيرة تجاه العاملين .

2- تحرك مشاعر الحسد تجاه الآخرين.

3- تحرك وتنمي مشاعر الحقد والكراهية تجاه المجتمع .

4- تكون مصدرا للإحباط والكآبة.

5- تكون مصدرا للتوتر والقلق وعدم الاستقرار. 

أما الآثار الاقتصادية فهي:-

1- تدني مستوى دخل الافراد والاسر الذين يعانون البطالة.

2- تدني مستوى الدخول الوطنية للمجتمع. .

3- تواجه الدولة ضغطا مستمرا من رعاياها نتيجة الحاجة الاقتصادية.

4- تدني مستوى النمو المصرفي في قطاع البنوك. 

5- تدني مستويات القدرة على الاستثمار. 

ومن ملاحظة تعدد اثار البطالة، نعلم ونعرف خطورة هذه الظاهرة ولماذا تتحول الى مرض اجتماعي تسعى الدول والشعوب للتخلص منها او التخفيف من اثارها، ومن الملفت للنظر انه بعد تسع سنوات من التغيير لم تبدا عندنا مشاريع حقيقية للاستثمار مثل:-

1- معامل صغيرة للمعلبات في المحافظات وموادها الاولية متوفرة في العراق مثل :-

ا‌- معلبات معجون الطماطة.

ب‌- معلبات الأسماك.

ت‌- معلبات اللحوم.

ث‌- معلبات العصائر المختلفة

ج‌- مصانع المناديل الصحية “كلينس”.

ح‌- مصانع الألبان والحليب. 

خ‌- مصانع الثلج الصحي. 

د‌- مصانع المشروبات الغازية.

ذ‌- مصانع تكرير وتعقيم المياه. 

ر‌- مصانع بلاستيكية.

هذه وغيرها مما لا تتطلب رؤوس أموال كبيرة كان بالإمكان المبادرة لإنشائها لامتصاص الأيدي العاملة من الخريجين وغيرهم مما يجعل البطالة في الحد الأدنى ان لم نقل تتلاشى.

شرف المهنة!

في عام يعود الى النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، تلقيت دعوة من مدير عام التربية لمرافقته مع وفد كبير من الإدارات المدرسية، وذلك لزيارة احدى المدارس، وكان الهدف – كما اخبرني عند لقائي الشخصي معه – ان هذه المدرسة يقودها مدير مخضرم وقدير، استطاع تحويل مدرسته الى مؤسسة نموذجية، وخاصة في مجال الاعمار والترميم والصيانة، وتقارير المشرفين التربويين جميعها تشيد بجهوده الشخصية وسياسته الحكيمة وقيادته الناجحة، ولهذا رأيت أن نقوم بهذه الجولة لزيارته، والتعرف على انجازاته، والأهم هو  (نقل تجربته الرائدة الى المدراء الآخرين الذين تم تعيينهم حديثا، وما زالوا قليلي الخبرة) ، وتحدث الرجل حديثا مملا بالمعنى نفسه، ثم وصل الى النقطة الرئيسة التي دعاني من اجلها (وأنت طبعا من الإعلاميين الكبار الذين احترم قلمهم، ومقالاتك مقروءة، ولذلك حرصت على ان تكون معنا، وترى بنفسك، وتكتب ما يمليه عليه ضميرك، ولعل ما ذكرته هنا لا يساوي عشر ما تكلم به المدير من إطراء ومديح، وطلب مني أخيرا بما يشبه الرجاء أن اكتب (تحقيقا دسما) على حد تعبيره حول فعالية مديريته وسعيها الدؤوب لتبادل الخبرات ونقل التجارب ويبدو انه نسي حكاية ما يمليه عليه ضميري!!

الحقيقة لم أعر بالا لتلك المحاضرة التي اعتدت على سماع الكثير منها، اينما اجريت تحقيقات صحفية في دوائر الدولة، ولكن الذي استرعى اهتمامي، هي الفترة الأخيرة (وبالتأكيد سوف لن أنسى تعاونك معنا بعد نشر التحقيق، أما الان فأرجو قبول هذه الهدية المتواضعة مقدما!!) ، وكانت الهدية (50) الف دينار، وهو مبلغ يعادل خمسة اضعاف راتبي في الجريدة!

كان قلبي يخفق وأنا اعتذر عن قبول الهدية، واقسمت بشرف المهنة على رفضها، ولكن الرجل سبقني في اليمين بشرفه، وشرف المسؤول لديه حصانة، وجل ما كنت اخشاه في تلك اللحظات العصيبة، ان يصدق الرجل قسمي الكاذب، وهكذا مرت المحنة بسلام، ووضعت المبلغ في جيبي على استحياء مفتعل، وفي الوقت المحدد للجولة، انطلق موكبنا، وقمنا بزيارة المدرسة ومديرها الذي تفاجأ بنا، ولكن مفاجأتنا كانت اعظم، فلم نقف على باب أو سياج أو شباك أو ساحة أو ارضية، إلا وقد عاشرها التعب، وطلب منه مدير التربية وهو ممتعض من الصورة المزرية أن يتحدث عن تجربته، وأشهد ان مدير المدرسة كان رجلا شجاعا وصريحا، فقد قال ما معناه (لقد أبلغت السادة المشرفين التربويين بمعاناة المدرسة وحاجتها الى ترميم السقف وطلاء الجدران وتصليح الرحلات والزجاج ، ورفعت الى مديرية التربية تسعة كتب رسمية، ولكن احدا لم يستجب، ولهذا قمت والله العظيم بتصليح حنفيات الماء من جيبي) ثم ختم حديثه، (أنا أعتذر إذا كانت تجربة مدرستنا مخجلة، ولكن هذا هو واقع الحال) ، وعلى عجل أنهى مدير التربية الزيارة، وهو في قمة الاحباط ، وفي اليوم الثاني استدعاني بصورة شخصية كذلك، وقدم لي هدية جديدة مقدارها (75) الف دينار، فأعتذرت وقلت له (التحقيق لم يكتب ولم ينشر إلى الان) ابتسم الرجل بلطف ورّد عليّ: هذا المبلغ يا صديقي الإعلامي، لكي تتخلى نهائيا عن فكرة كتابته ونشره، ولابد إن مبلغ (152) ألف دينار في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي  كانت أهم بكثير من شرف المهنة!! تنويه: الحياة تعج بحكايات مماثلة لهذه التجربة، والكاتب غير مسؤول عن أي تشابه قد يحصل من باب المصادفة، لذا اقتضت الإشارة!!

مصر.. بين الانتقالية والانتقائية والانتقامية

من هو المسؤول عن تخريب مصر إلى هذا الحد؟؟, ومن الذي كتب سيناريوهات المواجهات المسلحة في ملاعب بورسعيد؟, وما ذنب بورسعيد حتى تتحمل وحدها نتائج العنف والشغب وتتلقى العقوبات من غير ذنب؟, وهل الأصابع الخارجية هي الشماعة الجاهزة لتبرير الصراع السياسي الداخلي؟, وإذا كان الأمر كذلك فما هو دور المشير طنطاوي وجنوده في التصدي للمؤامرة؟, وهل القوى الداخلية المختبئة هي التي تلعب بالنار وتثير الغبار؟, وإذا كان عناصر الشرطة هم الذين تعرضوا للضرب بالذخيرة الحية فمن هو الذي كان يمسك السلاح ويطلق النار على الجيش والشرطة, ويرتكب المجازر الانتقائية ثم يختفي في رابعة النهار من غير أثر؟. وهل القوى الخفية التي تعمل في السر, هي الذراع الانتقامي للخلايا النائمة التي تعمل لحساب ورثة الرئيس المخلوع؟.

 كان الصراع الشعبي في مصر يغلي في قدور الطوائف المتناطحة, حتى فاحت روائحه بين الأقباط والمسلمين, ثم انتقل الصراع ليغلي في قدور الشعب والبلطجية, وجاءت واقعة الجمل لترسم صورة بشعة للصراع بين السلطة المنهارة والجماهير المحتارة, ثم اندلعت الاشتباكات المسلحة في ملاعب بورسعيد, التي لم تعد تشعر بالسعادة, وربما ينتقل الصراع ليتفجر في جبهات التجمعات السكانية بين (الصعيد) و(دمياط), أو بين (وجه قبلي), و(وجه بحري)..

 ارتبط (الإخوان) برابطة الإخوة والتآخي مع العم طنطاوي ومجلسه العسكري, وعقدوا العزم على ترتيب إجراءات المرحلة الانتقالية, في حين راحت بعض العناصر المسلحة تعد العدة لخوض المرحلة التعبوية الانتقامية, فتأرجحت (الانتقائية) بين (الانتقالية), و(الانتقامية), وباتت هي الكابوس الجاثم على صدور الناس في مصر, وهي الخيار المتاح لطنطاوي و(أخوانه) في التعامل المريب مع الشعب, فهم يتحدثون بلسان طليق عن المرحلة الانتقالية, لكنهم سرعان ما يلجئون إلى استخدام العصا الغليظة والتلويح بها للانتقام من القوى المعارضة, ثم يعودون لانتقاء الحلول الترقيعية التوفيقية المتوافقة مع متطلبات التسويف والمماطلة.

يقول المثل المصري: (اسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك استعجب), فلطالما تحدث المجلس العسكري عن اختزال إجراءات المرحلة الانتقالية, لكنه يميل في الوقت نفسه الى التنفيس عن هواياته المفضلة في ممارسة البطش والتنكيل والتعسف, فوقع على رأسه في تناقض عجيب بين التشدق في الأقوال والتطرف في الأفعال, وبين التسويف والتخويف, فبين هذا وذاك تقبع الرغبات المكبوتة, وتكمن المخططات المدروسة, وربما يتزعم العم طنطاوي حركة (حراس المحروسة) فيضع البلاد والعباد تحت رحمة العسكر, ويسقي الجنود من رحيق الخلود, ويبقى الحال على ما هو عليه, وكأنك يا أبو زيد لا رحت ولا جيت, فيتمدد حكم الجيش, وتعود الأمور الى سابق عهدها. وتستمر عجلة التوريث من اللواء محمد نجيب الى المشير طنطاوي, مرورا بكل القادة من صنف المشاة وسلاح الجو والبحرية, فلا مكان للديمقراطية في أصحاب العقول المشفرة, الذين تدربوا على إصدار الأوامر المشددة, وحرصوا على تنفيذها بالقوة, وآمنوا بتطبيق منطق التفوق العسكري على عدالة الحكم المدني, ومكانك سر, إلى الوراء در, فلن يتنازل المجلس العسكري عن سلطته بهذه البساطة حتى يضمن سيادته الدستورية, ويستحوذ على حصة الأسد من ميراث المحروسة.

 وحتى يتحقق حلم الجنرال أبو العباس السفاح, ويتحكم برقاب الناس, تبقى الفرصة متاحة لأحباب الزعيم المخلوع لكي يفتعلوا الأزمات, ويشنوا الغارات وسط الحشود الجماهيرية المتجمعة في الملاعب والمصانع والساحات.

لا أمل لمصر المحروسة إلا بعودة الجيش إلى ثكناته, وإلا بتخليهم عن السلطة وتسليمها لحكومة مدنية منتخبة, غير متطرفة, ولا متعصبة, ولا متشنجة, ولا متحيزة. وإلا باللجوء إلى المحاكم العرفية لمحاسبة المجرمين والقتلة على وجه السرعة, ومن دون تأخير ولا تأجيل ولا مماطلة, وإلا بفرض الإقامة الجبرية على العمة (سوزان), ووضع القيود على نشاطاتها المريبة, وإلا بتبني قواعد صارمة تحد من تحركاتها, وتكبح رغباتها الموتورة, وتردع تطلعاتها الانتقامية المسعورة.

وبخلاف ذلك سنشاهد المزيد من الأحداث الدامية, وستستمر مصر بالتأرجح بين الأوضاع الانتقالية والانتقائية والانتقامية… 

والله يستر من الجايات.