زمن الحرب الأميركية

على الرغم من أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما أخذت منذ تسلّمه الرئاسة وحتّى الآن منحى سلميا، على العكس من سابقه بوش، إلا أنّه هذه المرّة أصبح عليه أن يعود إلى الخطط الحربيّة لوزارة الدفاع الأميركية. وتبدو وزارة الدفاع الأميركية بدورها، أكثر تخوّفاً مما كانت عليه منذ أشهر قليلة، لاسيما بعد موجة الثورات العربيّة، والتي أصبحت مثل المارد الذي خرج من القمقم وتمرّد على سيّدهِ.

صحيفتان أميركيتان عريقتان كشفتا عن خطط جديدة لوزارة الدفاع في وقت واحد، أوّل تلك الخطط تقضي بتصنيع قنابل حديثة باستطاعتها أن تصل إلى منشآت إيران النووية تحت الأرض، والتي اكتشف وزارة الدفاع مؤخراً، أن قنابلها لا يمكنها الوصول إليها، أما الخطّة الثانية، وهي إرسال سفينة حربيّة، تسهل العمل على الكوماندوز الأميركي، إلى الشرق الأوسط وهذه السفينة كانت توقّفت عن العمل، وكانت الخطّة، قبل إعادتها إلى العمل، أن يتم إيقافها نهائياً، لكن، حسب تقارير الصحافة الأميركية أصبحت الحاجة ملحّة إلى إعادتها للعمل مجدّداً.

كل هذا يفسّر أن الإدارة الأميركية تعاني خطراً محدّقاً يحيط بالمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وإذ تميل أميركا، عبر إدارتها، هذه المرّة، إلى تطوير الأسلحة واستحداث أسلحة أخرى، يتبدّى جليّاً أنّها ستتخلّى عن الدبلوماسية التي قادها أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في الفترة المقبلة، لكن بمقابل هذا، لا تبدو إيران، والتي تعتبر الخطر الأكبر الذي تخافه أميركا الآن، بأنها ستقف متفرّجة على ما ستفعله ماكينة الحرب الأميركية، إذ ما يزال الردُّ الإيراني جاهزاً لأي تهديد أميركي، وأحياناً، تقدّم إيران هجوماً مضادّاً على أيِّ تصريح أميركي، إذ ردّت إيران على العقوبات الأميركية الجديدة التي تنوي نقاشها مع عدّة دول أوربية بأنها ستوقف صادرات النفط إلى أوروبا، ما يعني تعطّل الكثير من المشاريع الأوربيّة، أما قضيّة مضيق هرمز، والتي قلّل من شأنها المحلّلون السياسيون العرب، ما تزال الإدارة الأميركية تأخذها على محمل الجدّ.

من جانب آخر، يبدو الضغط الإسرائيلي على الإدارة الأميركية بشأن مهاجمة إيران عسكرياً يأخذ مفعوله الحقيقي، ولقاءات القادّة العسكريين بين الجانب الأميركي والإسرائيلي التي حدثت مؤخراً في تل أبيب يبدو أنّها أثمرت هذه الخطط وستثمر خططاً أخرى في القريب العاجل، الأمر الذي يشرح ببساطة إن زمن السلاح آت، والحرب على الأبواب، وهذا على العكس مما قاله وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا بأنّه ينوي الاعتماد في المراحل المقبلة على التكنلوجيا بدل الموارد البشريّة.

لا … طلاق في السياسة!!

  أبغض الحلال عند الله هو الطلاق،، لكن لا طلاق -على الإطلاق- في عالم السياسة،، ولعل هذا الإطلاق يبدو واضحا، جليا في مفاصل حياة السياسيين في عراق اليوم بمعزل عن مصالح لفئة أو طائفة معينة،، مادامت المصالح الخاصة والضيقة تتقدم -بجلاء دون حياء- على مصالح الوطن الكبرى و(يا مكثر) الأدلة والأمثلة على ما نحن فيه من ضياع وقت وهدر طاقات وتبذير أحوال وأموال -بالحرام والحلال- تحت مسميات وضعف تبريرات وتسويفات لم تعد تقنع أحدا،، بفعل هول أخطاء جسيمة أخذت بالعراق الجديد الى خوانق وخوازيق عقوبات بالجملة والمفرد المختوم،، لم نزل (نلفح) نيران قساوتها ونتجرع جور ظلم وإجحاف (مصائب وطلايب البند السابع) فهي الأغرب/الأصعب/ والأتعب في تأريخ العقوبات التي طالت أي شعب من شعوب قارات العالم السبع وعجائب دنياه السبعة. 

   هل ينبغي ان يعرف أهل السياسة في عراق التغيير وهدر الفرص بان الدبلوماسية هي فن وليست علما؟!! وان قضية رفع العقوبات يجب ان تفهم من خلال حل شفرات التي يضعها الساسة الكبار من أولئك الذي أفنوا سنوات أعمارهم بتفويض صبرهم في تطويع عقولهم وقلوبهم من سواد عيون تلك الحكمة الذهبية التي لا نظنها ستصدأ حتى أبد الآبدين وهي تنبح دائما بالقول: «لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة،، بل هنالك مصالح دائمة» دائمة الظلال.. وفيرة الجمال والخضرة والوجه الحسن،، وليس كما يرد في توصيف أحد الكتاب الساخرين بتصارع أضداد قد يشبه تصارع أصلعين للحصول على مشط.!!

   ولكن القضية تبقى أكبر واعقد من مجرد المرور عليها والوقوف عند أطلالها الباكية،، وأن نوضح للسياسي وكل من تناط به مسؤولية إدارة الدولة بان لكل مشكلة حلا،، بل مئة وبشرط أن يكون الحل صحيحا،، لكي يلزمنا دفع البلاء بالحكمة والمرونة والدهاء ورفع الحيف -بعد زوال السبب والمسبب- ومعرفة كيف يمكن تجاوز الصعاب وخلق بيئة تقرب وجهات النظر بكسب الرأي العام وتقديم البراهين والدلائل التي تقاوم الحجة بالحجة،، وبان لا تغلق بابا دون فتح باب تفضي الى أبواب أخرى،، أليست السياسة قائمة -ولم تزل تغزل منذ زمن أرسطو- على أنها فن الممكن،، وأنها يجب ألاّ تقطع الإجابة بـ(لا) أو (نعم) بل (ربما) حيث الـ(ربما) طريق تفضي الى الاثنين معا (لا .. و ..نعم)  أم ان عبارة وليم شكسبير القائلة:) النصيحة هي أردأ أنواع الفضيلة) أضحت هي الطريق الذي راح يزعج حال رجال السياسة عندنا،، والله أعلم.!

اعترافات عاشق!

136 مقطوعة شعرية، هو مجموع ما أنجزته بعد تخرجي من المتوسطة، ومع بداية مشواري الدراسي في الرابع الإعدادي عام 1961/ 1962، بدأت أميل الى كتابة القصائد الطويلة، خاصة وان حبي لابنة الجيران قد نضج بما فيه الكفاية، ولم يبق أمامي سوى المصارحة والاعتراف، ولكن المشكلة ان ابنة الجيران في تلك السنة كانت على أبواب التخرج في الكلية، وستصبح مع بداية العام الدراسي الجديد، مدرسة لمادة اللغة العربية وكانت المشكلة الأعظم، إنني الجأ إليها حيثما أشكلت عليّ مسألة في النحو أو الأدب، وكنت ادخل بيتها واخرج في أي وقت، لان أسرتها الكريمة تتعامل معي على أنني ولد صغير، مؤدب ومؤتمن، ولا تتردد عن إرساله الى السوق أو العطار أو فرن الصمون!! 

كان خلافي الوحيد مع ابنة الجيران يكمن في ميلها الى الشعر الحر، الذي تقرأه وتنظمه وتدافع عنه، وأنا لا أفهم يومها كيف يكون الشعر شعراً من دون قافية تهز الأذن والمشاعر والوسط، وما عدا ذلك كانت علاقتي معها أوطد من سلسلة جبال حمرين، فكلانا (شاعر مرهف الحس)، وكلانا يفضل اللون الأزرق، وكلانا يكره الدولمة، وكلانا من برج الثور، وكانت حريصة على رفدي بأنواع الكتب الأدبية، ولا تناديني إلا بعبارات تفوح منها رائحة الدلال والعواطف الجياشة، على غرار، (عيني حسوني أو حبيبي حسوني، أو صدقة لعيونك، أو نزول عليك شلون تخبل.. الخ)، ونفد صبري وأعيتني الحيلة، وقررت ان اعترف لها بحبي ثم فليأت الطوفان، وهكذا رسمت خطة يعجز عن الإتيان بها، أو بمثلها أعظم العباقرة دهاء، وقلت لها ذات عصر ربيعي، ونحن وحدنا في حديقة منزلها (أنا اكتب شعرا جميلا) -المفرطون في نرجسيتهم وحدهم من يصفون شعرهم بالجميل-، وكانت جملتي مباغتة لها ومفاجئة، وسألتني (هل تحفظ شيئا من قصائدك؟) أجبتها باعتداد (أحفظ قصائدي كلها)، (إذن اقرأ لي واحدة)، وهنا بدأت الصفحة الثانية من الخطة، فقد تحسبت للأمر سلفا، وهيأت لها معلقة من 94 بيتا، تتغزل بجمالها وعينيها وشعرها وطولها وعرضها وحقيبتها اليدوية، وتعبر من طرف خفي عن حبي المكبوت لها، وفيما كنت أترنم وأحاول تقليد الجواهري في الإلقاء، كانت هي منشغلة بلعبة مكعبات بين يديها وبعد ان قرأت قرابة ستين بيتا، مع اعادة بعض المقاطع عن قصد توقفت وسألتها لأعرف ردة فعلها، ومدى نجاح خطتي (ما رأيك في شعري!)؟ فأجابتني وهي تعبث بالمكعبات (واصل القراءة، فربما يصادفنا بيت موزون)، ولم أدرك لخطتها معنى موزون او وزن او ميزان وعلاقتها بالشعر، وبعد ان فرغت من المعلقة لم اسمع منها تعليقا، ولكنها قالت لي (عيني حسوني، إذا ماكو زحمة، أريد تشتري لي كيلو تفاح وكيلو برتقال، لان ابن عمتي سرمد يجي اليوم على العشا!) وأعطتني مبلغ الفاكهة وأنا اشعر بالغضب والاضطهاد، وكان اضطهادي اشد مرارة يوم تم زفافها لابن عمتها بعد تخرجها، وبكيت في غرفتي كما الأطفال، ثم نسيت كل شيء مع الوقت وانشغلت بنظم قصائد جديدة لفتاة أخرى من بنات الطرف، وحين أنهيت الإعدادية والتحقت بالجامعة – قسم اللغة العربية، وتعرفت للمرة الأولى على شيء في الشعر، اسمه العروض او البحر او الوزن، تذكرت وجع الرأس والاضطهاد الذي تحمله تلك الشابة الرائعة وهي تستمع الى معلقة ليس فيها بيت واحد موزون، ولذلك جمعت (قصائدي ومعلقاتي وآثاري الشعرية) ورميتها في التنور، مخافة ان يسرقها احد الشعراء!! 

من حسن حظهم أنهم في العراق!؟

نظرية جديدة اكتشفها المواطن (صابر بن حيران) بنفسه, في اليوم الذي فقد فيه بطاقته التموينية, وراح يبحث عنها في الظلام الدامس, بين مكبات القمامة المتكدسة في ضواحي المدينة, التي انقطعت عنها الكهرباء, فدهسته عجلات المواكب الاستفزازية, وصعقته صفاراتها المزمجرة, وسقط مغشيا عليه في خنادق العصر الجلكاني, التي اعتاد السقوط فيها كلما قررت الحكومة المحلية إعادة تنفيذ مشروع إكساء الأرصفة للمرة الخامسة أو السادسة, فاستيقظ في اليوم التالي على أصوات الانفجارات البعيدة, ليجد نفسه غارقا حتى رأسه في الوحل, وفجأة خرج من الحفرة, وراح يركض صوب مقر مفوضية النزاهة, تماما مثلما ركض ارخميدس عاريا في شوارع روما, وهو يصيح: (وجدتها, وجدتها). . 

وجد ارخميدس القاعدة الفيزيائية التي تقول: (كل جسم يُغمر جزئيا أو كليا في الماء يفقد من وزنه بقدر وزن الماء المزاح) فدخل التاريخ من أوسع أبوابه, ووجد (صابر بن حيران) القاعدة الكونية التي تقول: (من حسن حظ الحكام وسوء حظ المواطنين أنهم في العراق, ومن سوء حظ الحكام وحسن حظ المواطنين أنهم في السويد), فرسب في مادة التاريخ, ولم يعد يفهم بالسياسة, وكان يولول بصوت مخنوق: (إذا أردت أن تعرف حجم الفساد في العراق ينبغي أن تعرف حجمه في السويد, وإذا أردت أن تعرف حجم الفساد في السويد ينبغي أن تعرف حجمه في العراق).    

بين العراق والسويد تباين كبير في مؤشرات العفة الإدارية, ولا مجال للمقارنة بينهما في المعيار القياسي الذي وضعته منظمة الشفافية العالمية, فالسويد تقف في طليعة البلدان المعروفة بالنزاهة والاستقامة, والعراق يقبع مع الصومال والسودان وموريتانيا, ويربض في مؤخرة البلدان المعروفة بتفشي الفرهود والرشا والفساد. 

في السويد انقلبت الدنيا فوق رأس السيدة التي كانت تشغل منصب عمدة مدينة ستوكهولم, لا لشيء إلا لأنها ملئت خزان سيارتها الصغيرة بالوقود, ودفعت الثمن من دفتر بطاقات الحكومة, فأهتزت الأرض الاسكندينافية تحت أقدامها, وانهار مستقبلها كله, بسبب أقدامها على ارتكاب هفوة بسيطة, رأت الحكومة السويدية إنها تتنافى مع السياقات الصحيحة, فاتهمتها بالاستحواذ على المال العام. 

قالت في محضر دفاعها عن نفسها: (أنها اضطرت لذلك لأنها لم تكن تملك النقود في جيبها), فرد عليها القاضي مؤنبا: (هذا لا يبرر فعلتك الشنعاء, إذ كان بإمكانك أن تركني سيارتك, وتركبي الأوتوبيس), فأدانتها المحكمة بتهمة الفساد, واستغلال المال العام, فاستقالت من منصبها على الفور, وغادرت ستوكهولم إلى منزلها الريفي, وتوارت تماما عن الأنظار.  

عندنا في العراق صارت لأصحاب المناصب العليا معسكرات منزلية مؤلفة من مجموعة من البيوت الخشبية الجاهزة (كرفانات), على شكل ثكنات موزعة حول بيوتهم, والى جانبها رحبة صغيرة لإيواء سياراتهم المصفحة وعرباتهم المدرعة, ومولدة كهربائية كبيرة, ومعها مجموعة من المولدات الاحتياطية, وخلفها صهريج كبير مملوء بزيت الغاز, وصهريج آخر مشحون بالبنزين, وصهاريج أخرى لزيت التزييت, وبراميل لتخزين النفط الأبيض (الكيروسين), فضلا عن وجود أكداس من قناني الغاز, فالوقود متوفر دائما, وموضوع تحت تصرفهم لتعبئة سياراتهم ومولداتهم وتغطية احتياجاتهم كلها, صارت عندهم مستودعات للوقود والمحروقات منصوبة قرب مقراتهم أو مبعثرة في بساتينهم الريفية, تصرف أحيانا من موارد التشكيلات الحكومية التي يديرونها من دون رقيب ولا حسيب, فالمسؤولون عندنا في غاية السعادة والهناء والرخاء, ومن حسن حظهم أنهم في العراق وليسوا في مكان آخر من كوكب الأرض. 

في السويد زُلزلت الأرض تحت أقدام تلك الفاتنة الرقيقة بسبب بضعة جالونات من البنزين السويدي البارد, فطردوها من منصبها بعد أن طالبها القضاء بدفع قيمة الجالونات البنزينية من جيبها الخاص, ومن الطريف أن أذكر هنا, أن صديقي الذي رافقني بعد عودتي من رحلتي البحرية الأخيرة, ظهرت عليه علامات الأسى والتأسي عندما شاهد طلعتها البهية, فقال لي وقلبه يتفطر من الألم: (يا عمي أنا على أتم الاستعداد للتنازل عن حصتي من نفط حقل مجنون لهذه الحسناء الساحرة, ولها مطلق الحرية في تحويلها إلى بنزين أو كيروسين متى تشاء, ولن تحتاج بعد الآن للرضوخ لسلطة الحكومة السويدية), وقال آخر: (وأنا أتنازل لها عن حصتي في نفط الرميلة).  

 

كم كان (صابر بن حيران) على حق عندما قال: (من سوء حظ الحكام وحسن حظ المواطنين أنهم في السويد), لأن الحكام في السويد فقراء, قلقون مرهقون متعبون, أمناء على المال العام, يجهدون أنفسهم من أجل راحة المواطن, لا يفرطون بفلس واحد من خزينة المملكة السويدية, ولا يبخسون حق الشعب, تجدهم في خدمة الناس, يتنافسون على عمل الخير, ولا مكان بينهم لمن يخالف الدستور, أو ينتهك القوانين, ولا مستقبل عندهم لمن لا يحترم التشريعات النافدة.

 وقف السويديون كلهم ضد هذه المرأة, ولم يدافع عنها أبناء عشيرتها, ولا أبناء عمومتها, ولا أنصارها في الكتلة السياسية التي تنتمي إليها, ولم تتحذلق الفضائيات هناك في قلب الحقائق, وتزييف الوقائع من أجل تبرئة ساحة هذه المسؤولة, التي فرطت ببضعة جالونات من البنزين, فمتى نحذو حذو السويد, ونسعى لنشر الفضيلة, ونحارب الفساد والمفسدين بالطريقة التي أكد عليها أصحاب المناصب العليا, واقسموا على تطبيقها قبيل فوزهم بالانتخابات الماضية ؟.  

ثمرة سويدية

يقولون في السويد:

نحن نمشي ببطء, ولكن لم يحدث أبداً أننا مشينا خطوة واحدة إلى الوراء.. 

حسرة عراقية

يقولون في العراق:

ما فائدة الحقول النفطية الغنية بالبترول إذا كانت جيوبنا فارغة..

زمن الحرب الأميركية

على الرغم من أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما أخذت منذ تسلّمه الرئاسة وحتّى الآن منحى سلميا، على العكس من سابقه بوش، إلا أنّه هذه المرّة أصبح عليه أن يعود إلى الخطط الحربيّة لوزارة الدفاع الأميركية. وتبدو وزارة الدفاع الأميركية بدورها، أكثر تخوّفاً مما كانت عليه منذ أشهر قليلة، لاسيما بعد موجة الثورات العربيّة، والتي أصبحت مثل المارد الذي خرج من القمقم وتمرّد على سيّدهِ.

صحيفتان أميركيتان عريقتان كشفتا عن خطط جديدة لوزارة الدفاع في وقت واحد، أوّل تلك الخطط تقضي بتصنيع قنابل حديثة باستطاعتها أن تصل إلى منشآت إيران النووية تحت الأرض، والتي اكتشف وزارة الدفاع مؤخراً، أن قنابلها لا يمكنها الوصول إليها، أما الخطّة الثانية، وهي إرسال سفينة حربيّة، تسهل العمل على الكوماندوز الأميركي، إلى الشرق الأوسط وهذه السفينة كانت توقّفت عن العمل، وكانت الخطّة، قبل إعادتها إلى العمل، أن يتم إيقافها نهائياً، لكن، حسب تقارير الصحافة الأميركية أصبحت الحاجة ملحّة إلى إعادتها للعمل مجدّداً.

كل هذا يفسّر أن الإدارة الأميركية تعاني خطراً محدّقاً يحيط بالمصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، وإذ تميل أميركا، عبر إدارتها، هذه المرّة، إلى تطوير الأسلحة واستحداث أسلحة أخرى، يتبدّى جليّاً أنّها ستتخلّى عن الدبلوماسية التي قادها أوباما ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في الفترة المقبلة، لكن بمقابل هذا، لا تبدو إيران، والتي تعتبر الخطر الأكبر الذي تخافه أميركا الآن، بأنها ستقف متفرّجة على ما ستفعله ماكينة الحرب الأميركية، إذ ما يزال الردُّ الإيراني جاهزاً لأي تهديد أميركي، وأحياناً، تقدّم إيران هجوماً مضادّاً على أيِّ تصريح أميركي، إذ ردّت إيران على العقوبات الأميركية الجديدة التي تنوي نقاشها مع عدّة دول أوربية بأنها ستوقف صادرات النفط إلى أوروبا، ما يعني تعطّل الكثير من المشاريع الأوربيّة، أما قضيّة مضيق هرمز، والتي قلّل من شأنها المحلّلون السياسيون العرب، ما تزال الإدارة الأميركية تأخذها على محمل الجدّ.

من جانب آخر، يبدو الضغط الإسرائيلي على الإدارة الأميركية بشأن مهاجمة إيران عسكرياً يأخذ مفعوله الحقيقي، ولقاءات القادّة العسكريين بين الجانب الأميركي والإسرائيلي التي حدثت مؤخراً في تل أبيب يبدو أنّها أثمرت هذه الخطط وستثمر خططاً أخرى في القريب العاجل، الأمر الذي يشرح ببساطة إن زمن السلاح آت، والحرب على الأبواب، وهذا على العكس مما قاله وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا بأنّه ينوي الاعتماد في المراحل المقبلة على التكنلوجيا بدل الموارد البشريّة.

لا … طلاق في السياسة!!

  أبغض الحلال عند الله هو الطلاق،، لكن لا طلاق -على الإطلاق- في عالم السياسة،، ولعل هذا الإطلاق يبدو واضحا، جليا في مفاصل حياة السياسيين في عراق اليوم بمعزل عن مصالح لفئة أو طائفة معينة،، مادامت المصالح الخاصة والضيقة تتقدم -بجلاء دون حياء- على مصالح الوطن الكبرى و(يا مكثر) الأدلة والأمثلة على ما نحن فيه من ضياع وقت وهدر طاقات وتبذير أحوال وأموال -بالحرام والحلال- تحت مسميات وضعف تبريرات وتسويفات لم تعد تقنع أحدا،، بفعل هول أخطاء جسيمة أخذت بالعراق الجديد الى خوانق وخوازيق عقوبات بالجملة والمفرد المختوم،، لم نزل (نلفح) نيران قساوتها ونتجرع جور ظلم وإجحاف (مصائب وطلايب البند السابع) فهي الأغرب/الأصعب/ والأتعب في تأريخ العقوبات التي طالت أي شعب من شعوب قارات العالم السبع وعجائب دنياه السبعة. 

   هل ينبغي ان يعرف أهل السياسة في عراق التغيير وهدر الفرص بان الدبلوماسية هي فن وليست علما؟!! وان قضية رفع العقوبات يجب ان تفهم من خلال حل شفرات التي يضعها الساسة الكبار من أولئك الذي أفنوا سنوات أعمارهم بتفويض صبرهم في تطويع عقولهم وقلوبهم من سواد عيون تلك الحكمة الذهبية التي لا نظنها ستصدأ حتى أبد الآبدين وهي تنبح دائما بالقول: «لا توجد صداقة دائمة ولا عداوة دائمة،، بل هنالك مصالح دائمة» دائمة الظلال.. وفيرة الجمال والخضرة والوجه الحسن،، وليس كما يرد في توصيف أحد الكتاب الساخرين بتصارع أضداد قد يشبه تصارع أصلعين للحصول على مشط.!!

   ولكن القضية تبقى أكبر واعقد من مجرد المرور عليها والوقوف عند أطلالها الباكية،، وأن نوضح للسياسي وكل من تناط به مسؤولية إدارة الدولة بان لكل مشكلة حلا،، بل مئة وبشرط أن يكون الحل صحيحا،، لكي يلزمنا دفع البلاء بالحكمة والمرونة والدهاء ورفع الحيف -بعد زوال السبب والمسبب- ومعرفة كيف يمكن تجاوز الصعاب وخلق بيئة تقرب وجهات النظر بكسب الرأي العام وتقديم البراهين والدلائل التي تقاوم الحجة بالحجة،، وبان لا تغلق بابا دون فتح باب تفضي الى أبواب أخرى،، أليست السياسة قائمة -ولم تزل تغزل منذ زمن أرسطو- على أنها فن الممكن،، وأنها يجب ألاّ تقطع الإجابة بـ(لا) أو (نعم) بل (ربما) حيث الـ(ربما) طريق تفضي الى الاثنين معا (لا .. و ..نعم)  أم ان عبارة وليم شكسبير القائلة:) النصيحة هي أردأ أنواع الفضيلة) أضحت هي الطريق الذي راح يزعج حال رجال السياسة عندنا،، والله أعلم.!

اعترافات عاشق!

136 مقطوعة شعرية، هو مجموع ما أنجزته بعد تخرجي من المتوسطة، ومع بداية مشواري الدراسي في الرابع الإعدادي عام 1961/ 1962، بدأت أميل الى كتابة القصائد الطويلة، خاصة وان حبي لابنة الجيران قد نضج بما فيه الكفاية، ولم يبق أمامي سوى المصارحة والاعتراف، ولكن المشكلة ان ابنة الجيران في تلك السنة كانت على أبواب التخرج في الكلية، وستصبح مع بداية العام الدراسي الجديد، مدرسة لمادة اللغة العربية وكانت المشكلة الأعظم، إنني الجأ إليها حيثما أشكلت عليّ مسألة في النحو أو الأدب، وكنت ادخل بيتها واخرج في أي وقت، لان أسرتها الكريمة تتعامل معي على أنني ولد صغير، مؤدب ومؤتمن، ولا تتردد عن إرساله الى السوق أو العطار أو فرن الصمون!! 

كان خلافي الوحيد مع ابنة الجيران يكمن في ميلها الى الشعر الحر، الذي تقرأه وتنظمه وتدافع عنه، وأنا لا أفهم يومها كيف يكون الشعر شعراً من دون قافية تهز الأذن والمشاعر والوسط، وما عدا ذلك كانت علاقتي معها أوطد من سلسلة جبال حمرين، فكلانا (شاعر مرهف الحس)، وكلانا يفضل اللون الأزرق، وكلانا يكره الدولمة، وكلانا من برج الثور، وكانت حريصة على رفدي بأنواع الكتب الأدبية، ولا تناديني إلا بعبارات تفوح منها رائحة الدلال والعواطف الجياشة، على غرار، (عيني حسوني أو حبيبي حسوني، أو صدقة لعيونك، أو نزول عليك شلون تخبل.. الخ)، ونفد صبري وأعيتني الحيلة، وقررت ان اعترف لها بحبي ثم فليأت الطوفان، وهكذا رسمت خطة يعجز عن الإتيان بها، أو بمثلها أعظم العباقرة دهاء، وقلت لها ذات عصر ربيعي، ونحن وحدنا في حديقة منزلها (أنا اكتب شعرا جميلا) -المفرطون في نرجسيتهم وحدهم من يصفون شعرهم بالجميل-، وكانت جملتي مباغتة لها ومفاجئة، وسألتني (هل تحفظ شيئا من قصائدك؟) أجبتها باعتداد (أحفظ قصائدي كلها)، (إذن اقرأ لي واحدة)، وهنا بدأت الصفحة الثانية من الخطة، فقد تحسبت للأمر سلفا، وهيأت لها معلقة من 94 بيتا، تتغزل بجمالها وعينيها وشعرها وطولها وعرضها وحقيبتها اليدوية، وتعبر من طرف خفي عن حبي المكبوت لها، وفيما كنت أترنم وأحاول تقليد الجواهري في الإلقاء، كانت هي منشغلة بلعبة مكعبات بين يديها وبعد ان قرأت قرابة ستين بيتا، مع اعادة بعض المقاطع عن قصد توقفت وسألتها لأعرف ردة فعلها، ومدى نجاح خطتي (ما رأيك في شعري!)؟ فأجابتني وهي تعبث بالمكعبات (واصل القراءة، فربما يصادفنا بيت موزون)، ولم أدرك لخطتها معنى موزون او وزن او ميزان وعلاقتها بالشعر، وبعد ان فرغت من المعلقة لم اسمع منها تعليقا، ولكنها قالت لي (عيني حسوني، إذا ماكو زحمة، أريد تشتري لي كيلو تفاح وكيلو برتقال، لان ابن عمتي سرمد يجي اليوم على العشا!) وأعطتني مبلغ الفاكهة وأنا اشعر بالغضب والاضطهاد، وكان اضطهادي اشد مرارة يوم تم زفافها لابن عمتها بعد تخرجها، وبكيت في غرفتي كما الأطفال، ثم نسيت كل شيء مع الوقت وانشغلت بنظم قصائد جديدة لفتاة أخرى من بنات الطرف، وحين أنهيت الإعدادية والتحقت بالجامعة – قسم اللغة العربية، وتعرفت للمرة الأولى على شيء في الشعر، اسمه العروض او البحر او الوزن، تذكرت وجع الرأس والاضطهاد الذي تحمله تلك الشابة الرائعة وهي تستمع الى معلقة ليس فيها بيت واحد موزون، ولذلك جمعت (قصائدي ومعلقاتي وآثاري الشعرية) ورميتها في التنور، مخافة ان يسرقها احد الشعراء!! 

من حسن حظهم أنهم في العراق!؟

نظرية جديدة اكتشفها المواطن (صابر بن حيران) بنفسه, في اليوم الذي فقد فيه بطاقته التموينية, وراح يبحث عنها في الظلام الدامس, بين مكبات القمامة المتكدسة في ضواحي المدينة, التي انقطعت عنها الكهرباء, فدهسته عجلات المواكب الاستفزازية, وصعقته صفاراتها المزمجرة, وسقط مغشيا عليه في خنادق العصر الجلكاني, التي اعتاد السقوط فيها كلما قررت الحكومة المحلية إعادة تنفيذ مشروع إكساء الأرصفة للمرة الخامسة أو السادسة, فاستيقظ في اليوم التالي على أصوات الانفجارات البعيدة, ليجد نفسه غارقا حتى رأسه في الوحل, وفجأة خرج من الحفرة, وراح يركض صوب مقر مفوضية النزاهة, تماما مثلما ركض ارخميدس عاريا في شوارع روما, وهو يصيح: (وجدتها, وجدتها). . 

وجد ارخميدس القاعدة الفيزيائية التي تقول: (كل جسم يُغمر جزئيا أو كليا في الماء يفقد من وزنه بقدر وزن الماء المزاح) فدخل التاريخ من أوسع أبوابه, ووجد (صابر بن حيران) القاعدة الكونية التي تقول: (من حسن حظ الحكام وسوء حظ المواطنين أنهم في العراق, ومن سوء حظ الحكام وحسن حظ المواطنين أنهم في السويد), فرسب في مادة التاريخ, ولم يعد يفهم بالسياسة, وكان يولول بصوت مخنوق: (إذا أردت أن تعرف حجم الفساد في العراق ينبغي أن تعرف حجمه في السويد, وإذا أردت أن تعرف حجم الفساد في السويد ينبغي أن تعرف حجمه في العراق).    

بين العراق والسويد تباين كبير في مؤشرات العفة الإدارية, ولا مجال للمقارنة بينهما في المعيار القياسي الذي وضعته منظمة الشفافية العالمية, فالسويد تقف في طليعة البلدان المعروفة بالنزاهة والاستقامة, والعراق يقبع مع الصومال والسودان وموريتانيا, ويربض في مؤخرة البلدان المعروفة بتفشي الفرهود والرشا والفساد. 

في السويد انقلبت الدنيا فوق رأس السيدة التي كانت تشغل منصب عمدة مدينة ستوكهولم, لا لشيء إلا لأنها ملئت خزان سيارتها الصغيرة بالوقود, ودفعت الثمن من دفتر بطاقات الحكومة, فأهتزت الأرض الاسكندينافية تحت أقدامها, وانهار مستقبلها كله, بسبب أقدامها على ارتكاب هفوة بسيطة, رأت الحكومة السويدية إنها تتنافى مع السياقات الصحيحة, فاتهمتها بالاستحواذ على المال العام. 

قالت في محضر دفاعها عن نفسها: (أنها اضطرت لذلك لأنها لم تكن تملك النقود في جيبها), فرد عليها القاضي مؤنبا: (هذا لا يبرر فعلتك الشنعاء, إذ كان بإمكانك أن تركني سيارتك, وتركبي الأوتوبيس), فأدانتها المحكمة بتهمة الفساد, واستغلال المال العام, فاستقالت من منصبها على الفور, وغادرت ستوكهولم إلى منزلها الريفي, وتوارت تماما عن الأنظار.  

عندنا في العراق صارت لأصحاب المناصب العليا معسكرات منزلية مؤلفة من مجموعة من البيوت الخشبية الجاهزة (كرفانات), على شكل ثكنات موزعة حول بيوتهم, والى جانبها رحبة صغيرة لإيواء سياراتهم المصفحة وعرباتهم المدرعة, ومولدة كهربائية كبيرة, ومعها مجموعة من المولدات الاحتياطية, وخلفها صهريج كبير مملوء بزيت الغاز, وصهريج آخر مشحون بالبنزين, وصهاريج أخرى لزيت التزييت, وبراميل لتخزين النفط الأبيض (الكيروسين), فضلا عن وجود أكداس من قناني الغاز, فالوقود متوفر دائما, وموضوع تحت تصرفهم لتعبئة سياراتهم ومولداتهم وتغطية احتياجاتهم كلها, صارت عندهم مستودعات للوقود والمحروقات منصوبة قرب مقراتهم أو مبعثرة في بساتينهم الريفية, تصرف أحيانا من موارد التشكيلات الحكومية التي يديرونها من دون رقيب ولا حسيب, فالمسؤولون عندنا في غاية السعادة والهناء والرخاء, ومن حسن حظهم أنهم في العراق وليسوا في مكان آخر من كوكب الأرض. 

في السويد زُلزلت الأرض تحت أقدام تلك الفاتنة الرقيقة بسبب بضعة جالونات من البنزين السويدي البارد, فطردوها من منصبها بعد أن طالبها القضاء بدفع قيمة الجالونات البنزينية من جيبها الخاص, ومن الطريف أن أذكر هنا, أن صديقي الذي رافقني بعد عودتي من رحلتي البحرية الأخيرة, ظهرت عليه علامات الأسى والتأسي عندما شاهد طلعتها البهية, فقال لي وقلبه يتفطر من الألم: (يا عمي أنا على أتم الاستعداد للتنازل عن حصتي من نفط حقل مجنون لهذه الحسناء الساحرة, ولها مطلق الحرية في تحويلها إلى بنزين أو كيروسين متى تشاء, ولن تحتاج بعد الآن للرضوخ لسلطة الحكومة السويدية), وقال آخر: (وأنا أتنازل لها عن حصتي في نفط الرميلة).  

 

كم كان (صابر بن حيران) على حق عندما قال: (من سوء حظ الحكام وحسن حظ المواطنين أنهم في السويد), لأن الحكام في السويد فقراء, قلقون مرهقون متعبون, أمناء على المال العام, يجهدون أنفسهم من أجل راحة المواطن, لا يفرطون بفلس واحد من خزينة المملكة السويدية, ولا يبخسون حق الشعب, تجدهم في خدمة الناس, يتنافسون على عمل الخير, ولا مكان بينهم لمن يخالف الدستور, أو ينتهك القوانين, ولا مستقبل عندهم لمن لا يحترم التشريعات النافدة.

 وقف السويديون كلهم ضد هذه المرأة, ولم يدافع عنها أبناء عشيرتها, ولا أبناء عمومتها, ولا أنصارها في الكتلة السياسية التي تنتمي إليها, ولم تتحذلق الفضائيات هناك في قلب الحقائق, وتزييف الوقائع من أجل تبرئة ساحة هذه المسؤولة, التي فرطت ببضعة جالونات من البنزين, فمتى نحذو حذو السويد, ونسعى لنشر الفضيلة, ونحارب الفساد والمفسدين بالطريقة التي أكد عليها أصحاب المناصب العليا, واقسموا على تطبيقها قبيل فوزهم بالانتخابات الماضية ؟.  

ثمرة سويدية

يقولون في السويد:

نحن نمشي ببطء, ولكن لم يحدث أبداً أننا مشينا خطوة واحدة إلى الوراء.. 

حسرة عراقية

يقولون في العراق:

ما فائدة الحقول النفطية الغنية بالبترول إذا كانت جيوبنا فارغة..

أردوغان وأمراء التقسيم

دخول رجب طيب أردوغان على خط الأزمة العراقية بهذه القوّة، يشي أن ثمّة طبخة إقليمية قذرة تستهدف العراق، بعد أن قطع شوطاً مهمّاً في استعادة السيادة وشرع في بناء دولته، رغم التناحرات السياسية التي يرتبط أغلبها بأجندات خارجية، فيها لتركيا وحلفائها حصة الأسد.

لنعيد قراءة تصريحات السيد أردوغان مرّة أخرى، يقول رئيس الوزراء التركي الذي لم يجفّ دم العشرات من الكرد الأبرياء الذي قصفتهم طائراته قبل أسابيع من على بدلته الأنيقة بعد (إذا بدأتم مواجهة في العراق تحت شكل نزاع طائفي فمن غير الوارد أن نبقى صامتين) ويشدد في البرلمان أمام نواب حزبه إن على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (أن يفهم هذا الأمر) ويشدِّد: (من المستحيل أن نبقى صامتين لأننا نتقاسم معكم حدوداً مشتركة، لدينا علاقات قربى وأننا على اتصال بكم يومياً). ويقول: (ننتظر من السلطات العراقية أن تتبنى موقفاً مسؤولاً يدع جانباً كل أشكال التمييز الطائفي ويمنع قيام نزاعات طائفية).

أين غابت كياسة السيد أردوغان الدبلوماسية؟ من المؤكد أنها ضاعت في صخب الغضب الذي اجتاح الرجل من العراق الذي يوشك أن يصبح دولة حقيقة تستعيد ثقلها الإقليمي.

وتعالوا نسأل السيد أردوغان، أين كانت حماستك حين كان العراق يعيش بالفعل أجواء التناحر الطائفي وأوشك أن ينزلق بالفعل نحو هاوية الحرب الطائفية؟ ألست من أحتضن بعض رموز الطائفية في مؤتمرات أنقرة وأسطنبول التي كنت ترعاها شخصيّاً تحت يافطات براقة؟.

الطبخة أيها السادة أكبر بكثير من مجرّد تصريحات للسيد أردوغان، فهي تدخل في الطبخة السعوديّة التي تعدّ على نار هادئة من أجل تقسيم العراق تحت ذريعة الفيدرالية وتحديداً في محافظتي الأنبار وصلاح الدين، تلك الطبخة التي تلقى سعياً محموماً من أمراء التقسيم الذين يجوبون مدن المحافظتين تحت جنح الظلام وبعيداً عن أضواء الإعلام، مبشرين بمزايا الأقاليم التي ستحوّل كل من المحافظتين إلى جنة عدن، والذين بدؤوا يستقطبون الكثير من أهلنا في المحافظتين، منهم من البسطاء ومنهم من النفعيين الموعودين بحصة كبيرة من كعكة العقود، خاصة وأن السعودية أغدقت على أمراء التقسيم الكثير من الأموال لإنجاح مهمتهم.

والسعودية المنكفئة على مشاكلها الداخلية، خولت السيد أردوغان على ما يبدو للقيام بمهمة التأجيج الإقليمي المساعد للتحركات الداخلية من أجل الإسراع بإتمام الطبخة قبل أن ينهض العراق من رماد فجيعة السنوات الماضية ويعود إلى حجمه الطبيعي الذي سيحدد بدوره الحجم الحقيقي للسعودية ويحدد أيضاً المساحات المسموحة لأي من اللاعبين الإقليميين الاقتراب منها والتي ستكون بكل الحالات منطقة حرام، تبعد كثيراً عن حدود التدخل في الشأن العراقي.

الحكومة العراقية التي وصفت تصريحات أردوغان بأنها (تصريحات حساسة جداً وعلينا دراستها بحذر قبل أن نرد عليها). مطالبة الآن بتفعيل ماكنتها الدبلوماسية وتوظيف علاقاتها الدولية، من أجل الرد العملي على تصريحات رئيس الوزراء التركي، ولو تطلب الأمر رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي.

الجود من الموجود

  كنت أظن معنى من يقول : (الجود من الموجود) … ينطبق – فقط – على الجوانب المادية وأمور موضوعات الكرم الزائد عن الحد والتبذير وقلة التدبير وفق مسودات وقوائم أمثلة أخرى مثل (اللي يحل على البيت ،، يحرم على الجامع) ومن  يعاكسه بالاتجاه-جملة وتفصيلا- حيث قولنا المشهود (اصرف ما في الجيب ،، يأتيك ما في الغيب)رغم أنه ينافس – وبجدارة- من يقول :(القرش الأبيض ،، ينفع باليوم الأسود) – بعيدا عن مرامي  مثل خبيث ومفبرك الى حد معين يرى( في البيت الأبيض ،، ينفع باليوم الأسود) والقصد مفهوم وواضح وضوح الشمس ،، من دون أدنى لبس وحدس.

 وعودة – بعد الفاصل- الى (الجود من الموجود) حتى لا ينفلت خيط الموضوع ويضيع عصفور(سالفة) تسنم مسؤوليات مصيرية تنضوي تحت عباءة تلك المقولة(الشهيرة) ،، ربما من باب ومحراب الأقتراب من قضية (الأجر على قدر المشقة) كقيمة تكليف تقوم على ضوئها هذه الجهة أو تلك القائمة ،، أو هذا الحزب أو ذاك بتقديم أوترشيح من تريد في تقليد اعطاء مهام تلك المسؤوليات والمناصب على قيمة موقعه الحزبي أومعدلات درجات نضاله ومقارعته لأنظمة الظلم وقوى الاستبداد والاستعباد من الاطاحة بكل عروش وكروش الدكتاتوريات تحت رحمة نغمات تلك (ربابة الجود من ……. ) ناسين ومتناسين واجب توافرالخبرة والاختصاص وحسن الكفاءة سيرة وسلوكا واختصار لبديهية (الرجل المناسب في المكان المناسب) والتي لم تتحقق عندنا بعد . 

    ولنا في سيرة و سجلات ومآثر النظام السابق (أسوة سيئة ) جرى خلال فترة حكمه عزف تلك الربابة بنغماتها التي تفضل الرفيق والمسؤول الحزبي – بدرجات فلكية- على أية خبرة ومهارة وشهادة تخصص نالها عالم أو باحث أو مهتم في مجال علمي أو مهني ولعل نموذج واحد من صيغ تلك (المأثر) تخبرنا ان مسؤولا حزبيا (رفيع المستوى) كان تقلد منصب وزير الصحة بالوكالة وهو (خطية) لا يعرف ( الجك من البك) من مجال الطب ،، لكن صلفه وعنجهيته الحزبية دعته ان يخاطب مجموعة من الاطباء على مختلف الكفاءة والاختصاص – في عقر مبنى مدينة الطب – مهددا وموبخا إياهم بالقول : (اسمعوني زين ،، أول عملية جراحية … وثاني عملية تسووها امامي … فان ثالث عملية اني راح أسويها أمامكم ) وأكمل لكي ينهي الاجتماع وقوفا : (يله  …انصراف … كلمن يشوف شغله ) .!!

  لا تعليق .. يا جماعة الخير .. هنا بغير(شخط) بسيط يلخص مدى الفائدة مما ورد من أجل عراق جديد وفق ما قاله(كارل ماركس) : (اذا قدر للتأريخ ان يعيد نفسه ،، سيكون في المرة الأوى مأساة ،، وفي الثانية مهزلة ) .