القادم من ملحمة الطف

  نعم…هو القادم من بعيد، كي يبقى أبدا بعيداً…عن أي معنى لا يعطي للشهادة حق زهوها به بعد أن ختم الحسين (ع) زهو ذلك الزهو بلا حد، بل للحد الذي جعل البعيد يبقى قريبا -إلى الأبد- من وعي هواجسنا، ألقا إثر ألق… شوقا إثر شوق، الى الطف بوابة الخلود وخلاصة معنى، تجسد روحا في جسده المسجى ليبقى عابقا في ذواتنا وضمائرنا خشوعا وجلالا للأبد.

  هي ملحمة الندرة والفرادة في السمو الأزلي صوب أعمق وأثرى معاني الوقوف بوجه الظلم، لمن يعي حجم ذلك السؤال -الصعب كلما توالى علينا الزمن: (من الأبقى …الحسين ؟… أم قاتلوه؟)  

    فتفيض الإجابة عمقا وبعدا يتوحد، صوته وصداه معا في معنى العبارة: (مزيد من الزمن …لا يعني مزيدا من الخلود)، حين تتسع الرؤيا صوب تلك الملحمة لتضيق كل وسائل التعبير بالشعر والرسم والنحت والتجسيد وكل طقوس إحياء ذكراها، على هذا النحو من الخارق من البطولة والبهاء، ساعة يتجسد فينا فخرا وصبرا وانتماء مع خوالد تلك الأيام.

   وتلح علينا،هنا – مجددا-مقولة (هادي العلوي) مفكرا بحجم حيرة تلك الاستغاثة ووثوب هذا السؤال: (ما جدوى الروح…ان لم تسكن في فوهة بركان؟!) لتقطع الطريق امام بديهيات المواقف وبساطة التفكير بقيمة الحياة والوجود عكس ما كانت تنشدها الارواح الكبيرة والمعمرة في نسيج الزمن و ثنايا التأريخ وبلاغة الاحساس الاسطوري بالبطولة، كما كان يرتل ذلك جهرا الحسين (ع) ليعيد شكل نضاله الحر وحزم سيره المهيب نحو ناصية الخلود،ويضع الحدود تلو الحدود التي تفصل الشر ومعاقله،عن مسارب الخير ليسمو  بحمل مشاعل نور الحق بيد (أبا عبدالله) ثائرا وشهيدا متفردا إلى الأبد.

    ومن ألق ملحمة الطف توالدت أساطير مواقف وأينعت حكايا وتوافدت قصص عمقت ثقة البطولات بشفاعة الشهادة والثبات، ومن حقنا نحن اليوم-أن نعيد وهجها تطلعا وانتفاعا بمراميها العظيمة تذكرا بأبهى أفعال ومآثر أبطالها وثوارها علامات جوهر الشجاعة وسمو عنفوان الفداء انتصارا وتعميما لمعنى الخير كما  هو الحسين(ع) ورهطه الأطهار في واقعة الطف. كي نعيد صيغ انجازاتهم وتجسيدات بطولاتهم في متاحف الذكرى، لتقص وتحفظ للأجيال عظمة ما تصنع المعجزات،وهي تجعل من الإنسان كائنا متفردا في ملكوت الأرض والسماء كما فعلت من قبلنا شعوب نحجت وتعمقت في سير وسجلات ومنجزات ومآثر أبطال وقدسيين عبر أعمال ملحمية بصرية وشعرية وأعمال سيمفونية وجدت نفسها تملأ قاعات المتاحف والمسارح  وأناشيد طرزت صفحات الكتب ولوحات زينت جدران الكنائس والكاتدرائيات في الكثير من بقاع العالم حتى أضحت تلك الانجازات مزارا ومراجع حية وهي (أي تلك الملاحم الأوربية) – عذرا- لم تصل بحجم وفعل ونتائج ما حملت وجادت وجاءت بها ثورة الحسين(ع) من زهو مآثر وما صنع أبا الشهداء من معجزة مواقف وومضات استشهاده القدسي المهيب،نرى متاحف تتحف جوانب حية-متجسدة من ملحمة القادم من ملحمة الطف، وبحجم تلك الأساطير الخوالد. 

واضـــح !؟

لا أزعم إنني متابع من الطراز الأول لما تنشره الصحافة، و لكنني الى حد ما (قارئ جرايد) لا يستهان به، و لذلك أعرف إن هناك أقلاما عراقية تجيد كتابة (العمود الساخر) و تبدع فيه إبداعا ً يضاهي الأقلام العربية المماثلة أحيانا ً، و يتفوق عليها أحيانا ً أخرى، و لكنها لم تنل من الشهرة و ذيوع الصيت ما نالته أقلام الأشقاء، و قد قلتها سابقا ً و أعيد قولها من جديد، نحن شعب لا يحسن صناعة النجوم، و نحن دولة منذ عرفنا الدولة قبل تسعين سنة، تدير ظهرها للأبداع و المبدعين، و لا أظن أحدا ً يقرأ كاظم الحجاج على سبيل المثال أو خالد القشطيني أو مدني صالح أو سواهم، إلا و يشعر بالزهو، لأن أبناء وطنه يقفون عن جدارة قمما ً شامخة في مجال تخصصهم الى جانب أشمخ القمم العربية و أعلاها، و مع ذلك، و لأسباب يطول الشرح في تفاصيلها، أستأثرت مع الزميل داود الفرحان بحصة الأسد في ميدان الكتابة الساخرة، طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، بينما أستطيع القول جازما ً – و الرأي يتعلق بي فقط – إن البلد زاخر بعشرات الكتاب الساخرين ممن هم أفضل مئة مرة من  حسن العاني، و لكن هذا الظرف أو ذاك لم يخدمهم كما خدمني !

على أية حال، تعود بي الذاكرة الآن، الى عام من أعوام العقد التسعيني، كنت يومها اعمل في مجلة (الف باء)، و أكتب مقالة إسبوعية تحت عنوان (و ما خفي……)، و في هذا العنوان إشارة الى إن الذي لم آت ِ على ذكره في المقالة، أو المخفي منها هو الأهم أو الأخطر، و ذلك إستنادا ً الى القول المأثور (و ما خفي كان أعظم )، و قد فوجئنا  ذات يوم بصدور (تعليمات ) من وزير الأعلام، تقضي بمنع ( الكتابة النقدية الساخرة)، و كانت هذه التعلميات من الناحية العملية موجهة الى الزميل (الفرحان ولي) على الرغم من أن تعليمات الوزير كانت ذات طابع عام، و قد إنزعج الفرحان وقتها إنزعاجاً كبيرا ً،   ولكنني بطبيعة دمي (البارد)، و جينات النبي أيوب التي تسري في عروقي، تلقيت الخبر الكارثة بأعصاب هادئة، و فكرت كأي رجل كلاسيكي ينحدر من القرن التاسع عشر، إن بمقدوري إقناع الوزير بمنطق العقل و الحجة، و دفعه الى التراجع عن هذا القرار الغريب، خاصة و إن الرجل بسيط الى حدّ السذاجة، و بيني و بينه معرفة قديمة، زيادة على كونه يكنُّ لي كثيرا ً من الأحترام !! و هكذا زرته في اليوم الثاني على صدور تعليماته، و إستقبلني الرجل إستقبالاً كريما ً، و طلب لي فنجان قهوة، ثم سألني عن أسباب زيارتي، فقلت له : سيادة الوزير، إنها بصدد توجيهاتكم الأخيرة حول منع الكتابات النقدية الساخرة من النشر ثم شرح الله لي صدري، و حلّ عقدة من لساني ، و ألقيت على مسامعه خطبة دونها خطبة قس بن ساعدة، تحدثت فيها طويلا ً، و شرّقت و غرّبت و نظرت عن دور هذا النمط من الكتابة و أهميته في حياة الشعوب الفكرية و الثقافية، و كنت مستمتعا ً و مستغربا ً في الوقت نفسه من التعابير الحلوة، و الجمل المسبوكة و الآراء العميقة و المصطلحات الفنطازية التي إنثالت على لساني كزخات المطر، بحيث مازلت حتى الآن أجهل كيف إستحضرتها، مع إن زملائي المقربين يعرفون جيدا ً، إنني أسوأ متكلم أنجبته الصحافة العراقية… و لكي إستفز كبرياءه، و أحثه على إلغاء تعليماته، أو عدم تطبيقها، قلت له [ سيادة الوزير… هذا القرار سيُحسب عليك مستقبلا ً، و لا أظنك ترتضيه لنفسك]، و يبدو إن صبره قد نفد من ثرثرتي الفارغة، و لذلك ردّ علي بوجه عابس [حسن العاني..كلامك كله زايد، و دوخة راس، السيد الرئيس صدام حسين الله يحفظه… لا يوافق على النقد الساخر و لا يريده…. واضح؟] 

• طبعا ً واضح سيادة الوزير!! 

ملاحظة الى القارئ الكريم : معنى مفردة (واضح) في القاموس، لا علاقة له بالمعنى الذي ذهب إليه الوزير.. واضح؟! 

غزة .. لا ناصر ولا معين

لست مغاليا إذا قلت إن المظاهرات التي خرجت في الولايات الأمريكية وكوريا, وفي إسرائيل نفسها دعما لأهلنا في غزة كانت أضعاف أضعاف الفئات العربية الضئيلة التي, أبدت تذمرها واستياءها من القصف الصهيوني على أحياء غزة وضواحيها, كان المترفون والمتخاذلون من الساسة  العرب يدخنون الأركيلة في قصورهم المنيفة, ويرشفون أقداح القهوة البرازيلية المنقوعة بالنبيذ, بينما انصرفت الملايين العربية لمشاهدة ما تنقله قنوات الجزيرة الرياضية من مباريات حية لكرة القدم. 

 فغزة ليست من المدن الخاضعة لبرامج الربيع البترولي, ولا من المدن المشمولة بتعاطف الفضائيات المشفرة لحساب الناتو. كان بود الفضائية المضللة أن تتهجم عليها, فتقول: أنها تخوض حرباً طائفية لا دخل لنا فيها, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة مسجلة منذ ولادتها باسم العرب السنة ؟. كان بودهم أن يقولوا: أنها متعاونة مع إيران وتتلقى منها المساعدات, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة ضربت حولها أطواق الحصار, وأغلقت بوجهها المنافذ والمعابر والقناطر والأنفاق, كان بودهم أن يقولوا: أنها من المدن المارقة حتى يتنكروا لها ويتجاهلوا أمرها, فما الذي يقولونه عن مدينة تحفظ القرآن الكريم على ظهر القلب وتعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد ؟.

لكنهم تجاهلوها في النهاية وانصرفوا لمشاهدة وقائع تصفيات كرة القدم, بينما خرج الفيلسوف الأمريكي الكبير واليهودي المنصف (نعوم تشومسكي) بمظاهرة عارمة جابت شوارع القدس, في الليل والنهار, منددة بالهمجية الصهيونية, فاقترب منه مدير شرطتها (نيسو شوحم), وهمس في إذنه باللغة العبرية: أهدأ يا عم تشومسكي, وعد إلى ديارك, وكن مثل العرب الهادئة, أو مثل العرب المهدئة (بفتح الدال أو كسرها لا فرق), هؤلاء أناس ليس لهم من يدعمهم من العرب, وليس لهم من يؤازرهم من المسلمين, أنهم من القبائل المحذوفة من ذاكرة الشيخ برميل, ولا مكان لهم في أجندة وعاظ السلاطين. .

 

مما يؤسف له إن المنظمات (الجهادية) التي كانت تتظاهر بمؤزرتها الكلامية لمنظمة (حماس) انشغلت هذه الأيام بمناقشة فتوى تهديم (أبو الهول), بينما توافد وزراء خارجية أوربا على تل أبيب لتأييدها ومشايعتها ضد غزة, في حين سجل وزراء الخارجية العرب رقما قياسيا جديدا في التخاذل. 

ثم جاءت الضربات الموجعة من جنوب لبنان لتدك حصون تل أبيب, وتمنح فضائيات الناتو عذرا جديدا لمواصلة التخاذل على اعتبار أن (نصر الله) وجماعته لا ينتمون إلى العروبة ولا إلى الإسلام في ضوء الفتاوى التي اطلقها الشيخ دولار. . 

 استدعت إسرائيل (75) ألفا من جنود الاحتياط استعدادا لاقتحامها, ومواصلة الهجوم عليها من كل الجبهات, لكنها ترددت قليلا خوفا من غضبة حماس, وتحسبا للانجرار إلى حلبة الاستنزاف, التي قد تفرضها صولات كتائب القسام. 

ربما كان (عفيف كوخافي) رئيس جهاز (أمان) الإسرائيلي أعلم من غيره بقدرات الكتائب الاستثنائية على تغيير معادلة الحشود الإسرائيلية لصالحها, وهو أعلم من غيره بقدرات صواريخ (الفجر) على دك حصون (ديمونة), وكان من الطبيعي أن يقف في طليعة المعترضين على عمليات (عامود سحاب). 

نجح الغزيون بإسقاط طائرة حربية من طائرات الغزاة, في الوقت الذي سقطت فيه المليشيات العربية المتجحفلة مع الناتو, وظهرت على حقيقتها البنتاغونية المزيفة. وفقد الصهاينة زمام الأمور, ولم تعد لديهم القدرة على استعادة قوة الردع. 

 ازدحمت المشاهد الدامية بصور الجهاد الحقيقي في مواجهة العدو الحقيقي, فتيان يقاتلون في الشوارع, وآخرون يسددون ضرباتهم من فوق سطوح المنازل, وشباب يشتبكون مباشرة مع العدو, وشيوخ يجمعون المساعدات ويقدمون الدعم. 

كان من السهل سماع صراخ جنود العدو وعويلهم في الملاجئ التي اخترقتها الضربات الصاروخية المباشرة. 

ضربات قاصمة سددها جند الحق ضد جند الباطل, شجاعة ما بعدها شجاعة, وصمود لا يعرف الذل ولا التخاذل ولا الاستسلام, ليس فيه استنجاد بقوات التحالف التي تحالفت معها دول الغدر والخيانة, فالغزيون يواجهون الموت بصدورهم العارية, فمن ساند الحق سلم وغنم, ومن عارضه اندحر وندم, لم يهربوا من مصيرهم المحتوم بعد أن رسموا طريق العزة بإيمانهم وإرادتهم وشجاعتهم, فوقفوا وحدهم بإزاء الباطل كله, لم تدعمهم قطر, ولا دول البطر, ولا الفارين من الخطر.

القادم من ملحمة الطف

  نعم…هو القادم من بعيد، كي يبقى أبدا بعيداً…عن أي معنى لا يعطي للشهادة حق زهوها به بعد أن ختم الحسين (ع) زهو ذلك الزهو بلا حد، بل للحد الذي جعل البعيد يبقى قريبا -إلى الأبد- من وعي هواجسنا، ألقا إثر ألق… شوقا إثر شوق، الى الطف بوابة الخلود وخلاصة معنى، تجسد روحا في جسده المسجى ليبقى عابقا في ذواتنا وضمائرنا خشوعا وجلالا للأبد.

  هي ملحمة الندرة والفرادة في السمو الأزلي صوب أعمق وأثرى معاني الوقوف بوجه الظلم، لمن يعي حجم ذلك السؤال -الصعب كلما توالى علينا الزمن: (من الأبقى …الحسين ؟… أم قاتلوه؟)  

    فتفيض الإجابة عمقا وبعدا يتوحد، صوته وصداه معا في معنى العبارة: (مزيد من الزمن …لا يعني مزيدا من الخلود)، حين تتسع الرؤيا صوب تلك الملحمة لتضيق كل وسائل التعبير بالشعر والرسم والنحت والتجسيد وكل طقوس إحياء ذكراها، على هذا النحو من الخارق من البطولة والبهاء، ساعة يتجسد فينا فخرا وصبرا وانتماء مع خوالد تلك الأيام.

   وتلح علينا،هنا – مجددا-مقولة (هادي العلوي) مفكرا بحجم حيرة تلك الاستغاثة ووثوب هذا السؤال: (ما جدوى الروح…ان لم تسكن في فوهة بركان؟!) لتقطع الطريق امام بديهيات المواقف وبساطة التفكير بقيمة الحياة والوجود عكس ما كانت تنشدها الارواح الكبيرة والمعمرة في نسيج الزمن و ثنايا التأريخ وبلاغة الاحساس الاسطوري بالبطولة، كما كان يرتل ذلك جهرا الحسين (ع) ليعيد شكل نضاله الحر وحزم سيره المهيب نحو ناصية الخلود،ويضع الحدود تلو الحدود التي تفصل الشر ومعاقله،عن مسارب الخير ليسمو  بحمل مشاعل نور الحق بيد (أبا عبدالله) ثائرا وشهيدا متفردا إلى الأبد.

    ومن ألق ملحمة الطف توالدت أساطير مواقف وأينعت حكايا وتوافدت قصص عمقت ثقة البطولات بشفاعة الشهادة والثبات، ومن حقنا نحن اليوم-أن نعيد وهجها تطلعا وانتفاعا بمراميها العظيمة تذكرا بأبهى أفعال ومآثر أبطالها وثوارها علامات جوهر الشجاعة وسمو عنفوان الفداء انتصارا وتعميما لمعنى الخير كما  هو الحسين(ع) ورهطه الأطهار في واقعة الطف. كي نعيد صيغ انجازاتهم وتجسيدات بطولاتهم في متاحف الذكرى، لتقص وتحفظ للأجيال عظمة ما تصنع المعجزات،وهي تجعل من الإنسان كائنا متفردا في ملكوت الأرض والسماء كما فعلت من قبلنا شعوب نحجت وتعمقت في سير وسجلات ومنجزات ومآثر أبطال وقدسيين عبر أعمال ملحمية بصرية وشعرية وأعمال سيمفونية وجدت نفسها تملأ قاعات المتاحف والمسارح  وأناشيد طرزت صفحات الكتب ولوحات زينت جدران الكنائس والكاتدرائيات في الكثير من بقاع العالم حتى أضحت تلك الانجازات مزارا ومراجع حية وهي (أي تلك الملاحم الأوربية) – عذرا- لم تصل بحجم وفعل ونتائج ما حملت وجادت وجاءت بها ثورة الحسين(ع) من زهو مآثر وما صنع أبا الشهداء من معجزة مواقف وومضات استشهاده القدسي المهيب،نرى متاحف تتحف جوانب حية-متجسدة من ملحمة القادم من ملحمة الطف، وبحجم تلك الأساطير الخوالد. 

واضـــح !؟

لا أزعم إنني متابع من الطراز الأول لما تنشره الصحافة، و لكنني الى حد ما (قارئ جرايد) لا يستهان به، و لذلك أعرف إن هناك أقلاما عراقية تجيد كتابة (العمود الساخر) و تبدع فيه إبداعا ً يضاهي الأقلام العربية المماثلة أحيانا ً، و يتفوق عليها أحيانا ً أخرى، و لكنها لم تنل من الشهرة و ذيوع الصيت ما نالته أقلام الأشقاء، و قد قلتها سابقا ً و أعيد قولها من جديد، نحن شعب لا يحسن صناعة النجوم، و نحن دولة منذ عرفنا الدولة قبل تسعين سنة، تدير ظهرها للأبداع و المبدعين، و لا أظن أحدا ً يقرأ كاظم الحجاج على سبيل المثال أو خالد القشطيني أو مدني صالح أو سواهم، إلا و يشعر بالزهو، لأن أبناء وطنه يقفون عن جدارة قمما ً شامخة في مجال تخصصهم الى جانب أشمخ القمم العربية و أعلاها، و مع ذلك، و لأسباب يطول الشرح في تفاصيلها، أستأثرت مع الزميل داود الفرحان بحصة الأسد في ميدان الكتابة الساخرة، طوال المرحلة التي سبقت عام 2003، بينما أستطيع القول جازما ً – و الرأي يتعلق بي فقط – إن البلد زاخر بعشرات الكتاب الساخرين ممن هم أفضل مئة مرة من  حسن العاني، و لكن هذا الظرف أو ذاك لم يخدمهم كما خدمني !

على أية حال، تعود بي الذاكرة الآن، الى عام من أعوام العقد التسعيني، كنت يومها اعمل في مجلة (الف باء)، و أكتب مقالة إسبوعية تحت عنوان (و ما خفي……)، و في هذا العنوان إشارة الى إن الذي لم آت ِ على ذكره في المقالة، أو المخفي منها هو الأهم أو الأخطر، و ذلك إستنادا ً الى القول المأثور (و ما خفي كان أعظم )، و قد فوجئنا  ذات يوم بصدور (تعليمات ) من وزير الأعلام، تقضي بمنع ( الكتابة النقدية الساخرة)، و كانت هذه التعلميات من الناحية العملية موجهة الى الزميل (الفرحان ولي) على الرغم من أن تعليمات الوزير كانت ذات طابع عام، و قد إنزعج الفرحان وقتها إنزعاجاً كبيرا ً،   ولكنني بطبيعة دمي (البارد)، و جينات النبي أيوب التي تسري في عروقي، تلقيت الخبر الكارثة بأعصاب هادئة، و فكرت كأي رجل كلاسيكي ينحدر من القرن التاسع عشر، إن بمقدوري إقناع الوزير بمنطق العقل و الحجة، و دفعه الى التراجع عن هذا القرار الغريب، خاصة و إن الرجل بسيط الى حدّ السذاجة، و بيني و بينه معرفة قديمة، زيادة على كونه يكنُّ لي كثيرا ً من الأحترام !! و هكذا زرته في اليوم الثاني على صدور تعليماته، و إستقبلني الرجل إستقبالاً كريما ً، و طلب لي فنجان قهوة، ثم سألني عن أسباب زيارتي، فقلت له : سيادة الوزير، إنها بصدد توجيهاتكم الأخيرة حول منع الكتابات النقدية الساخرة من النشر ثم شرح الله لي صدري، و حلّ عقدة من لساني ، و ألقيت على مسامعه خطبة دونها خطبة قس بن ساعدة، تحدثت فيها طويلا ً، و شرّقت و غرّبت و نظرت عن دور هذا النمط من الكتابة و أهميته في حياة الشعوب الفكرية و الثقافية، و كنت مستمتعا ً و مستغربا ً في الوقت نفسه من التعابير الحلوة، و الجمل المسبوكة و الآراء العميقة و المصطلحات الفنطازية التي إنثالت على لساني كزخات المطر، بحيث مازلت حتى الآن أجهل كيف إستحضرتها، مع إن زملائي المقربين يعرفون جيدا ً، إنني أسوأ متكلم أنجبته الصحافة العراقية… و لكي إستفز كبرياءه، و أحثه على إلغاء تعليماته، أو عدم تطبيقها، قلت له [ سيادة الوزير… هذا القرار سيُحسب عليك مستقبلا ً، و لا أظنك ترتضيه لنفسك]، و يبدو إن صبره قد نفد من ثرثرتي الفارغة، و لذلك ردّ علي بوجه عابس [حسن العاني..كلامك كله زايد، و دوخة راس، السيد الرئيس صدام حسين الله يحفظه… لا يوافق على النقد الساخر و لا يريده…. واضح؟] 

• طبعا ً واضح سيادة الوزير!! 

ملاحظة الى القارئ الكريم : معنى مفردة (واضح) في القاموس، لا علاقة له بالمعنى الذي ذهب إليه الوزير.. واضح؟! 

غزة .. لا ناصر ولا معين

لست مغاليا إذا قلت إن المظاهرات التي خرجت في الولايات الأمريكية وكوريا, وفي إسرائيل نفسها دعما لأهلنا في غزة كانت أضعاف أضعاف الفئات العربية الضئيلة التي, أبدت تذمرها واستياءها من القصف الصهيوني على أحياء غزة وضواحيها, كان المترفون والمتخاذلون من الساسة  العرب يدخنون الأركيلة في قصورهم المنيفة, ويرشفون أقداح القهوة البرازيلية المنقوعة بالنبيذ, بينما انصرفت الملايين العربية لمشاهدة ما تنقله قنوات الجزيرة الرياضية من مباريات حية لكرة القدم. 

 فغزة ليست من المدن الخاضعة لبرامج الربيع البترولي, ولا من المدن المشمولة بتعاطف الفضائيات المشفرة لحساب الناتو. كان بود الفضائية المضللة أن تتهجم عليها, فتقول: أنها تخوض حرباً طائفية لا دخل لنا فيها, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة مسجلة منذ ولادتها باسم العرب السنة ؟. كان بودهم أن يقولوا: أنها متعاونة مع إيران وتتلقى منها المساعدات, فما الذي يقولونه الآن عن مدينة ضربت حولها أطواق الحصار, وأغلقت بوجهها المنافذ والمعابر والقناطر والأنفاق, كان بودهم أن يقولوا: أنها من المدن المارقة حتى يتنكروا لها ويتجاهلوا أمرها, فما الذي يقولونه عن مدينة تحفظ القرآن الكريم على ظهر القلب وتعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد ؟.

لكنهم تجاهلوها في النهاية وانصرفوا لمشاهدة وقائع تصفيات كرة القدم, بينما خرج الفيلسوف الأمريكي الكبير واليهودي المنصف (نعوم تشومسكي) بمظاهرة عارمة جابت شوارع القدس, في الليل والنهار, منددة بالهمجية الصهيونية, فاقترب منه مدير شرطتها (نيسو شوحم), وهمس في إذنه باللغة العبرية: أهدأ يا عم تشومسكي, وعد إلى ديارك, وكن مثل العرب الهادئة, أو مثل العرب المهدئة (بفتح الدال أو كسرها لا فرق), هؤلاء أناس ليس لهم من يدعمهم من العرب, وليس لهم من يؤازرهم من المسلمين, أنهم من القبائل المحذوفة من ذاكرة الشيخ برميل, ولا مكان لهم في أجندة وعاظ السلاطين. .

 

مما يؤسف له إن المنظمات (الجهادية) التي كانت تتظاهر بمؤزرتها الكلامية لمنظمة (حماس) انشغلت هذه الأيام بمناقشة فتوى تهديم (أبو الهول), بينما توافد وزراء خارجية أوربا على تل أبيب لتأييدها ومشايعتها ضد غزة, في حين سجل وزراء الخارجية العرب رقما قياسيا جديدا في التخاذل. 

ثم جاءت الضربات الموجعة من جنوب لبنان لتدك حصون تل أبيب, وتمنح فضائيات الناتو عذرا جديدا لمواصلة التخاذل على اعتبار أن (نصر الله) وجماعته لا ينتمون إلى العروبة ولا إلى الإسلام في ضوء الفتاوى التي اطلقها الشيخ دولار. . 

 استدعت إسرائيل (75) ألفا من جنود الاحتياط استعدادا لاقتحامها, ومواصلة الهجوم عليها من كل الجبهات, لكنها ترددت قليلا خوفا من غضبة حماس, وتحسبا للانجرار إلى حلبة الاستنزاف, التي قد تفرضها صولات كتائب القسام. 

ربما كان (عفيف كوخافي) رئيس جهاز (أمان) الإسرائيلي أعلم من غيره بقدرات الكتائب الاستثنائية على تغيير معادلة الحشود الإسرائيلية لصالحها, وهو أعلم من غيره بقدرات صواريخ (الفجر) على دك حصون (ديمونة), وكان من الطبيعي أن يقف في طليعة المعترضين على عمليات (عامود سحاب). 

نجح الغزيون بإسقاط طائرة حربية من طائرات الغزاة, في الوقت الذي سقطت فيه المليشيات العربية المتجحفلة مع الناتو, وظهرت على حقيقتها البنتاغونية المزيفة. وفقد الصهاينة زمام الأمور, ولم تعد لديهم القدرة على استعادة قوة الردع. 

 ازدحمت المشاهد الدامية بصور الجهاد الحقيقي في مواجهة العدو الحقيقي, فتيان يقاتلون في الشوارع, وآخرون يسددون ضرباتهم من فوق سطوح المنازل, وشباب يشتبكون مباشرة مع العدو, وشيوخ يجمعون المساعدات ويقدمون الدعم. 

كان من السهل سماع صراخ جنود العدو وعويلهم في الملاجئ التي اخترقتها الضربات الصاروخية المباشرة. 

ضربات قاصمة سددها جند الحق ضد جند الباطل, شجاعة ما بعدها شجاعة, وصمود لا يعرف الذل ولا التخاذل ولا الاستسلام, ليس فيه استنجاد بقوات التحالف التي تحالفت معها دول الغدر والخيانة, فالغزيون يواجهون الموت بصدورهم العارية, فمن ساند الحق سلم وغنم, ومن عارضه اندحر وندم, لم يهربوا من مصيرهم المحتوم بعد أن رسموا طريق العزة بإيمانهم وإرادتهم وشجاعتهم, فوقفوا وحدهم بإزاء الباطل كله, لم تدعمهم قطر, ولا دول البطر, ولا الفارين من الخطر.

غزة .. وعتب على اتحاد الأدباء

• وصلني من الصديق العزيز الدكتور محمد البدوي –رئيس اتحاد كتاب تونس– بيان صادر عن اتحاده العريق والمناضل؛ حقا وليس ادعاء؛ بيان تضامني مع أهلنا في (غزة) يستنهض الهمم التي استكانت الى البترودولار؛ ويطالب الشعوب العربية بموقف مسؤول يعيد للأذهان تلك النخوة القديمة التي نسيناها في حمى انشغال شعوبنا بالدفاع عن حالها؛ بعد ان نجحت دول الضغينة في هزيمة لحمتنا التي (كان يضرب فيها المثل) ومن هنا يجيء إعجابي ببيان كتاب تونس؛ وأسفي -في الوقت نفسه- على اتحادنا.. اتحاد الجواهري؛ واتحاد الأدباء الذين كانت المهرجانات التضامنية مع قضايا الأمة تنتظر إشارة منهم لتقلق سكون المتخاذلين اينما كانوا.

• يقول بيان الأشقاء (ان اتحاد الكتاب التونسيين وهو يتابع بكل انشغال الهجمة الصهيونية الشرسة على شعبنا الأعزل في غزة..يدعو الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب العرب في القاهرة الى تبليغ صوت الكتاب التونسيين إلى اصحاب القرار في مصر من اجل استعمال كل وسائل الضغط من اجل حماية شعبنا الفلسطيني المناضل). 

فماذا لو نحن المتهمين بتواطئنا مع المحتل (وما إسرائيل الا وجهه القبيح) وخضنا من اجل نفي هذه التهمة مفاوضات ونقاشات مطولة؛ أقول ماذا لو نحن من اصدر هذا البيان او ما شابهه؛ ودعونا الى ساعة (او نصف ساعة) اعتصام في ساحة الاتحاد؛ والقينا قصائد وكلمات تتناقلها الفضائيات ؛ ليعرف اخوة لنا في غزة بأنهم ليسوا وحدهم؛ ويعرف العالم ايضا بان الأديب العراقي لم يروّض بعد؛ وان جذوة الحرية والكفاح ضد الظلم لم يطفئها الظلاميون . 

.. لكن صمت الاتحاد كان من البرودة بما أقشعر له جلد الكلام.

• لنعد الى غزة ..

في الأخبار (سياسي فلسطيني من قيادات إحدى الجبهات الفلسطينية اليسارية؛ قال إن عدة دول عربية إضافة إلى تركيا سوف تمارس ضغوطا كبيرة على قيادة حركة حماس، عبر خالد مشعل، اليوم وغدا، من أجل وقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل. وأضاف السياسي الفلسطيني: أساس ممارسة هذه الضغوط على قيادة حركة حماس عبر مشعل لأن استمرار إطلاق الصواريخ من قبل الحركة سيؤدي إلى استمرار القصف الاسرائيلي وبالتالي ستستمر معركة غزة التي باتت تجذب 80 % من التغطية الإعلامية العربية والعالمية، وهو ما يؤثر سلبا على تغطية الإعلام لما يجري في سوريا)!!

.. المطلوب إذن رأس النظام إعلاميا؛ اما معركة التحرير أو الفرهود فلها الشوارع .

• صمت اتحاد الأدباء ربما يأتي انعكاسا لصمت شارعنا؛ بعد أن دوخته الحكومة بقضية التموينية ؛ ودوخته الوزارات بفسادها المرعب ؛ وأضافت 4 إرهاب؛ والمفخخات؛ رعبا آخر له؛ فتدثر بخوفه ونام!! 

.. التظاهرات المنددة بالهجوم على غزة شملت اغلب مدن العالم ؛ بل ان هناك يهودا مناهضين لوحشية إسرائيل نزلوا الى الشوارع باللافتات؛ ونحن ولا كأنّ!! 

• تحية الى اتحاد الكتاب التونسيين و….ستنتصر غزة ؛ ففي العراق نعيش هذه الأيام ملحمة انتصار الدم على السيف. 

جدلية العقل والرغبة في السياسة «بين المنهج الإيماني والوضعي»

“في البدء كان العقل”:

 “وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”.

وللعقل وظيفة هي:

1- قيادة الجسد المتحرك بالرغبة

2- قيادة العالم المتطلع للمعرفة

وللرغبة وظيفة مزدوجة هي:

1- إغناء المعرفة إذا حضرت مع العقل

2- إفقار المعرفة إذا تخلت عن العقل.

الرغبة هي:-

1- شعور

2- إحساس

3- ميل

ويجمع كل هذه: “الهوى والعاطفة” وهي المحرك وصانع الحدث بايجابياته وسلبياته “قال أراغب أنت عن آلهتي”.

والرغبة تطفو على سطح الحدث فتلونه بلونها، وسبب هذا الطفو هو ما تتمتع به الرغبة من خفة نوعية في مكونها باعتبارها إفرازا فسلجيا وظيفي لهورمونات الجسد. 

والرغبة من متعلقات النفس، لذلك تتأثر بالمحيط وبلغة الفلسفة أي تتأثر من حيث البقاء لا من حيث الحدوث.

بينما يمتاز العقل بالثقل النوعي من حيث التكوين لأنه لا يتحرك مع حركة الهرمون فيصاب بالخفة كما هو في حالة الرغبة، لذلك لا يرصد في الحدث بعوامل الهوى والعاطفة الحاضرتان في الصخب والهرج والتدليك العاطفي وأماكنه معروفة.

وانما يرصد العقل من خلال:

1- التأمل

2- التدبر

3- التفكير

“قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى وتتفكروا ما بصاحبكم من جنة”.

والتفكر هنا يجمع: التأمل والتدبر “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب إقفالها” والتأمل والتدبر والتفكر هي مفردات العقل، وهذه العمليات الثلاث تحتاج إلى وقت ومن هنا كان حضور العقل في الحدث وافتعاله متأخرا عن حضور الرغبة ومفرداتها “الهوى والعاطفة” لا لقصور في العقل، فليس السبق والاستباق دائما يعبر عن الفائدة المرجوة، فسرعة الطلقة أسرع من مشي القاصد للخير، فالأولى أسرع للدمار والفناء والاحتراق، والثاني أبقى وأدوم للنفع والبناء والاستمرار.

وعلى ضوء هذا التفريق بين العقل والرغبة اختلف الفلاسفة في النظر لكل منهما والذين اختلفوا لصالح الرغبة نسوا: أن تعريف الفلسفة هو “نظم العالم نظما عقليا”.

فالفلسفة تنتمي للعقل الجوهر الذي لايتاثر بالمادة حدوثا وبقاء.

ولكن عندما تذهب الفلسفة مع الرغبة تكون قد تخلت عن مقومات الجوهر العقلي وتحولت إلى ضفاف وشواطئ النفس المتأثر جوهرها بالمادة بقاء، ومن هنا كانت القاعدة “إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي”.

وهذه القاعدة يلامسها العقل عند الجميع في لحظات التأمل والتدبر والتفكر، ولكن الفريق الذي ذهب مع الرغبة وتبناها لم يعد يمتلك المراجعة فغلبت عليه عناصر الحدث المشتعل بلهيب العاطفة والهوى، فأصبحت الرغبة عنده فوق العقل، وهذه جدلية استهلكت من البشرية كثيرا من حضورها في عدم اعمال معطيات العقل طبقا لمدركاته وانما أخذت من العقل حضوره في العلوم التطبيقية فكانت علوم الفضاء والاستنساخ وعلوم البيولوجيا والطب وفيزياء الكم التي اصبحت تقود العالم فكان الانترنيت وتقنيات الاتصالات المبحرة في فضاء الاثير المصنوع الهيا بمفهوم “ والارض جميعا قبضته يوم القيامة “ و”السماوات مطويات بيمينه “ .

ولكن فريق الانتصار للرغبة جعلوا من الانظمة السائرة برغباتهم وقادتها انصاف آلهة من حيث يشعرون او لا يشعرون، وعملوا على اخفاء مفهوم الإله الحقيقي في حياة الناس واكتفوا بلفظه سطحيا وغيبوه في تفكيرهم ونشاطاتهم ولذلك اصبحت الحرية عندهم رغم حضورها إلا أنها مهددة بالاحتضار من قبل كل من:

1- الإباحية التي تقوم على فلسفة تقديم الرغبة على العقل.

2- المثلية: التي اعتبروها من مفردات الحرية الشخصية، وهي تنطوي على تدمير التنمية البشرية التي سوف يكتشفونها ولكن بعد فوات الأوان.

3- الرأسمالية الاقتصادية: التي بدأت تزعزع النظام الاقتصادي الأمريكي والاوربي من خلال عدم قدرة النظام المصرفي على حفظ التوازن بين الطبقات الاجتماعية لاسيما في مسالة العقار والاستثمار.

ثم بدا الاهتزاز يصل الى التجربة الديمقراطية ثاني ثنائية أصحاب فلسفة تغليب الرغبة على العقل، فظهرت التجارب الديمقراطية التي نقلوها الى غيرهم مهزوزة غير متماسكة البناء وغير حقيقية مما جعلها غير جديرة بالاحترام لدى فئات كثيرة، وان كانت لم تستطع الخلاص من شرنقة فلسفة تغليب الرغبة على العقل بفضل حضور التقنيات العلمية التي تمثل انتصارا مؤقتا للقيادة الغربية التي تبنت فلسفة تغليب الرغبة على العقل والتي وجدت فيها المنظمات اليهودية فرصتها لجعل التوراتية وان بالظاهر عقيدة فريق تغليب الرغبة على العقل ونتيجة حصول هذه العقيدة عند فريق تغليب الرغبة على العقل اصبحت القضية الفلسطينية تواجه تعنتا في الامم المتحدة يميل دائما لصالح اسرائيل ويتنكر لمفردات العقل الذي يرى حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة الى وطنهم، وحق الفلسطينيين في ان تكون لهم دولة ممثلة في الامم المتحدة ولو بصفة مراقب، ان فريق تغليب فلسفة الرغبة على العقل يرفض إعطاء الفلسطينيين دولة ولو بصفة مراقب في الأمم المتحدة، مثلما يصر فريق غلبة الرغبة على العقل تطبيق حق الفيتو ضد أي قرار أممي ليس لصالح إسرائيل.

واليوم يقوم هذا الفريق بدعم إسرائيل في حربها ضد غزة المحاصرة بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وحق الدفاع عن النفس من ناحية مدركات العقل هو حق للجميع بما فيهم الفلسطينيين، وعند استحضار مفردات العقل سنجد ان حق الفلسطينيين يتقدم على حق الإسرائيليين الذين بادروا إلى اغتيال قيادي من حماس ثم اخذت طائراتهم تقصف مدينة غزة بلا رحمة. 

وعدوى هذه الفلسفة القلقة انتقلت الى منطقتنا فكان الإرهاب ممثلا لفلسفة تغليب الرغبة على العقل من خلال كل من:-

1- اشاعة الكراهية: فأصبحت دولة إسلامية مثل ايران في نظرهم صفوية ومجوسية، وهو قول باطل يرفضه الشرع الذي يدعو الى تحكيم العقل والعقل السليم يقول ان الإيرانيين اليوم هم يدينون بالإسلام وليس بالمجوسية ويطبقون ولاية الفقيه وهي مفهوم اسلامي في الحكم قابل للنقاش وليس لديهم منهج صفوي كما يدعي البعض زورا، ومن منطلق هذه الكراهية فهم يعتبرون كل الشيعة من المجوس والصفوية وهذا منهج ظالم يبتعد عن المنهج العقلي السليم، وهذا الفريق استبدل العداء من حيث الرتبة لاسرائيل الى العداء لدولة الاسلام في ايران وهو منهج تحكمه الرغبة في الكراهية.

2- منهج التكفير: وهو منهج يعتمد الرغبة قبل العقل، فالعقل لايكفر الناس ولكنه يشخص الصح من الخطأ طبقا لمنهج السماء “قل تعالوا الى كلمة سواء”، والتكفير منهج وسلوك انتقامي لا يجعل صاحبه يفرق بين الناقة والجمل، وأصحاب هذا المنهج هم الوهابيون وتنظيمهم تنظيم القاعدة هو الذي يتبنى التفجيرات والمفخخات والأحزمة الناسفة في العراق ويصوبها اليوم إلى زوار كربلاء ومن يحتفل بعاشوراء، رغم فشل مشروعهم في العراق من حيث التسويق السياسي والاحتضان الاجتماعي ولم يبق لديهم سوى دعم الفريق الغربي صاحب فلسفة ومنهج تغليب الرغبة على العقل وبسبب هذا المنهج فشلت الثورة في سورية لأن الحضور الوهابي بكراهيته وتكفيره غير معالم التظاهرات السلمية والرغبة في الحرية والعدالة إلى رغبة في الانتقام الشخصي بحسابات طائفية ترفضها أغلبية الشعب السوري الذي عرف نوايا الفريق المعارض من خلال رفضه للحوار وعدم قبوله بمنهج الإصلاح الذي تبناه النظام ودعا اليه وطبق شيئا منه، ولكن حماقة الفريق الوهابي المستعين بالمرتزقة والأجانب افسد على الشعب السوري طريق الاصلاح وادخله في خندق التدمير رغبة في الانتقام وما دخول المسلحين في منازل المواطنين التي قصفت ودمرت بالرصاص والقنابل الطائشة وهذه الظاهرة في التدمير يتحملها من الناحية الشرعية والعقلية فريق المعارضة المسلحة التي تطالب بتدخل الاجنبي والتي تستجدي الفرنسيين والبريطانيين والامريكيين وهم من فريق تغليب الرغبة على العقل ورغبتهم في تدمير سورية والعراق والمنطقة واضحة لمن ينظر بعقل.

جن السلطة

ولا نرمي من العنوان الغمز إلى أن السلطة مقر الشيطان.. ولا لحكمة وفخامة من زهد بها ورأى قبحها…  بل نرمي إلى أن السلطة، وكما تكشف قبح القبيح وتسفر عن طباعه التي كانت مستورة وغير مرئية للناس ولنفسه… فإنها أيضا قد تخفي عيوب وقبائح بعضهم الآخر… وتلوح السلطة وكأنها افصل صالونات التجميل لهذا النموذج… ونتفاجأ إذ يغادرون المنصب وتسقط معه ألوان ومساحيق الصالون ونراهم كما هم على حقيقتهم… وها نحن أمام احدهم يعيد إلى الأذهان المأثور الريفي القديم إذ قيل للقطة بأن برازها يصلح دواء… فعمدت من فورها إلى إخفاء برازها وطمره في التراب …وهذا المسؤول السابق يبخل على السائل عن اتجاه الطريق…  فما الكوارث التي أوقعها عندما كان بالمنصب؟؟؟ والأكيد في مرحلة العراق المريعة الآن سيفزع الناس من كائنات بعد مغادرتها السلطة عما فعلته… وسيحتقرون أنفسهم لأنهم خضعوا لسلطاتهم ولم يفطنوا تماما لخواص وصفات من قرروا مصائرهم.

ولأن الفساد والشر والرداءة تتأسس وتتناسل بكل المعاني, فقد ابتلى المجتمع بها.. والفرصة الخطأ التي حلت بمن استكثر رد التحية, وربما أمل أن يتقاضى من الآخر ثمن ردها… هذه الفرصة وسعت من محيط السوء ومن أخلاقه …ويقال إن أولاد ذلك المسؤول القديم قد حصلوا بدورهم  بفضل أبيهم على فرص لا يستحقونها, وتقدموا مع الوفاء لأخلاق أبيهم فيدفنون ويطمرون برازهم أن قيل لهم انه مفيد.

درج كثيرون على الابتعاد عن القريب والصديق حالما يتسنم منصبا, إلا أن المثير للانتباه الآن أن الرجل وحال ظفره بالكرسي وبعد أن يستعرض نفسه يستدرك وينكمش ويبتعد عن الآخرين… وفي سورة المال السائب قد يخون الرجل تأريخه وكل ارث عائلته المشرف وينقطع ,وربما بصفاقة عن ناسه متعللا بازدحام العمل وبالاجتماعات فضلا عن السفر واستبدال الهاتف ..من  اجل الانزواء بمكاسبه وامتيازاته بعيدا عما قد يزعجه وينغصه ..والاهم عما قد يفتح عليه الأبواب والعيون. ولذا فالمتوقع في المستقبل إن المزورين والفاسدين والحثالات والرديئين سيشكلون مجتمعا يوثق لهذا الصنف لكي نترحم على ذاك المدير العام الذي تبين انه يبخل بإرشاد التائه في الطريق. 

أبو الهول في مواجهة الأهوال .. دعوات مسعورة لنسف الأهرام

صار واضحا إن فقهاء (تورا بورا) في طريقهم إلى شن حرب جديدة على تاريخ مصر وتراثها وحضارتها, فكل ما يعود إلى العصر الفرعوني ابتداء من أبي الهول وامتدادا إلى الأهرام مرورا بمحتويات المتاحف المصرية كلها من نفائس وقطع نادرة, صار هدفا للتنظيمات المعادية, التي عقدت العزم على تدمير كل ما هو جميل وثمين ووطني وتراثي. 

فهل ثمة مفر لأبي الهول من مواجهة الأهوال التي تنتظره ؟, وهل ثمة أمل لصموده في مواجهة المعاول والعبوات الناسفة ؟, وهل سيكون مصيره مثل مصير تمثال بوذا في وادي (باميان) بأفغانستان حينما نسفته أصابع الديناميت بأمر من الملا عمر في الثاني عشر من آذار (مايس) 2001 ؟.

http://www.youtube.com/watch?v=GEuGtJBe4Uo

يقول العقلاء: ليس من الحكمة في شيء التقليل من حجم وجدية الأخطار المحدقة بأهرام الجيزة ومعالمها الفرعونية الضاربة في عمق التاريخ, ولا من الحكمة في شيء التقليل من شأن الجماعات المشفرة لنسف تاريخ الأجداد, فما بالك إذا كانت فتوى الهدم جاءت هذه المرة على لسان أحد قادة الحركات السلفية الجهادية الشيخ مرجان سالم الجوهري, الذي كان من ضمن العائدين من أفغانستان, ومن ضمن الذين اشتركوا ميدانياً في تحطيم تمثال بوذا, وهو الذي قال: لقد حطمنا تمثال بوذا وسنحطم أبو الهول, في حين دعا الشيخ محمد حسان إلى طمس وجوه التماثيل بالشمع الأبيض شريطة أن يكون الشمع من منتجات المعامل الإسلامية.

http://www.youtube.com/watch?v=9n5P9NeStoU&feature=related

ما يعني إننا سنسمع ونشاهد أخبار البلاوي التي سيحذفها علينا فلاسفة العبوات الناسفة وفقهاء المتفجرات اللاصقة وعباقرة الألغام الجاهزة, وسنستيقظ ذات يوم على أخبار نسف تمثال (أوبيس), أو تمثال (أتون), وسنشاهد أشلاء (أحميس), و(أمنو حوتب), و(آمون رع), و(رمسيس) مبعثرة على ضفاف النيل, وربما تتوسع دائرة الأفكار الناسفة فتتساقط شظاياها فوق الثور البابلي المجنح, وزقورة (أورنمو) في ذي قار, وكل الآثار الفينيقية والأكدية والآرامية, والمعابد الإغريقية في الشام ابتداءً من معبد تل المتسلم, وانتهاءً بمعبد بيسان, مروراً بمعابد تل القدح وأبو الخرز, وثماثيل (حصن ذي مرمر) في اليمن, وتماثيل أوتيك وتابسوس في تونس, وقد تكون تماثيل أطلال البتراء (المدينة الوردية) من ضمن التماثيل المهددة بالتخريب والتدمير, فهي أيضا مشمولة بفتوى الشيخ مرجان.   

من المفارقات العجيبة في البلاد العربية أنها تحرص كل الحرص على إنزال العقوبات المشددة ضد المتورطين بسرقة الأكفان الفرعونية, وضد المتلبسين بتهريب الأختام السومرية, وضد سراق الاسطوانات البابلية, والتيجان الآشورية, وقد تصل بعض الأحكام إلى عقوبة الإعدام, لكنها لم تفعل شيئا ضد القوات الأمريكية النظامية التي عبثت بآثارنا السومرية في (أور), ولم تفعل شيئا عندما اختفى كنز النمرود من الخزانات الحصينة المخبأة تحت دجلة, ولم تفعل شيئا ضد الذين انتهكوا حرمة المواقع البابلية فنبشوها بالخنادق العميقة ثم دفنوا فيها شبكة أنابيب البترول, ولم تفعل شيئا ضد الذين نسفوا تمثال (أسد بابل) في البصرة, وها نحن نسمع اليوم قعقعة الفتاوى الجهادية, التي أعطت الضوء الأخضر لعناصر ميلشياتها المسلحة, وأمرتهم بنسف أهرامات الجيزة, وأوصتهم بتدمير معالم الحضارة المصرية القديمة بذريعة تطبيق الشريعة, وبذريعة تحطيم الأصنام والأوثان والمعابد, من دون أن يُلقى عليهم القبض, ومن دون أن يُساقوا إلى المحاكم لينالوا الجزاء العادل. 

لقد نهبوا المتحف العراقي كله, وحطموا كل ما وقع تحت معاولهم, ثم سرقوا النسخة الأصلية للتوراة والنسخة الأصلية للتلمود, واستعرضوها (عيني عينك) في احتفال كبير عند حائط المبكى بمشاركة حاخامات الأشكناز والسفارديم والفلاشا والصباريم, فالهدف الأساس هو طمس آثار الحضارة في البلدان العربية كلها, وتوجيه أصابع الاتهام إلى العرب أنفسهم.

نحن اليوم على مشارف صفحة انتقامية جديدة من الصفحات السود, التي كتبوها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر, صفحة ترتفع فيها أصوات المجانين فوق أصوات البقية الباقية من العقلاء, صفحة يراد منها إعلاء صوت السلاح على صوت المنطق, صفحة تعاقدت فيها القوى الغاشمة مع قوى الإرهاب الشريرة, وتعاطفت مع تنظيماتها السرية والعلنية لغايات مريبة لا علم لنا بها.  

يزعم المجاملون والمتحذلقون أن دعوات الجوهري وشلته لا وزن لها, ولا يمكن الاقتناع بما يقولونه, ولكنهم لا يعلمون إن مثل هذه الدعوات ستداعب نفوس المتطرفين السذج, وتحرضهم على ارتكاب كل الحماقات التي تراودهم, وهناك من يزعم أن الرجل مصاب بلوثة دماغية وينبغي إدخاله المصحات العقلية حتى يبرأ. ونرى أنها مجرد مزاعم يراد منها التقليل من أهمية النوايا الخطيرة, التي يضمرها الجوهري وجماعته. 

ختاما نقول أن مهندس التدمير والتخريب (مرجان) لا يمزح ولا يحب (الهزار), فهو ينطلق من تكليفه الشرعي, ويعبر عن رأيه العقائدي بصراحة ووضوح, من دون خوف أو تردد, في الوقت الذي يصر فيه على تحطيم رموز الحضارة المصرية ومعالمها جملة وتفصيلا, لذا يتعين علينا أن نأخذ تصريحاته على محمل الجد, وأن لا نتلمس له الأعذار, خاصة أنه شارك في تحطيم الآثار المتبقية من حضارة شبه القارة الهندية، والله يستر من الجايات.