حتى أنت يا شيخ الدنانير؟؟

حتى أنت يا شيخ العملات المالية كلها ستفقد ملامحك العربية في العراق، وترتدي السروال الكردي؟، وهل ستخسر لغتك الجميلة الموشومة على وجنتيك بالخط الكوفي، كان بريقك ولمعانك رمزا للثروة والثراء، وعلامة من علامات الرقي والحضارة، ولدت في روما القديمة، وسجلت اسمك الأول بعد ولادتك الفضية، فكنت باللاتينية (ديناريوس) وتعني عشرة، لأنك كنت تساوي وقتذاك عشرة آسات برونزية، ثم جاءت ولادتك الذهبية على يد يوليوس قيصر، وتحسن اسمك ورسمك شيئا فشيئا حتى أصبحتَ (دينر) على لسان الإمبراطورية البيزنطية، لكنك سرعان ما انتقلت إلى الشام وارتديت حلة عربية قشيبة زاهية رائعة بروعة الخلافة الإسلامية، ونلت شارتك العربية لتصبح دينارا عربيا، فتسيدت على العملات كلها في الشرق والغرب، وذاع صيتك من يومها بين الشعوب والأمم، وها أنت اليوم تمثل القيمة النقدية الرسمية في الجزائر وليبيا والبحرين وتونس والأردن والكويت والجمهوريات اليوغسلافية المتفككة، بيد انك في العراق تميزت بحمل ختم الدولة العربية على صورتك الورقية، وهو الختم الذي حملته الدنانير الذهبية البغدادية على جبينها الناصح المتلألئ، وتداوله الناس من قرطبة في الأندلس إلى سمرقند وخوارزم وبلاد ما وراء النهر:-

لا إلــــه إلا

الله وحــده

لا شريك له

ترى كيف سيصبح شكلك يا أبو الدنانير بعد إقحام مفردات اللغة الكردية على بياناتك المثبتة في هويتك العربية؟؟. وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الطارئ على سيرتك النقدية العريقة؟، وهل ستتنازل حقا عن أصالتك بهذه البساطة وتتقبل اللغة الثانية؟، أم انك سترفضها وتحتفظ بملامحك الأصيلة الضاربة في عمق التاريخ ؟. 

ألا تعلم يا ديناريوس إنَّ سويسرا سيدة الديمقراطية تنتمي إلى ثلاث قوميات (ألمانية، وفرنسية، وايطالية)، بيد أن عملتها تربعت فوق منصة البنوك الدولية، ونالت أرفع المراكز في عالم البورصة والمال بلغة واحدة لا تعرف غيرها.  

أولم تعلم يا ذخيرة كنوز العراق أن الهند تتحدث بأكثر من مائتين لغة، تتفرع منها (1652) لهجة، منها الهندية والأوردية والسنسكريتية والتاميلية والدرافيدية والبنغالية والبوجبورية والبنجابية والكشميرية والسندية والتيلوغوية والكنادية والبجرية والمليبارية والنيبالية والماروارية، لكن (الروبية)، و(البيزة) كُتبت باللغة الهندية الآرية، التي يتحدث بها 74% من سكان الهند، فكيف ترضى لنفسك أن تصبح هجينا مشوشا قلقا متذبذبا، وتفرط بلسانك العربي ؟. 

ألا تدري يا سيد النقد العربي أنَّ بريطانيا تضم القوميات الاسكتلندية والويلشية والايرلندية خلف أسوار المملكة المتحدة، وفيها نحو ثلاثة ملايين مسلم، بينهم حوالي مليون عراقي، ومع ذلك جاءت عملتها بلغة ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، فما الذي دهاك أنت حتى ترطن بلسان أعجمي ثقيل؟. 

أولم تعلم يا زعيم الفلوس والدراهم أن الاتحاد السوفيتي السابق كان يضم أكثر من ثلاثين قومية، بيد أن (روبل) القياصرة والبلاشفة والمناشفة، ظل يتفاخر بلغته الروسية المسقوفية، التي تحدث بها (ليو تولستوي)، و(مكسيم غوركي)، و(دوستويوفسكي)، و(ميخائيل بولغاكوف)، فما الذي ستقوله أنت للجاحظ والفرهيدي والأصمعي والحريري والمبرد والمتنبي والجواهري ومصطفى جواد إذا خسرت لغة الضاد الفصيحة الصحيحة، وارتميت في أحضان اللهجات الكردية (السورانية والكورانية والكرمانجية واللورية)، التي تنتمي كلها إلى اللغات (الهندو إيرانية) ؟، فهل ستستسلم وتتخلى عن لغة القرآن الكريم ؟، أم أنك ستتمسك بعروبتك وأصالتك، وتحتفظ بوقارك وطلعتك البهية؟ 

وليكن في علمك يا ملك الدنانير والقروش والفلوس والدراهم إنَّ من يتمسك بأصله وأصالته لن يفقد قيمته، ولن يضل طريقه أبداً أبداً.

(حسين) … قريبا من (غينيتس)

كلما وقفت في محراب الطفولة مبهورا مأخوذا بسحرعوالمها وبراءة أحلامها لمعت في ذهني عبارة لشاعر الهند الحكيم (طاغور) يقول فيها : (أن كل طفل يولد يحمل رسالة تقول ؛ أن الله لم ييأس بعد من الانسان ) ،، مفتتح هذا الدخول يسير نحو تقيم عطاءات موهبة عراقية أحسبها نادرة تستحق منا نحن من يسهم في صناعة الرأي عبر وسائل الاتصال والاعلام أن  نحث الخطى من أجلها كي تصل باستحقاق واثق وتوضيح أكيد للدخول الى مصاف الاعتراف بعمق وثراء وتنوع ما يسكن عقل وتفكير تلك الموهبة المتجسدة بملكات الفنان الصغير(حسين حافظ لعيبي) على مستوى العالم ومديات ما كان يحلم والده الفنان الكوميدي المعروف في أن يأخذ بأبنه (حسين) لكي يدخل كتاب (غينيتس) للارقام القياسية على أساس أنه اصغر مصور ومخرج وكاتب سيناريو وحوار في العالم أذ أستطاع مذ كان في التاسعة من عمره أن يحقق مشاهد وأفكارا و رؤى فاقت الكثير من هم في تلك المرحلة الطفولية وبتفوق نوعي عال نال عنه الاشادة والاعجاب والترحاب في كل الاوساط التي شاهدت محاولاته الاخراجية وافكاره البصرية التي يقسم (حافظ لعيبي) ان لا دخل له بكل ما أنجره (حسين) الذي فاجأنا قبل أيام بعرض فلمه القصير الذي حمل عنوان (العازف الصغير) بطولة الفنانين سوسن شكري وجلال كامل بحضور متميز حفل به المسرح الوطني من خلال وجود عدد كبير من الفنانين فضلا عن بعض رجال الدين وأثنين من أعضاء مجلس النواب قالوا شهاداتهم بحق رصانة وثقة وعمق موهبة (حسين) الذي لخص بعفوية خالصة عبر كلمات أدلى بها حال أنتهاء عرض فلمه الذي أنتجه بصعوبة وصبر وتحد على حسابه الخاص وبمساعدة بسيطة من أصدقاء والده فيما يتعلق بتوفير بعض اجهزة التصوير والاضاءة ومستلزمات المونتاج والمكساج حيث راح  يحدثنا هذا المخرج العراقي الصغير الكبير بتلقائية ونبرة مطمئنة وبتواضع مدرك وملموس عن ما يدور وما كان يدور قبل ثلاث سنوات هي مثابات عمره الفني بعد دخوله العام الثاني عشر من عمره الزمني ،، لكي يتحفنا بهذا العرض المؤثر رهن  فكرة عميقة ومعالجة اخراجية بارعة وتقطيع ماهر باهر أمسك بخيوط فكرته وقدرته على التعامل من نجمين عراقيين لطالما وقفوا أمام عدسات الكاميرا منذ عقود أعطت لهم سمة النجومية الحقة سوسن وجلال أمام رؤى حسين الحافظ هكذا اسماه مدير عام دائرة السينما والمسرح ( د.شفيق المهدي) لحظات تقيمه لملكات وتطلعات ورؤى هذا المخرج الذي لو ولد بغير العراق لتحدثت الدنيا  عنه لأيام طوال و(أنثبرت) عليه كل وسائل الاعلام والفضائيات في الترويج وأجراءات اللقاءات والمقابلات ولتعاملت وتعاقدت معه شركات الانتاج ودور العرض وأخذت به – فعلا- المؤسسات الخاصة بشأن رعاية الواهب الى بوابات كتاب المدعو (غينيتس) وهو ليس بكثير على (حسين) الصغير الكبير بروح ما تعتمل روحه الطرية من فكر وعمق واتزان وهموم ابداعية تفوق سنوات عمره المثبتة في سجلات الاحوال المدنية ،، لا أريد أن أنهي احتفالي بهذا الفتى الموهوب باي شيء من موجات الآسى والحزن ولكني وجدت من الضرورة ان أذكر – هنا – عبارة قاسية مفادها يقول ؛ (ما تلده الأم … تقتله الأمة) بجفاء اهمالها للمواهب الحقيقية .!!

الجامعة العربية والمنخفض السياسي ” سورية مثالا “

عندما يسود المنخفض السياسي على دولة من الدول أو مجموعة دول تصبح مهيأة للاحتلال .وقرار الجامعة العربية ضد سورية والشعب السوري بتجميد عضويتها وفصلها من الجامعة العربية ودعوة جيشها للتمرد هي قرارات ليست فقط غير مسبوقة لجامعة لم تحرك ساكنا في ألاحداث العربية الساخنة مثل :-

1-  قضية الشعب الفلسطيني وظلامته التاريخية مع غطرسة ألاحتلال الاسرائيلي.

2-  قضية الشعب البحريني ومطالبته بالحرية وقمعه من قبل قوات درع الجزيرة.

3-  قضية الشعب العراقي مع ألاحتلال والإرهاب .

4-  قضية الشعب اليمني والتدخل العسكري السعودي وضربه الحوثيين وهم جزء من الشعب اليمني المطالب بالحرية .

وقرار الجامعة العربية لم يكن قانونيا للأسباب التالية :-

1-  هو قرار مخالف للنظام الداخلي للجامعة .

2-  هو قرار يدعو الجيش السوري الى التمرد وهذا ليس من حقه .

3-  هو قرار مستعجل لم ينتظر قيام اللجنة العربية التي شكلها هو لزيارة سورية والاطلاع عن كثب عن سير الأوضاع الداخلية وسماع صوت المواطن السوري صاحب الشرعية .

4- هو قرار يساوي بين الإرهاب للعصابات المأجورة والتي أعلن الشعب السوري رفضها والتبرؤ منها وبين الدولة التي تحمي مواطنيها من عنف العصابات الإرهابية .

وقرار الجامعة العربية يكشف عن المنخفض السياسي الذي تعيشه هذه المنظمة ومن يمثلها من أنظمة ثبت خنوعها للإرادة الأمريكية والصهيونية بشكل لامثيل تاريخي له للأسباب التالية:-

1-  لم تعترض على الدعوة الأمريكية غير المسبوقة لعصابات التمرد في سورية بعدم تسليم أنفسهم للسلطات السورية التي منحتهم عفوا عاما كجزء من تنفيذ توصيات اللجنة العربية ، ولم تعد هذا تدخلا في الشؤون الداخلية لدولة عضو في ميثاق الجامعة العربية ومن المؤسسين لها .

2-  لم تعترض على المواقف التركية الداعمة للإرهاب ضد الشعب السوري.

3-  دعوتها للمجلس ألانتقالي السوري لتمثيل سورية في الجامعة العربية هو عمل إستفزازي ضد الشعب السوري والحكومة السورية , لآن غالبية الشعب السوري رفض هذا المجلس وأعتبره رهينة بيد القوى الخارجية .

4-  مسارعة ألإدارة ألأمريكية لتأييد قرار الجامعة العربية غير القانوني وغير السيادي يكشف مقدار التواطؤ الذي انحدرت اليه ألإطراف المتحمسة لاتخاذ القرار قبل استكمال جولات العمل العربي ولجانها مع الحكومة والشعب السوري .

5- عدم أدانتها للاعتداء الذي قامت به المجموعة المعارضة المتواطئة مع القوى الخارجية لضرب سورية ضد المجموعة المعارضة من الداخل السوري والتي حضرت للجامعة العربية لتمثيل الصوت الوطني المعارض والرافض للتدخل ألاجنبي .

6-  عدم أدانتها للعصابات الإرهابية التي قامت بالأعمال الإرهابية التالية :-

أ‌- القتل الجماعي والتمثيل بجثث المواطنين من الجيش والمدنيين في جسر الشغور .

ب‌- القتل والتمثيل بجثث عناصر الأمن والجيش ورميها أمام عدسة الكاميرات في نهر العاصي في حماة .

ت‌- الخطف والقتل للأبرياء من المدنيين في أحياء مدينة حمص .

ث‌- تدمير المنشأت المدنية والخدمية والأمنية في مدينة حماة ودير الزور ودرعا .

ج‌- وضع الألغام في بعض أحياء مدينة حمص .

ح‌- التعاون العلني مع السلطات التركية في أحداث المخيم على الحدود السورية التركية والذي شهد اغتصاب بعض النساء السوريات من دون أن تحرك الجامعة ساكنا في رفض مثل هذه الأعمال اللا إنسانية واللا أخلاقية .

وعدم إدانة الجامعة العربية لأعمال التحريض الإعلامي الذي مارسته علنا بعض القنوات العربية والتي قامت مجاميع من الشعب السوري ومنظماته بتقديم شكوى قانونية ضدها لم تلق أذنا صاغية من الجامعة العربية ؟

أن الوضع في سورية يختلف عن كل الحالات التي شهدتها المنطقة العربية ضد ألأنظمة الفاسدة , ومما يؤسف له أن تجار السياسة الكبار كانوا على أهبة ألاستعداد لاستثمار تلك ألإحداث لصالحهم وما قيام ساركوزي الفرنسي وكاميرون البريطاني بالزيارة المبكرة الى ليبيا الا تعبيرا عن ذلك ألاستثمار الغربي الذي لم تجن منه شعوب المنطقة العربية ألا مزيدا من ألاستغلال وتشويه البرامج الديمقراطية كما حدث في العراق .

ففي سورية رغم كل الأخطاء السابقة لنظام الحكم السوري ألا أننا رأينا الممارسات العملية التالية :-

1-  ألتفاف غالبية الشعب السوري مع النظام والتظاهرات المليونية في المدن السورية الكبرى لايمكن تفسيرها بغير ذلك .

2-  بقاء الجيش السوري موحدا مع النظام يعكس حالة من القابلية على البقاء .

3-  وقوف أغلب علماء الدين المسلمين المعروفين في سورية مثل الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ومفتي سورية ومفتي حلب ومفتي دمشق واللجان الشعبية في المحافظات مع النظام دليل على شعبية النظام التي يجب أن تحترم ديمقراطيا .

4-  وقوف رجال الدين المسيحيين مع النظام دليل أخر على أتساع شعبية النظام؟ ونظام يحظى بهذا القدر من التأييد الداخلي تعتبر عملية زعزعته نوعا من التدخل في شؤونه الداخلية وهو عمل ليس فقط ليس ديمقراطيا وأنما هو عمل غير أخلاقي .

ثم أن الحماسة الأمريكية غير المبررة لإسقاط نظام يحتضنه غالبية شعبه هو موقف مدان ومشبوه ولا يمكن أن يكون ألا لصالح الصهيونية الصديق الدائم للقيادة الأمريكية التي تتبنى المقولات التوراتية بحماسة منقطعة النظير , وهذا مما لم تعتني به النخب العربية تاريخيا وهو مؤشر من مؤشرات المنخفض الثقافي والسياسي في أن معا .

خلاصة العظمة

استلهموا احدى كتابات جبران خليل جبران عن ذاك الذي وقف امام المرآة ، ورأى في نهاية الامر انه خلاصة العظماء فهو قزم ونابليون قزم ، وانه اصم وبتهوفن اصم وهو ضخم الانف وكذلك فلان العظيم وانه بالغ النحافة، وبأسنان متدلية خارجا، وبلسان ثقيل وعين كريمة واقرع… والخ،  من عيوب اصيب بها هذا العظيم وذاك …

كأن هناك من السياسيين من استلهم حكاية جبران ونسج على منوالها، فالنصف مليون مفقود لها ما يناظرها في التجربة الفلانية والاكثر من مليون شهيد علامة تفتخر بها الامة الفلانية ، وتسلم السلطة من يد محتل تحسب على الدهاء والدهاة.. وفي العراقيين المشردين في بقاع الارض كذلك، وفي (معجزة) التيار الكهربائي والبطالة والعنوسة والأمية ومأساة الخدمات الصحية ، والاف الوثائق الدراسية المزورة والقتل اليومي والانتفاع المرن من دستور برايمر المكتوب (المسلوق)في اميركا وفي ابتكار ديمقراطية مطعمة بالطائفية، وتسير عكس اتجاه التاريخ والعصر وفي هذا النهب الفاضح والفج للثروات كل ما حدث عندنا حدث ايضا في افضل واعظم تجارب الدول والامم  المختلفة. لهذا ففي العراق برأي سياسيين يقفون أمام مرآة جبران، تتجسد اعظم تجارب السياسة، وبذلك تتحول الرمم والنفايات الى جبال من الذهب والماس والياقوت المحمولة على اطباق وحقول من الزهور.. فهل يحدث هذا ؟؟

ولكن من شأن البلادة ان تصدق ما لا يصدق وان البلايا والنوازل قد تأتي بالوعي المناسب تماما، وبعض المبتلين بضروب من العوق والمرض مع ضرب من البلاهة احيانا للتخفيف من المأساة وحجبها. وتبدو البلاهة عملية دفاعية جادت بها الطبيعة التي ظلمته وستكون صورة جبران العراقية صادقة في وجدان سياسيين عراقيين منسوجين من الاوهام والخرافات ومختلف ضروب الجهالات ولا يحسون بإنهاك العراقي ولا يتذكرون ان واقعة واحدة كالحصار الاميركي تكفي للاجهاز على اقوى شعب ، ولا يشعرون ولا يدركون ان ما عاناه هذا الشعب لم يجر على شعب آخر، وكان يفترض التعامل  معه بالعناية المركزة وبمستشفى الامراض النفسية والعصبية وبروح مسيحية بالصفح والتسامح والمحبة وببرامج اعادة التأهيل ولم يكن شيء من هذا كله لسبب بسيط هو ان السعداء في السياسة غير معنيين بمضاعفة سعادة المجتمع على العكس، ينتظر هذا السياسي امتنان العراقيين واداء صلاة الشكر لله على بناء تجربة هي خلاصة عظمة العظماء كما بدت في مرآة جبران مع الجزم ان لا احد منهم قرأ جبران فهي من بنات بطنه..

أثمن اللقى

منذ ان تعلمت البشرية حرفها الأول في التدوين والإنسان ما فتئ يتعلم ويتعلم من دون توقف او انقطاع، مثله مثل ظامئ أسطوري، وهو فعلا كذلك، لايرتوي وان شرب محيطات الأرض، بل المجرات كلها ومنذ ذلك الحين توثقت الصلة بين الإنسان والكتاب بنحو لا فكاك منه، ولم يكن الامر يسيرا أو سهلا بل اكتنفته عقبات ومصاعب عدة، حتى أمسى الكتاب الوسيلة الأشد فاعلية وتأثيرا في تعميق التواصل والتفاهم بين بني البشر، فضلاً عن تمثيله ذاكرة خزنت التجارب المؤلمة والمفرحة والتي كابدها وعاشها الإنسان وبالتالي صار له بفضل ذلك تاريخ يعتد به ويعود الى ذلك دائماً كلما دعت الضرورة الى اتخاذ موقف او تأسيس رأي حيال ما يواجهه من تقلبات أحوال الحياة وصيرورتها.

وليس بالمستطاع البت بنحو قاطع عن تاريخ أول مكتبة أسسها الإنسان فهناك مكتبة بابل الشهيرة والتي استثمرها ادبيا بورخس ومحمد خضير وآخرون وعدد من الرقم والألواح الطينية التي دون عليها ابن الرافدين او ابن النيل لواعجه وهمومه وأحلامه وكوابيسه واستمر الحال على هذا المنوال حتى أقيمت إمبراطوريات وممالك ودول فكان لابد من ان تتسع رقعة انتشار الكتاب وحجم خزائنه فكانت مكتبات بغداد في العصر العباسي نموذجاً ساطعاً لبلوغ الحضارة شأناً رفيعاً في هذه البقعة من الأرض، ومن ثم هنالك مكتبة الاسكندرية الشهيرة التي حوت أركان المعرفة الإنسانية من كل حدب وصوب، وظلت علاقة الإنسان بالكتاب بين مد وجزر فحين تستقيم أمور الحياة للناس ازدهرت عملية تعاطي الكتاب وبالتالي ازدهرت أسواقه ولما تنتكس تلك الحياة بفعل الغزو او الاستبداد الذي كابدته البشرية وذاقت مرارته بتأثير استبداد الطغاة حتى يومنا هذا.

قيل في علاقة الكتاب بالإنسان وهي حتما علاقة من نوع فريد وخاص جدا الكثير شعراً ونثراً، وظل الكتاب خير جليس يمكن ان يأتمنه جليسه (القارئ) ليودعه أسراره وأحلامه وإرهاصاته الحياتية اليومية ورؤاه المستقبلية سواء بسواء، والامر المميز في تلك العلاقة انها جسدت إبداعات ثلة من البشر كان لها قصب السبق في الإبداع الفكري والأدبي على مر العصور، اذ مثلت فنارات هادئة لسفن البشر التائهة في عباب محيطات وبحار الحياة المتلاطمة، فكم من شاعر هزنا من الجذور قرأنا له ديواناً ضمته دفتا كتاب وكم من روائي تفاعلت عواطفنا مع احداث قصته وأبطالها حتى حفروا أسماءهم ولحظات أفعالهم في وجداننا بنحو لا يمكن ان يمحى.

ربما جاز لنا القول ان أثمن وأعظم وأرقى ما أنتجته أنامل وعقل البشر على مر العصور هو الكتاب ولسنا نعتقد بيوم يأتي على الناس تنقطع فيه تلك الصلة الحميمة بينهم وبين ما تحمله الكتب من دروس وتجارب وعبر.

حتى أنت يا شيخ الدنانير؟؟

حتى أنت يا شيخ العملات المالية كلها ستفقد ملامحك العربية في العراق، وترتدي السروال الكردي؟، وهل ستخسر لغتك الجميلة الموشومة على وجنتيك بالخط الكوفي، كان بريقك ولمعانك رمزا للثروة والثراء، وعلامة من علامات الرقي والحضارة، ولدت في روما القديمة، وسجلت اسمك الأول بعد ولادتك الفضية، فكنت باللاتينية (ديناريوس) وتعني عشرة، لأنك كنت تساوي وقتذاك عشرة آسات برونزية، ثم جاءت ولادتك الذهبية على يد يوليوس قيصر، وتحسن اسمك ورسمك شيئا فشيئا حتى أصبحتَ (دينر) على لسان الإمبراطورية البيزنطية، لكنك سرعان ما انتقلت إلى الشام وارتديت حلة عربية قشيبة زاهية رائعة بروعة الخلافة الإسلامية، ونلت شارتك العربية لتصبح دينارا عربيا، فتسيدت على العملات كلها في الشرق والغرب، وذاع صيتك من يومها بين الشعوب والأمم، وها أنت اليوم تمثل القيمة النقدية الرسمية في الجزائر وليبيا والبحرين وتونس والأردن والكويت والجمهوريات اليوغسلافية المتفككة، بيد انك في العراق تميزت بحمل ختم الدولة العربية على صورتك الورقية، وهو الختم الذي حملته الدنانير الذهبية البغدادية على جبينها الناصح المتلألئ، وتداوله الناس من قرطبة في الأندلس إلى سمرقند وخوارزم وبلاد ما وراء النهر:-

لا إلــــه إلا

الله وحــده

لا شريك له

ترى كيف سيصبح شكلك يا أبو الدنانير بعد إقحام مفردات اللغة الكردية على بياناتك المثبتة في هويتك العربية؟؟. وكيف ستتعامل مع هذا الوضع الطارئ على سيرتك النقدية العريقة؟، وهل ستتنازل حقا عن أصالتك بهذه البساطة وتتقبل اللغة الثانية؟، أم انك سترفضها وتحتفظ بملامحك الأصيلة الضاربة في عمق التاريخ ؟. 

ألا تعلم يا ديناريوس إنَّ سويسرا سيدة الديمقراطية تنتمي إلى ثلاث قوميات (ألمانية، وفرنسية، وايطالية)، بيد أن عملتها تربعت فوق منصة البنوك الدولية، ونالت أرفع المراكز في عالم البورصة والمال بلغة واحدة لا تعرف غيرها.  

أولم تعلم يا ذخيرة كنوز العراق أن الهند تتحدث بأكثر من مائتين لغة، تتفرع منها (1652) لهجة، منها الهندية والأوردية والسنسكريتية والتاميلية والدرافيدية والبنغالية والبوجبورية والبنجابية والكشميرية والسندية والتيلوغوية والكنادية والبجرية والمليبارية والنيبالية والماروارية، لكن (الروبية)، و(البيزة) كُتبت باللغة الهندية الآرية، التي يتحدث بها 74% من سكان الهند، فكيف ترضى لنفسك أن تصبح هجينا مشوشا قلقا متذبذبا، وتفرط بلسانك العربي ؟. 

ألا تدري يا سيد النقد العربي أنَّ بريطانيا تضم القوميات الاسكتلندية والويلشية والايرلندية خلف أسوار المملكة المتحدة، وفيها نحو ثلاثة ملايين مسلم، بينهم حوالي مليون عراقي، ومع ذلك جاءت عملتها بلغة ريتشارد قلب الأسد ملك انجلترا، فما الذي دهاك أنت حتى ترطن بلسان أعجمي ثقيل؟. 

أولم تعلم يا زعيم الفلوس والدراهم أن الاتحاد السوفيتي السابق كان يضم أكثر من ثلاثين قومية، بيد أن (روبل) القياصرة والبلاشفة والمناشفة، ظل يتفاخر بلغته الروسية المسقوفية، التي تحدث بها (ليو تولستوي)، و(مكسيم غوركي)، و(دوستويوفسكي)، و(ميخائيل بولغاكوف)، فما الذي ستقوله أنت للجاحظ والفرهيدي والأصمعي والحريري والمبرد والمتنبي والجواهري ومصطفى جواد إذا خسرت لغة الضاد الفصيحة الصحيحة، وارتميت في أحضان اللهجات الكردية (السورانية والكورانية والكرمانجية واللورية)، التي تنتمي كلها إلى اللغات (الهندو إيرانية) ؟، فهل ستستسلم وتتخلى عن لغة القرآن الكريم ؟، أم أنك ستتمسك بعروبتك وأصالتك، وتحتفظ بوقارك وطلعتك البهية؟ 

وليكن في علمك يا ملك الدنانير والقروش والفلوس والدراهم إنَّ من يتمسك بأصله وأصالته لن يفقد قيمته، ولن يضل طريقه أبداً أبداً.

من يعيد لنا أرصفتنا… ؟

لست خبيرا في تخطيط المدن، ولكن مجموع مشاهداتي لمدن أوروبية أو شرقية متمدنة أو كانت متخلفة، فهي تعنى بالأرصفة وتعدها معلما جماليا وتأكيدا على قدرة الحكومة المتجسدة بادارات بلدية ميدانية وشجاعة تطبق القانون من دون الخنوع لضغوط عشائرية أو مليشياوية أو استمالات شخصية…!

تشهد أرصفتنا فوضى مبرراتها حركة الأعمار التي لا تنتهي ولا تقفل ملفات الشوارع في تاريخ معلوم، بل وللأسف ننفق المليارات في هذا المكان لنعود ننبشه مجددا ونعمره بعقود مليارية ويتكرر الأمر لأكثر من مرة وقديما قالوا “لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين” وأرصفتنا لدغت عشرات المرات ومازالت النهائيات سائبة وتخضع لامور تجريبية من شركات عراقية وهمية خربت ولم تعمر تلتها تعاقدات بعمق ايراني هي الأخرى لم تنتج ما يسرّ النظر وتركت أعمدة المدارس مجرد هياكل من حديد، ثم دخلنا العصر التركي لنقوم بتخريب كل ما انجزناه بانتظار معجزة الاناضول والتي من المفترض انها تظهر قبل انعقاد القمة وتأجلت القمة مرات متعددة ولم تستكمل الشركات التركية اعمالها لكي نرى نهاية وملفات تغلق لننتقل لاعمال اخرى داخل الازقة…!

أرصفتنا مستباحة من أصحاب البسطيات وامتدادات المحال وحتى من أصحاب الدور الذين استحوذوا على الارصفة وأحاطوها باسيجة غير نظامية، تاركين المارة لا يجدون طريقا أو سبيلا للمرور، ويحدث كل هذا وفرق الأمانة لا تراقب ولا تعاقب حتى تحولت ازقة بكاملها لواجهات صناعية تديرها شخصيات استحواذية من جهلة الفيترية وأصحاب الحرف الأخرى ذات العلاقة بالمركبات، وليس غريبا ان تشيع هذه الشخصيات في الاحياء السكنية فوضى من خلال اساءة استخدام الأرصفة ومداخل الأزقة، ناهيك عن انعكاسات اجتماعية خطيرة تنتج عن احتكاك السكان بالبعض من هؤلاء والذين يفترض ان تخصص لهم اماكن خارج الاحياء السكانية لاسيما ان العاصمة امتدت وما كان في الاطراف اصبح في المركز.

إننا بحاجة ماسة لتخطيط حضري جديد واجراءات فورية لايقاف التجاوزات وتعيد للحي السكني هيبته وحرمته وتحميه من المتطفلين وكلنا بانتظار هذه الصحوة الغائبة..

الجرذان !!

لا شك ان (المختبر)، هو أهم صيحة علمية في عالم الاختراعات على مدى التاريخ الطويل لمسار البشرية، برغم ما نكنّه من احترام كبير وتقدير عال للاختراعات المذهلة في شتى الميادين، بخاصة في ميدان الطب، ذلك لأن هذا البيت الأنيق الصامت بمعداته وأجهزته وهيبة علمائه، هو القاعدة التي انطلقت منها تلك المنجزات الإنسانية الكبيرة، وهو الحاضنة الطبيعية التي وقفت، ومازالت تقف وراء حالات التطور المتواصلة.

وربما كان من الطريف حقا، ان يرتبط اسم هذا الاختراع العملاق بمخلوقات مؤذية، قد تثير قرف البعض منا ، تدعى (جرذان المختبر)، مع ان العديد من المختبرات لا تحتاج الى مثل هذه المخلوقات، ولو أمعنا النظر جيدا، فأن هذه الجرذان التي لا نرى فيها إلا صورة الاعتداء على ملابسنا ومطابخنا وأطعمتنا، قدمت للإنسان خدمات جليلة، وهي تعرض نفسها للتخدير والتشريح والتعذيب وحتى الموت من اجل ان نحظى بعد آلاف التجارب القاسية على جسمها ورأسها وحريتها وأمنها وحياتها العاطفية بنتيجة ايجابية، أو ابتكار يعود علينا بالفائدة ولو كان ابن ادم وفيا لأقام لهذه الكائنات المضحية أفخم التماثيل ومنحها أنواط الاستحقاق العالي !!. 

على ان مفهوم (التجارب) الذي ارتبط ببعض حقول العلم سرعان ما أخذ مدى أوسع يشمل العلوم كافة، ولم يمض وقت طويل، حتى استعارت العلوم الإنسانية هذا المفهوم، وتمادت أحيانا في استعماله، بحيث أصبحنا نسمع عن تجارب الفن التشكيلي والشعر والقصة والمسرح، أكثر مما نسمع عن التجارب النووية والأسلحة المحرمة دوليا !.

كان من الطبيعي ان لا تقف (نهازة الفرص) كما يسمّيها البعض ويقصدون بها السياسة، متفرجة أو بعيدة عن حقل التجريب، فقد استعارت مفهوم التجربة بكل ما أوتيت من قوة، ولو استعرضنا السياسات العالمية لوقفنا على آلاف الأمثلة التي مارست فيها الحكومات والأنظمة أنواع التجارب، وربما كان الوضع العراقي ما بين 2003 -2011 أقرب الأمثلة إلينا وأكثرها وضوحا، فقد عشنا تجارب منوعة وغنية، ابتداء من العلاقات القائمة بين السياسيين، فهم أخوة وأعداء وأصدقاء وأخوة أعداء، ووجوه لا تطيق بعضها البعض على الشاشة وأمام الجمهور ووجوه متآلفة متحابة بعيدا عن الشاشة والجمهور، مرورا بالاجتثاث والمساءلة والعدالة، والعبادة في محراب الدستور مرة، وفضح نقائضه وعيوبه مرة أخرى، ومرورا كذلك بتجارب الديمقراطية والانتخابات (والفوضى الخلاقة) وما لا يحصى من التجارب، وانتهاء بتجارب السلطة وأسمائها وأوصافها، فقد عرفنا في أقل من تسع سنوات، الحاكم المدني وسلطة الائتلاف ومجلس الحكم والحكومة الانتقالية والوطنية والشراكة … وما ينتظرنا من تجارب جديدة يقع علمها عند الله !.شيء واحد يستحق الذكر والتذكير هنا وهو ان المواطنين الكرام كانوا حقل التجارب وجرذان المختبر التي توصّل السياسيون من وراء تضحياتها الى نتائج ايجابية وابتكارات عادت عليهم بالفائدة، ومع ذلك لم يقيموا لهم تمثالا، ولم يمنحوهم أنواط الاستحقاق العالي، ولم يذكروهم بكلمة شكر !!. 

إصرار المفاجأة

رغم الاهوال المتواصلة ..ظل الواقع العراقي مصرا على مفاجأة المواطن واثارة استغرابه … فيكتشف انه اكثر طيبة وحسن نية مما كان يظن …وقد حسب اعمال التفجير والقتل والاغتيال على السياسة وعلى هذا الطرف اوذاك ,ولم يخطر له ان يحيلها الى الحسابات التجارية والصفقات المختلفة والمصالح الوظيفية…ويؤمن احد المفجوعين بولده ان من اغتاله متضرر او خاسر في عقد مقاولة … في  حين يجزم اخر ان من استهدفه بعبوة ناسفه لسبب اتفه: منافسة على موقع وظيفي  ..او تعبير عن غيض من نجاح …وليس من هذا الطرف المسلح المعروف او ذاك ….

تصور ..ان من لا يفوز باعلانات الوزارة  قد يشتعل غيضه وينتقم لخسارته بتفجير عبوة بمن يظن انه وراء تلك الخسارة وقد يعمد للمسدس الكاتم …فالقتل صار ممارسة ومهنة وعمل وصيغة من الحلول المتاحة …خصوصا في هذه (الحرية )التي تترك الانسان لطبعه وغريزته …والعدوان والمقاتلة غريزة في الانسان يمكن ان تبرز وتعلن عن نفسها اذا لم تجد من يردعها ..فالانسان وحش خارج المجتمع وبعيدا عن الدولة وسلطتها ..ورأى العالم انه كلما تراخت قبضة السلطة انزلق الامريكي والسويسري والانكليزي الى همجيته وسرق المتاجر والمحلات ونهبها واعتدى على غيره ..انها غريزة هذبتها الثقافة والحضارة ..وكذلك الغريزة المقابلة في داخله الغريزة الاجتماعية ..وفي العراق تعيش الغرائز وقتها الذهبي..والقتل قد يكون بدافع الحسد ..او الازاحة لنهب الوظيفة والمنصب ..وقد يكون بسبب الصفقات التجارية ..هكذا وببساطة..فكان كل هذا القتل والتفجير فضلا عن غايات وبرامج السياسة …واسهامات حتى الشركات فيها (وشركات نقال ايضا )

بأستثناء سعداء السياسة فاننا نعرف مع العالم ان اعمال القتل في العراق هي الاكبر في العالم ,رغم ان عدد القتلى لا يصل كله الى وسائل الاعلام ..ولو لم يكن الدهر امريكيا لاقامت امريكا الارض وافزعت البشرية بما  يرتكب في العراق ..وتحول القتل فيه الى حياة يومية والى خبر تقليدي  ولا يثير انتباها في حين تتناقل وكالات الانباء حوادث في بلدان اخرى دونها بكثير .

بات معروفا ومتداولا بين الناس وفي وسائل الاعلام ان الاميين والمزورين  والفاسدين لهم كلمة وتأثيرعام  وان الممارسات وصلت الى العلنية ..وعلينا ان نوطن انفسنا على سماع الغريب والمريع وان نصدق ان بعض القتلى لا علاقة لهم بالسياسة وحسابات الاطراف المختلفة ..وقد يكون القتل واستخدام الكاتم والعبوة بسبب خلافات الاطفال والشجارات بين الجيران ..لا أكثر.

من يعيد لنا أرصفتنا… ؟

لست خبيرا في تخطيط المدن، ولكن مجموع مشاهداتي لمدن أوروبية أو شرقية متمدنة أو كانت متخلفة، فهي تعنى بالأرصفة وتعدها معلما جماليا وتأكيدا على قدرة الحكومة المتجسدة بادارات بلدية ميدانية وشجاعة تطبق القانون من دون الخنوع لضغوط عشائرية أو مليشياوية أو استمالات شخصية…!

تشهد أرصفتنا فوضى مبرراتها حركة الأعمار التي لا تنتهي ولا تقفل ملفات الشوارع في تاريخ معلوم، بل وللأسف ننفق المليارات في هذا المكان لنعود ننبشه مجددا ونعمره بعقود مليارية ويتكرر الأمر لأكثر من مرة وقديما قالوا “لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين” وأرصفتنا لدغت عشرات المرات ومازالت النهائيات سائبة وتخضع لامور تجريبية من شركات عراقية وهمية خربت ولم تعمر تلتها تعاقدات بعمق ايراني هي الأخرى لم تنتج ما يسرّ النظر وتركت أعمدة المدارس مجرد هياكل من حديد، ثم دخلنا العصر التركي لنقوم بتخريب كل ما انجزناه بانتظار معجزة الاناضول والتي من المفترض انها تظهر قبل انعقاد القمة وتأجلت القمة مرات متعددة ولم تستكمل الشركات التركية اعمالها لكي نرى نهاية وملفات تغلق لننتقل لاعمال اخرى داخل الازقة…!

أرصفتنا مستباحة من أصحاب البسطيات وامتدادات المحال وحتى من أصحاب الدور الذين استحوذوا على الارصفة وأحاطوها باسيجة غير نظامية، تاركين المارة لا يجدون طريقا أو سبيلا للمرور، ويحدث كل هذا وفرق الأمانة لا تراقب ولا تعاقب حتى تحولت ازقة بكاملها لواجهات صناعية تديرها شخصيات استحواذية من جهلة الفيترية وأصحاب الحرف الأخرى ذات العلاقة بالمركبات، وليس غريبا ان تشيع هذه الشخصيات في الاحياء السكنية فوضى من خلال اساءة استخدام الأرصفة ومداخل الأزقة، ناهيك عن انعكاسات اجتماعية خطيرة تنتج عن احتكاك السكان بالبعض من هؤلاء والذين يفترض ان تخصص لهم اماكن خارج الاحياء السكانية لاسيما ان العاصمة امتدت وما كان في الاطراف اصبح في المركز.

إننا بحاجة ماسة لتخطيط حضري جديد واجراءات فورية لايقاف التجاوزات وتعيد للحي السكني هيبته وحرمته وتحميه من المتطفلين وكلنا بانتظار هذه الصحوة الغائبة..