أوفر حظا من خور عبد الله

غاب خور عبد الله عن حلبة المناقشات العلمية والحوارات البحثية في جامعاتنا العراقية, وتراجع عن أولويات مؤسساتنا الرسمية التخصصية, واختفى تماما منذ اليوم الذي تفجرت فيه أزمة (ميناء مبارك), الذي أنشأته الكويت فوق حافة الممر الملاحي الوحيد الذي تسلكه السفن العابرة للمحيطات في طريقها نحو ميناء أم قصر أو خور الزبير. وطوى زعماء قبيلتنا الخرائط التي رَسَمت مقتربات حدودنا البحرية المنكمشة إلى الداخل في خور عبد الله ورأس البيشة, ولم يعد يذكرها أحد, وتعمدوا تجاهل الموضوع حتى لا يتسببوا في زعل القبائل الشقيقة والصديقة, فجنحت بنا دفة الضياع نحو تطبيق سياسة اللامبالاة, ولاذ الجميع بالصمت المطبق, باستثناء فئة قليلة من أصحاب المواقف المنددة, الذين أبحروا وحدهم خارج مسارات الأسراب المؤيدة. .

أما مؤسساتنا البحثية المتخصصة في المجالات البحرية, (التشريعية والملاحية والجيولوجية والهيدروغرافية), فقد أشاحت بوجهها عن خور عبد الله, وانشغلت بتنفيذ مشاريعها الروتينية, ولم يعد لديها أي اهتمام بأطماع دول الجوار, ولم تكترث بتجاوزاتها المتكررة على مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية, فسجَّلَ الجغرافيون والجيولوجيون والملاحون والمهندسون الساحليون غيابا ملحوظا, ولم يشتركوا في الندوات والحلقات النقاشية, التي عقدتها المنظمات الجماهيرية في المدن العراقية للذود عن حقوقنا السيادية المسلوبة في خور عبد الله, ومما يبعث على الغرابة ان العاملين في المراكز العلمية العراقية تأثروا كثيرا بما فعلته الموجات المدية التي اجتاحت الجزر اليابانية, وغمرتها بالمياه, فوقفوا يذرفون الدموع على الدمار, الذي خلفته تلك الموجات الكارثية جنوب شرق آسيا, وكانوا يتابعون بشغف تغيرات قيعان البحار المصاحبة لآخر ثورات زحزحة القارات في واجهات الصفيح القاري, لكنهم لم يبدوا أي اهتمام بزحزحة الحدود البحرية الزاحفة نحو سواحلنا في الفاو, ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الدفاع عن قنواتنا البحرية, وبحرنا الإقليمي المنكمش على نفسه تحت ضغط الانتهاكات الحدودية المتكررة, ووجد الجغرافيون ضالتهم في التحدث عن جبال الانديز, وتضاريس البحيرات المرة, وهجرات السلالات البشرية من هضبة التبت, وارتفاع مستويات الرطوبة النسبية في غابات الأمازون, لكنهم كانوا يخشون التحدث عن جغرافية خور عبد الله, مفضلين عدم التطرق لظاهرة الاختزال الساحلي عند مقتربات رأس البيشة, فتجاهلوا المواضيع المرتبطة بمياهنا الدولية المتقلصة, وممراتنا الملاحية المتراجعة, والأغرب من ذلك كله أن جامعة البصرة عقدت مؤتمرها العلمي الأخير على قاعة كلية الصيدلة في (كرمة علي), من يوم 12/12/2011 ولغاية 15/12/2011, لمناقشة التنوع الحياتي في المسطحات المائية العراقية والكندية, ومناقشة التجربة الكندية في التحكم بنهر (فريزر), لكنها لم تتطرق في مؤتمرها لمشاكل مياهنا الإقليمية في خور عبد الله, ولم تتناول العوامل السلبية لمشروع ميناء مبارك وآثارها المباشرة على المسالك الملاحية المؤدية إلى موانئنا في أم قصر وخور عبد الله. وهكذا كان نهر (فريزر) الكندي أوفر حظا في العراق من خور عبد الله العراقي, وتقدمت مشكلة الملوحة في شط العرب على أزمة الملاحة في قنوات أم قصر, وشتان بين الملوحة والملاحة, فسلطوا أضواء المؤتمر على نهر (فريزر), وابتعدوا عن مشروع (مبارك), وجاء الابتعاد في توقيتات حرجة ترسم أكثر من علامة استفهام كبيرة على واجهات مؤتمراتنا, التي انشغلت ببعض المهم وتجاهلت الأهم, حتى صارت الأنهار التي تجري في وديان جبال الروكي الضيقة, وتصب في المحيط الهادي عند مدينة (فانكوفر), الواقعة على الوجه الآخر من كوكب الأرض, أوفر حظا عندنا, وأكثر اهتماما من خور عبد الله القابع خلف قضبان الحدود المفروضة علينا بالقرار (833), ودعاماته الحدودية الصفراء المغروسة في ظهر جبل سنام المهدد بالضياع. . في البصرة كرسّ الأكاديميون جهودهم لدراسة تيارات نهر (فريزر) الكندي, وتحمسوا للتعرف على خبايا هذا النهر, الذي يجري في مقاطعة (كولومبيا البريطانية) بقارة أمريكا الشمالية من المنبع إلى المصب, لكنهم فقدوا حماسهم هذه الأيام, ولم يتطرقوا لجفاف أنهارنا, وخفتت أصواتهم في التصريح عن انكماش سواحلنا, وتجاهلوا مناقشة التغيرات الجيولوجية والهيدروغرافية والملاحية التي ستعصف بمسطحاتنا البحرية في خور عبد الله, وخور وربة, وخور شيطانة, وخور السقة, وخور بحرة, وخور الثعالب, وخور الخفقة, وخور العُمَّية. والأخوار العراقية الأخرى التي لم يسمعوا ببعضها من قبل, ولا يعلمون حتى الآن أين تقع قناة (الروكا), التي تمثل العصب الرئيس, والركيزة السيادية لحقوقنا المنسية شمال الخليج العربي, ولا يرفضون حتى الإشارة لانحرافات مدخل شط العرب ولو بالهمس من بعيد. .نحن اليوم في أمس الحاجة إلى تعزيز قوتنا الثقافية التطوعية, وتوظيفها كلها في خدمة العراق لما لهذه القوة من أهمية كبيرة لبناء وطننا, الذي نخشى أن يصبح كما الجبل الذي تدكدك ثم مال بجمعه في البحر فاجتمعت عليه الأبحر, لذا فأن نداء الواجب يحتم علينا أن نندفع جميعا للعمل الوطني العفوي التطوعي , بحيث نكون أول المتصدين للأطماع الخارجية, وأول المتسلحين بمعاني العزة والكرامة والمروءة, في الذود عن مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية ومنافذنا البحرية ودعاماتنا الحدودية, وأن نقف صفا واحدا في مواجهة كل التحديات والمخاطر من دون خوف أو تردد, ومن دون يأس أو تخاذل.

الفرق بين الخور والهور

الخور: منخفض مائي في البحر

والهور: منخفض مائي في البر

العراق بين دكتاتورية الاحتلال وآثارها

(قالت ان الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة وكذلك يفعلون) – النمل – 24.

الاحتلال يرحل ولكن آثاره باقية ، وآثار الاحتلال على قسمين :-

1-  آثار مباشرة 

2-  آثار غير مباشرة 

أما المباشرة فهي :-

ا‌-     سفارة تتسع لـ”15000 ” منتسب من مختلف الاختصاصات ولمختلف الاغراض .

ب‌-     شركات استثمارية تفرض هيمنتها في النفط والطاقة ومختلف الاستشارات.

ت‌-      منظمات تسللت للعمل في مفاصل الدولة العراقية على مستوى المركز والحكومات المحلية مثل منظمة” RTI.

ث – فضائيات واذاعات مثل فضائية ” الحرة عراق “.

أما غير المباشرة مثل :-

1-  العلاقات ببعض الكتل والاحزاب بشكل غير منظور.

2-  قيام علاقات ببعض شيوخ العشائر على شكل صداقات تستثمر المناسبات لتعمق روح التغلغل والتاثير.

3-  مد جسور خفية مع بعض الشخصيات والوجوه الفنية بعنوان المودة والحداثة.

والاحتلال الاميركي امعن في احداث روح الهزيمة في نفسية الفرد والمجتمع العراقي من خلال :-

1-  تبني بعض الافراد المعروفين بميلهم الى حياة الحانات واللهو والمجون وهي حاضنات لا تنتمي لروح الاجتماع العراقي في قواسمه المشتركة تاريخيا.

2-  السعي لجعل السجون مكانا لتدمير القيم “حوادث سجن ابي غريب مثالا “.

3-  غض النظر عن فعاليات ونشاط القاعدة الارهابي داخل سجن بوكا وبقية السجون الواقعة تحت سيطرتهم، بحيث اصبحت تلك السجون مكانا لاصطياد الكسب الجديد بالنسبة للمجاميع الارهابية وهي مفارقة حفلت بها مرحلة الاحتلال الاميركي في العراق مع مفارقات اخرى كثيرة.

4-  العمل الحثيث لبث روح الفرقة بين المذاهب والطوائف بما يفكك لحمة الهوية الوطنية، ومن امثلة ذلك سؤالهم للسجناء عن انتماءاتهم المذهبية والتصرف بغلظة وخشونة مع من لايستجيب لميولهم في التفرقة ، وقد حدث ان ارجع ضابط اميركي احد شيوخ العشائر من ديالى الى السجن بعد ان افرج عنه عندما رفض الاستجابة لسؤال الضابط عن انتمائه المذهبي مكتفيا بالقول : ” اني مسلم عراقي “.

5-  التراخي وعدم الجدية في تدريب عناصر الجيش والشرطة طيلة ثماني سنوات.

6-  تعمد عدم تجهيز الجيش بالاجهزة والمعدات المتطورة ومن الامثلة على ذلك ” اجهزة كشف المتفجرات ” التي كانوا يعلمون بعدم فاعليتها.

7-  ترك المنافذ الحدودية بدون رقابة حقيقية وهم يعلمون ان ذلك يمنح الارهاب فرصة اضافية للتسلل والمرور حتى من المنافذ الحدودية لان السلطات العراقية كانت محدودة.

8-  ترك سماء العراق عرضة للاختراقات ، ولم يكونوا جادين في تسليم حماية الاجواء العراقية للعراقيين حتى قرب رحيلهم.

9-  تعمدهم تأخير بيع طائرات حربية متطورة من نوع فانتوم الى العراق الى ما بعد الانسحاب وكانوا بذلك يراعون رغبات من لايريدون للعراق ان يمتلك قوة لحماية سمائه وامنه.

10-  شجعوا على بقاء ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها محلا للخلاف بين الحكومة الفدرالية واقليم كردستان العراق.

ان الاحتلال الاميركي عمل على شكل الحكومة واجهزتها من خلال مايلي :-

1-  التعامل بغطرسة وتسلط في المواقف التي تحتاج الى قرار عراقي مما جعل المسؤولين العراقيين على مستوى المركز والمحافظات يقفون عاجزين ويلوذون بالصمت خوفا من العقوبة التي يستحضر وسائلها اصحاب القرار من مسؤولي الاحتلال.

2-  العمل على تسقيط المسؤولين العراقيين وما تصريحات السفراء الاميركيين في بغداد من بريمر الى يلماز خليل زادة الى آخر سفير كلها تنحو منحى واحدا في التشهير والتسقيط خصوصا مع وسائل الاعلام الاوربي والاميركي.

3-  تعمد الازدواجية في المواقف فهم ظاهرا مع الحكومة وفي ما خلف الكواليس يسمعونهم تأنيبا وتهديدا مبطنا.

ومن خلال كل هذه المظاهر وتلك المواقف والاجراءات فإن آثار الاحتلال ستظل تلاحق المناخ السياسي والاجتماعي العراقي لسنوات ، لان الذي زرعوه في جسم منظمات المجتمع المدني من عناصر ترجح مصالحها ومصالح الاجنبي على مصالح الوطن ستظل آثاره ماثلة لمدد مقبلة ، وان الذي اوجدوه من هوى في نفوس البعض لا ينسجم مع هوية وتطلعات الوطن سيظل كذلك ما بقي هذا البعض حيا، لان وجوده اصبح ملكا لرغبات اكبر سفارة في العالم هي السفارة الاميركية في بغداد.

فالآثار ستكون:-

1-  نفسية منحرفة 

2-  وسياسية فاسدة 

3-  واجتماعية متناقضة مع محيطها 

4-  وتربوية تختزن عقدا تغريبية لاتنتمي لهوية الوطن 

5-  وعقائدية مخالفة لروح الاعتقاد السائدة وطنيا 

هذا هو العراق بين دكتاتورية الاحتلال وآثاره ، يحتاج الى وحدة ابنائه وصفاء فكرهم الذي عمل الاحتلال على تعكيره وتلويثه ، فالمهمة ليست سهلة ولكنها ليست مستحيلة.

الطائفي طاغية بالضرورة

تتغلب عوالم واغراءات السلطة على الباذل المعطاء الفدائي الثائر وتحوله الى طاغية، والتأريخ حافل بمثل هذا النموذج.. انما الأكيد والقاطع ان السياسي الطائفي هو مشروع طاغية دائما.. لأنه لا يكون طائفيا ما لم تكن له مدارك وطباع وثقافة ونشأة معينة فهو كائن باتجاه واحد وجواب واحد.. وقد وصفه مفكرون دينيون وفلاسفة بضيق الافق وربما بكثير من البلادة.. ويخشى ان يخرج عن القطيع.. مع ضمير معطل بعد ان حصل على الحصانة والمشروعية من المقدس ذاته.. والمقدس لا يناقش ولا يحاور المقدس للتنفيذ.. بصرف النظر عما منحه المشروعية والقداسة فالعقل البسيط أو الرث غير جدلي .. ولا يستدعي النقيض.. ولا يضع في اعتباره احتمال ، مهما ضؤل ، ان الآخر قد يحمل الحقيقة أو بعضها.. كما لا تمتد نظرته إلى الغد وعواقبه.. وسيكون في السلطة قد ضمن الخلود والبقاء حال جلوسه على الكرسي… وتلك بعض خواص الطاغية.. وسيكون، في هذا الوقت من تطور العالم كارثة كونية.. واذا رأى محيي  الدين بن عربي فيه الغباء، فسيراه اليوم علامة على بدء القيامة… وستتحول حرية اليوم إلى اندلاع جحيم الفوضى.. يقف الطائفي على رأسها سعيدا جذلا متباهيا يرجو للعالم ان يمتثل التجربة، فخواصه لا تتيح له ان يرى إلا ما يريد ان يراه.. وبذلك فهو نموذج يتخطى وصف الفيلسوف لسنغ من ان الطائفي كائن همجي..لأنه ابليس ذاته..

الطائفي يتحرك ويمشي في طريق تضيق باستمرار (من الوطن اي الطائفة إلى العشيرة إلى العائلة إلى الابناء .. وإلى الذات) ولا يتسع في نهاية المطاف لغير جسده وذاته.. وقد يكشف عن هشاشة ايمانه وتقواه.. وان الطائفة انتماء العاجز للمجتمع.. وان الطائفية عنوان أو بوابة لتصريف الكراهية.. أي كراهية وقد وجدت اسمها المشروع… وكل معارف واصدقاء واقارب الطائفي من الطائفة الأخرى مستثنون وغير مشمولين بكراهيته.. وهل الطاغية غير كائن يشعر بالنبذ وترتفع فيه مناسيب الكراهية ونزوع الانتقام؟؟.

ويتجلى غباء وانغلاق وعزلة الطائفي، وان ردد مفردات عصر التنوير ومن ثم الحداثة وما بعدها وتواصل الكترونيا ببشر الأرض ورزم في حقائبه ارقى بدلات وموضات اوربا مع فيوض النور، يتجلى الغباء وهو يمضي عكس اتجاه العصر.. ولا يلتفت حتى إلى الافخاخ المنصوبة في طريقه الضيقة.. فهو يرسم الذروة للطغيان.. ويرسم طبيعته.. ويكرر القول انه يتجه إلى مصيره اتجاه الشاقول الى المركز..

أوفر حظا من خور عبد الله

غاب خور عبد الله عن حلبة المناقشات العلمية والحوارات البحثية في جامعاتنا العراقية, وتراجع عن أولويات مؤسساتنا الرسمية التخصصية, واختفى تماما منذ اليوم الذي تفجرت فيه أزمة (ميناء مبارك), الذي أنشأته الكويت فوق حافة الممر الملاحي الوحيد الذي تسلكه السفن العابرة للمحيطات في طريقها نحو ميناء أم قصر أو خور الزبير. وطوى زعماء قبيلتنا الخرائط التي رَسَمت مقتربات حدودنا البحرية المنكمشة إلى الداخل في خور عبد الله ورأس البيشة, ولم يعد يذكرها أحد, وتعمدوا تجاهل الموضوع حتى لا يتسببوا في زعل القبائل الشقيقة والصديقة, فجنحت بنا دفة الضياع نحو تطبيق سياسة اللامبالاة, ولاذ الجميع بالصمت المطبق, باستثناء فئة قليلة من أصحاب المواقف المنددة, الذين أبحروا وحدهم خارج مسارات الأسراب المؤيدة. .

أما مؤسساتنا البحثية المتخصصة في المجالات البحرية, (التشريعية والملاحية والجيولوجية والهيدروغرافية), فقد أشاحت بوجهها عن خور عبد الله, وانشغلت بتنفيذ مشاريعها الروتينية, ولم يعد لديها أي اهتمام بأطماع دول الجوار, ولم تكترث بتجاوزاتها المتكررة على مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية, فسجَّلَ الجغرافيون والجيولوجيون والملاحون والمهندسون الساحليون غيابا ملحوظا, ولم يشتركوا في الندوات والحلقات النقاشية, التي عقدتها المنظمات الجماهيرية في المدن العراقية للذود عن حقوقنا السيادية المسلوبة في خور عبد الله, ومما يبعث على الغرابة ان العاملين في المراكز العلمية العراقية تأثروا كثيرا بما فعلته الموجات المدية التي اجتاحت الجزر اليابانية, وغمرتها بالمياه, فوقفوا يذرفون الدموع على الدمار, الذي خلفته تلك الموجات الكارثية جنوب شرق آسيا, وكانوا يتابعون بشغف تغيرات قيعان البحار المصاحبة لآخر ثورات زحزحة القارات في واجهات الصفيح القاري, لكنهم لم يبدوا أي اهتمام بزحزحة الحدود البحرية الزاحفة نحو سواحلنا في الفاو, ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الدفاع عن قنواتنا البحرية, وبحرنا الإقليمي المنكمش على نفسه تحت ضغط الانتهاكات الحدودية المتكررة, ووجد الجغرافيون ضالتهم في التحدث عن جبال الانديز, وتضاريس البحيرات المرة, وهجرات السلالات البشرية من هضبة التبت, وارتفاع مستويات الرطوبة النسبية في غابات الأمازون, لكنهم كانوا يخشون التحدث عن جغرافية خور عبد الله, مفضلين عدم التطرق لظاهرة الاختزال الساحلي عند مقتربات رأس البيشة, فتجاهلوا المواضيع المرتبطة بمياهنا الدولية المتقلصة, وممراتنا الملاحية المتراجعة, والأغرب من ذلك كله أن جامعة البصرة عقدت مؤتمرها العلمي الأخير على قاعة كلية الصيدلة في (كرمة علي), من يوم 12/12/2011 ولغاية 15/12/2011, لمناقشة التنوع الحياتي في المسطحات المائية العراقية والكندية, ومناقشة التجربة الكندية في التحكم بنهر (فريزر), لكنها لم تتطرق في مؤتمرها لمشاكل مياهنا الإقليمية في خور عبد الله, ولم تتناول العوامل السلبية لمشروع ميناء مبارك وآثارها المباشرة على المسالك الملاحية المؤدية إلى موانئنا في أم قصر وخور عبد الله. وهكذا كان نهر (فريزر) الكندي أوفر حظا في العراق من خور عبد الله العراقي, وتقدمت مشكلة الملوحة في شط العرب على أزمة الملاحة في قنوات أم قصر, وشتان بين الملوحة والملاحة, فسلطوا أضواء المؤتمر على نهر (فريزر), وابتعدوا عن مشروع (مبارك), وجاء الابتعاد في توقيتات حرجة ترسم أكثر من علامة استفهام كبيرة على واجهات مؤتمراتنا, التي انشغلت ببعض المهم وتجاهلت الأهم, حتى صارت الأنهار التي تجري في وديان جبال الروكي الضيقة, وتصب في المحيط الهادي عند مدينة (فانكوفر), الواقعة على الوجه الآخر من كوكب الأرض, أوفر حظا عندنا, وأكثر اهتماما من خور عبد الله القابع خلف قضبان الحدود المفروضة علينا بالقرار (833), ودعاماته الحدودية الصفراء المغروسة في ظهر جبل سنام المهدد بالضياع. . في البصرة كرسّ الأكاديميون جهودهم لدراسة تيارات نهر (فريزر) الكندي, وتحمسوا للتعرف على خبايا هذا النهر, الذي يجري في مقاطعة (كولومبيا البريطانية) بقارة أمريكا الشمالية من المنبع إلى المصب, لكنهم فقدوا حماسهم هذه الأيام, ولم يتطرقوا لجفاف أنهارنا, وخفتت أصواتهم في التصريح عن انكماش سواحلنا, وتجاهلوا مناقشة التغيرات الجيولوجية والهيدروغرافية والملاحية التي ستعصف بمسطحاتنا البحرية في خور عبد الله, وخور وربة, وخور شيطانة, وخور السقة, وخور بحرة, وخور الثعالب, وخور الخفقة, وخور العُمَّية. والأخوار العراقية الأخرى التي لم يسمعوا ببعضها من قبل, ولا يعلمون حتى الآن أين تقع قناة (الروكا), التي تمثل العصب الرئيس, والركيزة السيادية لحقوقنا المنسية شمال الخليج العربي, ولا يرفضون حتى الإشارة لانحرافات مدخل شط العرب ولو بالهمس من بعيد. .نحن اليوم في أمس الحاجة إلى تعزيز قوتنا الثقافية التطوعية, وتوظيفها كلها في خدمة العراق لما لهذه القوة من أهمية كبيرة لبناء وطننا, الذي نخشى أن يصبح كما الجبل الذي تدكدك ثم مال بجمعه في البحر فاجتمعت عليه الأبحر, لذا فأن نداء الواجب يحتم علينا أن نندفع جميعا للعمل الوطني العفوي التطوعي , بحيث نكون أول المتصدين للأطماع الخارجية, وأول المتسلحين بمعاني العزة والكرامة والمروءة, في الذود عن مسطحاتنا المائية وممراتنا الملاحية ومنافذنا البحرية ودعاماتنا الحدودية, وأن نقف صفا واحدا في مواجهة كل التحديات والمخاطر من دون خوف أو تردد, ومن دون يأس أو تخاذل.

الفرق بين الخور والهور

الخور: منخفض مائي في البحر

والهور: منخفض مائي في البر

جواز”A” ومعاناة المواطنين

زارتني مجموعة من المهندسين الموفدين الى الدول الأوربية ومنهم من يحمل جواز سفر “G” وبعضهم يحمل جواز سفر “A” وهو الإصدار الجديد الذي فوجئ به جميع المواطنين، مثلما فوجئ به جميع المراقبين والمتابعين للتجربة العراقية في الحكم ولاسيما لونها الديمقراطي التعددي، والذي يبدو ان البعض منا لم يفهم الفدرالية والمركزية إلا انتصارا لخصوصيته وان اصطدمت بالحيثية القانونية للدولة ولهيبتها وحضورها السيادي المرتبط بالمواطن من جهة وبالمحيط الدولي من جهة أخرى.

وجواز السفر وثيقة قانونية دستورية شديدة الحساسية تجاه السمعة الوطنية، والمواطن الذي يحمل جواز السفر العراقي، إنما يعتبر ممثلا للعراق الدولة والوطن بغض النظر عن الحيثيات القومية وهي محترمة وبغض النظر عن الحيثية المذهبية وهي كذلك محترمة، واحترام هذه الحيثيات لدى كل امة متحضرة لا يشترط وضعها في جواز السفر سواء لغة مكتوبة أم عبارة مرموزة.

ان المواطن الذي يسافر اليوم لأغراض السياحة او التجارة او العمل او الإيفاد والذي أصبح يهم شريحة كبيرة من الأطباء والمهندسين وبقية الاختصاصات من أكاديميين وغيرهم أصبحوا اليوم عرضة للمنع من الدخول الى البلدان الأوربية ولاسيما الدول الاسكندينافية، فحملة جواز سفر A من العراقيين أصبحوا يعانون مشكلة تهدد مستقبلهم العلمي والمهني وهم يواجهون رفض تلك الدول الملتزمة بميثاق الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والتي تشترط وجود لغتين في وثيقة السفر وهي:

1- اللغة الأم للبلد.

2- واللغة العالمية وهي اليوم الانجليزية وفي بعض البلدان مثل إفريقيا تكون اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة.

أما عندما تضاف لغة ثالثة آلة وثيقة السفر فان الدول تتحفظ على تلك الوثيقة ولا تتعامل معها.

واليوم وبعد ان أصبحت هذه المعاناة تهم العراقيين جميعا هل لنا ان نسأل: 

1- كيف أنزلت اللغة الكردية التي نحترمها ونعتز بها في جواز السفر كلغة ثالثة خلافا للأعراف الدولية.

2- وهل نوقش هذا الأمر في مجلس النواب واتخذ قرارا به والشعب لا يعلم ذلك.

3- أم ان اتفاقا بين الكتل صاحبة المصلحة هو من كان وراء ذلك.

4- واليوم وبعد ان أصبح هذا الأمر مصدرا لمعاناة المواطن الذي يستعين بوثيقة السفر لتسهيل أموره في تنقله والحفاظ على كرامته وحقوقه من ان تنتهك وتصادر وهذا ما حدث للكثير من حملة جواز السفر “A”.

5-هل ستبقى الجهات التشريعية والتنفيذية تلوذ بالصمت والقضية أصبحت مشكلة لا تتحمل التأويل والتأجيل في الحل والمعالجة.

إننا نعتقد ان هناك تفسيرات خاطئة تعرض البلد للتراجع في المكانة الدولية والوزن السياسي.

وهذا الأمر يصبح قضية من قضايا الوطن الكبرى التي لا يجوز السكوت عنها او التغاضي معها كما جرى لبعض القضايا.

ان البرلمان العراقي مدعو لمناقشة هذه القضية ووضعها على جدول أعماله التي تكتسب أهمية خاصة من اجل رفع معاناة المواطنين أولا ومن اجل إرجاع هيبة الدولة العراقية التي أغرقتها المحاصصة بالكثير من التشوهات الثقافية والسياسية ومنها هذه القضية التي أضحكت علينا الأصدقاء قبل المناوئين والاعداء، فارحموا العراق وأهله، ولتكن مشاريعنا واقتراحاتنا لاتبتعد عن هوية الوطن الواحد الذي يضمن ويحتضن كل أبنائه من كل اللغات ومن كل الاجناس ومن كل الديانات فهذه هي الفسيفساء العراقية الجميلة التي تتناغم مع غيرها من فسيفساء الدول والشعوب التي تحتضن من القوميات اكثر مما نحتضن وتحتضن من اللغات والأديان اكثر مما نحتضن.

أعيدوا النظر في موضوع كتابة لغتنا الكردية الجميلة في جواز السفر حتى نحافظ على جمالها في القلوب والعقول، فتلك هي الوطنية التي تحتضن الفدرالية والتعددية بلونها الحضاري.

الربيع العربي

السياسة تاجر مصلحي نسيم ومراوغ، يطمح ان يكون كل شيء.. ويستأثر بكل شيء، لا يقيم علاقة مع احد، ولا يعترف بأية حقيقة، إلا بقدر ما تدر عليه تلك الحقائق والعلاقات من منافع، فإذا ما توقفت تلك المنافع كشر عن أنيابه وكشف عن وجهه المستور، وما بين ليلة وضحاها أبدل قناعه القديم بقناع جديد، ووقف من دون حياء او حرج الى جانب خصومه، وقلب ظهر المجن لحلفائه انه وهو يقدم على شراء البضاعة من الآخر، لا يتوانى عن التقليل من شأنها ونعتها بالكاسدة والرديئة، فإذا ما أصبحت بين يديه وأراد عرضها للبيع، رفعها الى السماء وتفنن وفي مدحها بما يعجز الشعراء المداحون عن الإتيان به! 

هؤلاء هم السياسيون – إلا من رحم ربي وتمسك بالعروة الوثقى – أفرادا كانوا ام أحزابا ام حكومات، صغارا او كبارا، لاتعرف لهم حقا من باطل ولا باطلا من حق، شتاؤهم غير صيفهم، وليلهم يختلف عن نهارهم، ونبقى نحن البسطاء، ذلك القطيع الكبير من المغفلين، أفرادا وجماعات وشعوبا نسير وراء تجارنا مغمضي العيون وجزءا من قافلتهم التجارية، نجلس حيث يجلسون ونسير وراء بوصلتهم، تأخذنا شرقا او غربا الى اليمين او اليسار وليس لنا إلا الطاعة، وليس لنا في البضاعة نصيب، هؤلاء هم نحن البسطاء المغفلين، نستخرج ثروات الارض ونحمل الذهب ونأكل العقول ولكن دوام الحال من المحال، وها هي بشرى الربيع العربي تهز غفلتنا من الأعماق وتبشرنا ان الأرض لمن يزرعها، وان زمن العاقول ولى من غير رجعة، وأولى بشائر الربيع المبكر انطلقت من العراق وانتشر أريجها الى تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين والأردن والكويت والسعودية، وكان ربيعنا من القوة والقدرة على التأثير بحيث وصل الى إيران والجزائر والمغرب، ولم تسلم منه بلدان أوربية لا تحمل شعوبها الذهب على ظهورها ولا تأكل العاقول، وكان كل ذلك من دواعي سعادتنا فما كان حلما نخشى البوح به بات حقيقة تصدح بها عاليا أصواتنا المخنوقة، الا ان فرحتنا لم تكتمل، فقد اطل علينا الساسة التجار – إلا من رحم بي – من جهات العالم الأربع وافسدوا حلمنا المتواضع، وكل يقودنا الى بوصلته وكأن مصالحهم تعارضت، فمن قائل ان ما يجري ان هو إلا خريف عربي، ومن قائل ان هو الا ربيع اميركي لا دور فيه ولا فضل للعرب الا بقوافل المساكين الذين قدموا حياتهم ثمنا للحلم الموعود، أما الثمرة حين تنفع فلن تقطفها الا سيدة العالم ذات القوة والهيمنة، ومن قائل ان البيع ما مر بغير العراق، ومن قائل ان التغيير العظيم الذي أنجزته الشعوب المتهورة في بلدان الرافدين والنيل وتونس وليبيا هو الحق العائد الى اهله، وان التغيير الذي تنتظر اليمن والبحرين والمغرب انجازه، هو كذلك حق مقبل في الطريق، اما ربيع سوريا المنتظر فهو فعل من تدمير الشيطان الأكبر، والشيطان مرحبٌ به في صنعاء، مرفوض في دمشق، ومن قائل ان شهداء القذافي في الجنة وشهداء الأسد في النار، ومن قائل ان نظام مبارك نقمة، ونظام بشار رحمة، ومن قائل الربيع حتمية التاريخ، وانه آت على الجميع طال الزمن أم قصر، ومن قائل احذروا الربيع فهو خديعة الغرب الى الشرق وموسم الحساسية والطفح الجلدي، اما نحن البسطاء أهل الغفلة من المحيط الى الخليج ممن أضاعوا البوصلة واختلطت عليهم الريح، فكنا ومازلنا في الشتاء والصيف والخريف والربيع، نزرع القمح ونأكل العوسج، وكأننا خارج المواسم والفصول وحتميات التاريخ والطبيعة والمنطق!. 

المتطرفـــــــــون وصلــــــــوا

من الأسئلة المطروحة بقوة الآن في عموم العواصم العربية, السؤال الذي يقول: هل استسلمت الثورات العربية للتيارات الإسلامية المتطرفة في مصر وليبيا وتونس ؟؟. الجواب القطعي هو: نعم . لكنهم لا يثقون بجسور الديمقراطية التي سمحت لهم بالتسلق الى القمة, ولا يؤمنون بها, لأنها في نظرهم تشكل مخالفة صريحة لعقيدتهم المتشددة, فالديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه, ويقول المتطرفون: (ان الأنظمة الديمقراطية لا تصلح لنا, ولا تنسجم مع تطلعاتنا), ومن لا يصدق هذه التوجهات الجديدة, يتعين عليه مراجعة تصريحاتهم, ويستمع لخطابات قادتهم الجدد, وينظر إلى تصرفاتهم التي لا تخلو من التطرف. . 

ظهر المتطرفون إلى السطح بعد زوال الأنظمة السابقة, فأخذوا يتصرفون وكأنهم هم الذين حرروا تونس والقاهرة وطرابلس من ثالوث (بن علي, ومبارك والقذافي), وتجاهلوا الجهد التعبوي واللوجستي والإعلامي الفعال الذي نهضت به الأطراف الداعمة لهم, والساعية لتجزئة وتفكيك البلاد العربية والإسلامية, والمتمثلة بأمريكا, وحلف الناتو, والمنظمات العالمية الخفية, وزعماء مجلس الدوما الخليجي, وفي مقدمتهم قطر, التي كانت أول من دق خوازيق الخطر في نعش العواصم العربية. .

في ليبيا (مثلا) تصاعدت حدة النزاع على السلطة بين الليبراليين وقادة الأجنحة العسكرية المتطرفة, وعلى رأسهم (عبد الحكيم بلحاج), خصوصا بعد تسلمه شحنات الأسلحة القطرية, وتشكيله لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, التي نزلت إلى شوارع المدن المبعثرة لتطبق أحكام الشريعة في الهواء الطلق, ما ينذر بدخول البلاد في صراع مسلح لفرض واقع سياسي جديد تتحكم به المليشيات المسلحة المتطرفة. .

وعلى الصعيد المصري, وقّع السلفيون والأخوان وجماعة التبليغ والدعوة, وجماعة الجهاد الإسلامي على ميثاق شرف لتنسيق المواقف السياسية بينهم, واتفقوا على صيغة موحدة لإدارة البلاد, ظهرت ملامحها المستقبلية في التصريحات التي أطلقتها بعض القيادات المتأسلمة, وجاء فيها: (أن شباب مصر لم يقوموا بالثورة لتطبيق شرع الله, ولم يقولوا أن نظام مبارك لا يحكم بشريعة الله), وقال بعضهم: (أن جميع الحكام العرب ليسوا مسلمين, وإنما هم كفار مرتدون, وليسوا كفارا أصليين كحكام الغرب), وتوعد بعضهم بإلزام النصارى الأقباط بدفع الجزية, والعمل على استيفاء مبالغ الزكاة من المسلمين بالقوة, والمسلم الذي لا يدفع الزكاة يقتل, أما النصراني إذا لم يدفع الجزية لا يقتل, وإنما يخرج من مصر, والأغرب من ذلك كله أنهم شرعوا منذ الآن بالتحضير لحملات الفتوحات الإسلامية, التي سيجتاحون فيها البلدان القريبة, أما إسرائيل فلا تعد في حساباتهم من البلدان الخاضعة للفتوحات المزعومة, فهي معفاة بأمر القيادات العليا في البنتاغون والناتو. .

ترى ما الذي ستكون عليه أحوال الناس لو كانت هذه الحركات المتطرفة, هي التي اقتحمت حصون الأنظمة الاستبدادية الفولاذية في مصر وتونس وليبيا, وهي التي أسقطتها ؟, وكيف سيكون مصير الشمال الأفريقي إذا أصبحت السلطات الثلاث بيد المليشيات الراديكالية المسلحة ؟. أغلب الظن أن عقارب الزمن ستنقلب بنا, وتتراجع إلى الوراء لتعود بنا إلى العصور الهمجية الغابرة الممعنة بالتخلف. . والله يستر من الجايات. . 

جواز”A” ومعاناة المواطنين

زارتني مجموعة من المهندسين الموفدين الى الدول الأوربية ومنهم من يحمل جواز سفر “G” وبعضهم يحمل جواز سفر “A” وهو الإصدار الجديد الذي فوجئ به جميع المواطنين، مثلما فوجئ به جميع المراقبين والمتابعين للتجربة العراقية في الحكم ولاسيما لونها الديمقراطي التعددي، والذي يبدو ان البعض منا لم يفهم الفدرالية والمركزية إلا انتصارا لخصوصيته وان اصطدمت بالحيثية القانونية للدولة ولهيبتها وحضورها السيادي المرتبط بالمواطن من جهة وبالمحيط الدولي من جهة أخرى.

وجواز السفر وثيقة قانونية دستورية شديدة الحساسية تجاه السمعة الوطنية، والمواطن الذي يحمل جواز السفر العراقي، إنما يعتبر ممثلا للعراق الدولة والوطن بغض النظر عن الحيثيات القومية وهي محترمة وبغض النظر عن الحيثية المذهبية وهي كذلك محترمة، واحترام هذه الحيثيات لدى كل امة متحضرة لا يشترط وضعها في جواز السفر سواء لغة مكتوبة أم عبارة مرموزة.

ان المواطن الذي يسافر اليوم لأغراض السياحة او التجارة او العمل او الإيفاد والذي أصبح يهم شريحة كبيرة من الأطباء والمهندسين وبقية الاختصاصات من أكاديميين وغيرهم أصبحوا اليوم عرضة للمنع من الدخول الى البلدان الأوربية ولاسيما الدول الاسكندينافية، فحملة جواز سفر A من العراقيين أصبحوا يعانون مشكلة تهدد مستقبلهم العلمي والمهني وهم يواجهون رفض تلك الدول الملتزمة بميثاق الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو والتي تشترط وجود لغتين في وثيقة السفر وهي:

1- اللغة الأم للبلد.

2- واللغة العالمية وهي اليوم الانجليزية وفي بعض البلدان مثل إفريقيا تكون اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة.

أما عندما تضاف لغة ثالثة آلة وثيقة السفر فان الدول تتحفظ على تلك الوثيقة ولا تتعامل معها.

واليوم وبعد ان أصبحت هذه المعاناة تهم العراقيين جميعا هل لنا ان نسأل: 

1- كيف أنزلت اللغة الكردية التي نحترمها ونعتز بها في جواز السفر كلغة ثالثة خلافا للأعراف الدولية.

2- وهل نوقش هذا الأمر في مجلس النواب واتخذ قرارا به والشعب لا يعلم ذلك.

3- أم ان اتفاقا بين الكتل صاحبة المصلحة هو من كان وراء ذلك.

4- واليوم وبعد ان أصبح هذا الأمر مصدرا لمعاناة المواطن الذي يستعين بوثيقة السفر لتسهيل أموره في تنقله والحفاظ على كرامته وحقوقه من ان تنتهك وتصادر وهذا ما حدث للكثير من حملة جواز السفر “A”.

5-هل ستبقى الجهات التشريعية والتنفيذية تلوذ بالصمت والقضية أصبحت مشكلة لا تتحمل التأويل والتأجيل في الحل والمعالجة.

إننا نعتقد ان هناك تفسيرات خاطئة تعرض البلد للتراجع في المكانة الدولية والوزن السياسي.

وهذا الأمر يصبح قضية من قضايا الوطن الكبرى التي لا يجوز السكوت عنها او التغاضي معها كما جرى لبعض القضايا.

ان البرلمان العراقي مدعو لمناقشة هذه القضية ووضعها على جدول أعماله التي تكتسب أهمية خاصة من اجل رفع معاناة المواطنين أولا ومن اجل إرجاع هيبة الدولة العراقية التي أغرقتها المحاصصة بالكثير من التشوهات الثقافية والسياسية ومنها هذه القضية التي أضحكت علينا الأصدقاء قبل المناوئين والاعداء، فارحموا العراق وأهله، ولتكن مشاريعنا واقتراحاتنا لاتبتعد عن هوية الوطن الواحد الذي يضمن ويحتضن كل أبنائه من كل اللغات ومن كل الاجناس ومن كل الديانات فهذه هي الفسيفساء العراقية الجميلة التي تتناغم مع غيرها من فسيفساء الدول والشعوب التي تحتضن من القوميات اكثر مما نحتضن وتحتضن من اللغات والأديان اكثر مما نحتضن.

أعيدوا النظر في موضوع كتابة لغتنا الكردية الجميلة في جواز السفر حتى نحافظ على جمالها في القلوب والعقول، فتلك هي الوطنية التي تحتضن الفدرالية والتعددية بلونها الحضاري.

الربيع العربي

السياسة تاجر مصلحي نسيم ومراوغ، يطمح ان يكون كل شيء.. ويستأثر بكل شيء، لا يقيم علاقة مع احد، ولا يعترف بأية حقيقة، إلا بقدر ما تدر عليه تلك الحقائق والعلاقات من منافع، فإذا ما توقفت تلك المنافع كشر عن أنيابه وكشف عن وجهه المستور، وما بين ليلة وضحاها أبدل قناعه القديم بقناع جديد، ووقف من دون حياء او حرج الى جانب خصومه، وقلب ظهر المجن لحلفائه انه وهو يقدم على شراء البضاعة من الآخر، لا يتوانى عن التقليل من شأنها ونعتها بالكاسدة والرديئة، فإذا ما أصبحت بين يديه وأراد عرضها للبيع، رفعها الى السماء وتفنن وفي مدحها بما يعجز الشعراء المداحون عن الإتيان به! 

هؤلاء هم السياسيون – إلا من رحم ربي وتمسك بالعروة الوثقى – أفرادا كانوا ام أحزابا ام حكومات، صغارا او كبارا، لاتعرف لهم حقا من باطل ولا باطلا من حق، شتاؤهم غير صيفهم، وليلهم يختلف عن نهارهم، ونبقى نحن البسطاء، ذلك القطيع الكبير من المغفلين، أفرادا وجماعات وشعوبا نسير وراء تجارنا مغمضي العيون وجزءا من قافلتهم التجارية، نجلس حيث يجلسون ونسير وراء بوصلتهم، تأخذنا شرقا او غربا الى اليمين او اليسار وليس لنا إلا الطاعة، وليس لنا في البضاعة نصيب، هؤلاء هم نحن البسطاء المغفلين، نستخرج ثروات الارض ونحمل الذهب ونأكل العقول ولكن دوام الحال من المحال، وها هي بشرى الربيع العربي تهز غفلتنا من الأعماق وتبشرنا ان الأرض لمن يزرعها، وان زمن العاقول ولى من غير رجعة، وأولى بشائر الربيع المبكر انطلقت من العراق وانتشر أريجها الى تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين والأردن والكويت والسعودية، وكان ربيعنا من القوة والقدرة على التأثير بحيث وصل الى إيران والجزائر والمغرب، ولم تسلم منه بلدان أوربية لا تحمل شعوبها الذهب على ظهورها ولا تأكل العاقول، وكان كل ذلك من دواعي سعادتنا فما كان حلما نخشى البوح به بات حقيقة تصدح بها عاليا أصواتنا المخنوقة، الا ان فرحتنا لم تكتمل، فقد اطل علينا الساسة التجار – إلا من رحم بي – من جهات العالم الأربع وافسدوا حلمنا المتواضع، وكل يقودنا الى بوصلته وكأن مصالحهم تعارضت، فمن قائل ان ما يجري ان هو إلا خريف عربي، ومن قائل ان هو الا ربيع اميركي لا دور فيه ولا فضل للعرب الا بقوافل المساكين الذين قدموا حياتهم ثمنا للحلم الموعود، أما الثمرة حين تنفع فلن تقطفها الا سيدة العالم ذات القوة والهيمنة، ومن قائل ان البيع ما مر بغير العراق، ومن قائل ان التغيير العظيم الذي أنجزته الشعوب المتهورة في بلدان الرافدين والنيل وتونس وليبيا هو الحق العائد الى اهله، وان التغيير الذي تنتظر اليمن والبحرين والمغرب انجازه، هو كذلك حق مقبل في الطريق، اما ربيع سوريا المنتظر فهو فعل من تدمير الشيطان الأكبر، والشيطان مرحبٌ به في صنعاء، مرفوض في دمشق، ومن قائل ان شهداء القذافي في الجنة وشهداء الأسد في النار، ومن قائل ان نظام مبارك نقمة، ونظام بشار رحمة، ومن قائل الربيع حتمية التاريخ، وانه آت على الجميع طال الزمن أم قصر، ومن قائل احذروا الربيع فهو خديعة الغرب الى الشرق وموسم الحساسية والطفح الجلدي، اما نحن البسطاء أهل الغفلة من المحيط الى الخليج ممن أضاعوا البوصلة واختلطت عليهم الريح، فكنا ومازلنا في الشتاء والصيف والخريف والربيع، نزرع القمح ونأكل العوسج، وكأننا خارج المواسم والفصول وحتميات التاريخ والطبيعة والمنطق!. 

المتطرفـــــــــون وصلــــــــوا

من الأسئلة المطروحة بقوة الآن في عموم العواصم العربية, السؤال الذي يقول: هل استسلمت الثورات العربية للتيارات الإسلامية المتطرفة في مصر وليبيا وتونس ؟؟. الجواب القطعي هو: نعم . لكنهم لا يثقون بجسور الديمقراطية التي سمحت لهم بالتسلق الى القمة, ولا يؤمنون بها, لأنها في نظرهم تشكل مخالفة صريحة لعقيدتهم المتشددة, فالديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه, ويقول المتطرفون: (ان الأنظمة الديمقراطية لا تصلح لنا, ولا تنسجم مع تطلعاتنا), ومن لا يصدق هذه التوجهات الجديدة, يتعين عليه مراجعة تصريحاتهم, ويستمع لخطابات قادتهم الجدد, وينظر إلى تصرفاتهم التي لا تخلو من التطرف. . 

ظهر المتطرفون إلى السطح بعد زوال الأنظمة السابقة, فأخذوا يتصرفون وكأنهم هم الذين حرروا تونس والقاهرة وطرابلس من ثالوث (بن علي, ومبارك والقذافي), وتجاهلوا الجهد التعبوي واللوجستي والإعلامي الفعال الذي نهضت به الأطراف الداعمة لهم, والساعية لتجزئة وتفكيك البلاد العربية والإسلامية, والمتمثلة بأمريكا, وحلف الناتو, والمنظمات العالمية الخفية, وزعماء مجلس الدوما الخليجي, وفي مقدمتهم قطر, التي كانت أول من دق خوازيق الخطر في نعش العواصم العربية. .

في ليبيا (مثلا) تصاعدت حدة النزاع على السلطة بين الليبراليين وقادة الأجنحة العسكرية المتطرفة, وعلى رأسهم (عبد الحكيم بلحاج), خصوصا بعد تسلمه شحنات الأسلحة القطرية, وتشكيله لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, التي نزلت إلى شوارع المدن المبعثرة لتطبق أحكام الشريعة في الهواء الطلق, ما ينذر بدخول البلاد في صراع مسلح لفرض واقع سياسي جديد تتحكم به المليشيات المسلحة المتطرفة. .

وعلى الصعيد المصري, وقّع السلفيون والأخوان وجماعة التبليغ والدعوة, وجماعة الجهاد الإسلامي على ميثاق شرف لتنسيق المواقف السياسية بينهم, واتفقوا على صيغة موحدة لإدارة البلاد, ظهرت ملامحها المستقبلية في التصريحات التي أطلقتها بعض القيادات المتأسلمة, وجاء فيها: (أن شباب مصر لم يقوموا بالثورة لتطبيق شرع الله, ولم يقولوا أن نظام مبارك لا يحكم بشريعة الله), وقال بعضهم: (أن جميع الحكام العرب ليسوا مسلمين, وإنما هم كفار مرتدون, وليسوا كفارا أصليين كحكام الغرب), وتوعد بعضهم بإلزام النصارى الأقباط بدفع الجزية, والعمل على استيفاء مبالغ الزكاة من المسلمين بالقوة, والمسلم الذي لا يدفع الزكاة يقتل, أما النصراني إذا لم يدفع الجزية لا يقتل, وإنما يخرج من مصر, والأغرب من ذلك كله أنهم شرعوا منذ الآن بالتحضير لحملات الفتوحات الإسلامية, التي سيجتاحون فيها البلدان القريبة, أما إسرائيل فلا تعد في حساباتهم من البلدان الخاضعة للفتوحات المزعومة, فهي معفاة بأمر القيادات العليا في البنتاغون والناتو. .

ترى ما الذي ستكون عليه أحوال الناس لو كانت هذه الحركات المتطرفة, هي التي اقتحمت حصون الأنظمة الاستبدادية الفولاذية في مصر وتونس وليبيا, وهي التي أسقطتها ؟, وكيف سيكون مصير الشمال الأفريقي إذا أصبحت السلطات الثلاث بيد المليشيات الراديكالية المسلحة ؟. أغلب الظن أن عقارب الزمن ستنقلب بنا, وتتراجع إلى الوراء لتعود بنا إلى العصور الهمجية الغابرة الممعنة بالتخلف. . والله يستر من الجايات. .