ذكريات الشهادة… الشيخ راغب حرب إنموذجا

دراسة توثيقية ميدانية لحركة الظاهرة الاستشهادية من خلال استحضار العلاقة المباشرة في توزعها على مساحة جغرافية الفكر دون الجغرافية الاطلسية “نسبة الى اطلس المدارس”  والتضاريس, ومن دون استعمال اسلوب الرواية الذي خذلنا في أكثر من مكان وزمان على طريقة “وما آفة الاخبار إلا رواتها”.

الشيخ راغب حرب: مرت هذه الأيام احتفالية ذكرى شهداء قادة المقاومة الإسلامية في لبنان: وهم، الشيخ راغب حرب شيخ شهداء المقاومة الاسلامية في حزب الله الذي استشهد عام 1982 في جنوب لبنان, والسيد عباس الموسوي أمين عام حزب الله الذي استشهد هو وعائلته في قصف الطيران الإسرائيلي عام 1992, والمجاهد عماد مغنية مهندس العمليات الاستشهادية والذي استشهد عام 2008 في دمشق على أيدي عصابات التجسس التابعة للموساد الاسرائيلي. 

والشيخ راغب حرب “رحمه الله” من خريجي حوزة النجف الأشرف هو والسيد عباس الموسوي “رحمه الله”, والشيخ صبحي الطفيلي أمين عام حزب الله الأسبق, وقد كان ممثلا للسيد الشهيد المرجع محمد باقر الصدر في مدينة الخالص في العراق, والشيخ محمد يزبك مسؤول شورى حزب الله وقد كان ممثلا للشهيد محمد باقر الصدر في الاسكندرية, والشيخ عفيف النابلسي وقد كان ممثلا للشهيد الصدر في بعض مناطق بغداد, والشيخ نعيم قاسم نائب أمين عام حزب الله وقد كان طالبا في حوزة النجف الأشرف عندما كان السيد المرجع الشهيد محمد باقر الصدر يرعى طلبة الأقطار الإسلامية بعناية خاصة ومنها لبنان, وكان المرحوم محمد جواد مغنية صاحب التفسير المعروف “التفسير المبين” يقول، اني أحضر للنجف بين فترة وأخرى للتشرف بزيارة ضريح الإمام علي “عليه السلام” , وللوقوف بباب محمد باقر الصدر واستمع الى اجاباته على اسئلة الزائرين, وكان المرحوم محمد جواد مغنية يقول، لو لم يعطنا السيد محمد باقر الصدر إلا “فلسفتنا واقتصادنا” , والبنك الأربوي في الاسلام لكفاه فخرا أن يدخل في اصحاب الموسوعات الفكرية الخالدة.

ومما لفت نظري وكتبت عنه وذكرته في بعض محاضراتي، ماكتب على اللوحة التي تتصدر القادم للحلة من جهة كربلاء المقدسة وما كتب في تلك اللوحة:  “انتشر الاسلام الحديث بكتابات محمد جواد مغنية ومحاضرات الشيخ الوائلي. ومع احترامنا لهذين العلمين, إلا ان ما نقلته هنا من مقولات الشيخ مغنية رحمه الله بحق فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر يفند ما ذهب إليه من كتب تلك الكلمات على لوحة خطت عليها صورة المرحوم الشيخ الوائلي الذي احسنت قناة المعارف الاسلامية في نشر تسجيلاته المنبرية لمحاضراته التي انتفع منها جيل الشباب بصورة خاصة وعموم الناس بصورة عامة, والشيخ الوائلي “رحمه الله” كانت بيني وبينه علاقة أخوية في أيام المهجر في سورية, كنا نتبادل فيها هموم العراق وهيمنة الطغمة الفاسدة الصدامية في تلك المرحلة القاسية التي مرت على العراق, ومن صميم التلاقح في الأفكار, كتبت ذات مرة منشورا نفضح فيه جرائم صدام حسين بأسم حزب الدعوة الاسلامية وطلبت من الشيخ الوائلي أن يدفع تكاليف الطبع ففعل بكل قناعة, لأن في ذلك الزمان لم يظهر الكومبيوتر وطباعته بعد وكنا نضطر للطباعة بالمكائن التقليدية.

وقد جاء الى سورية في تلك الفترة المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين بعد ان هجر العراقيون من الكويت في أثر التفجيرات التي الحقت الأذى بالجالية العراقية من المهاجرين, وقد زارني المرحوم مصفى جمال الدين وبصحبته ولده محسد الذي لم يتجاوز عمره آنذاك الثانية عشرة من العمر, وقال لي، يا دكتور هذا ديوان شعري إذا وجدتم فيه بيتا واحدا امتدح فيه صدام حسين فتبرأوا مني. وهناك تفاصيل حديث دار بيني وبين المرحوم مصطفى جمال الدين أترك تفاصيله لمناسبات أخرى بعضها أطلع عليه أخي خطيب المنبر الحسيني الشيخ عبد العظيم الكندي.

وجمعتنا مناسبة الهجرة في سورية مع المرحوم السيد عبد الزهرة الخطيب الحسيني الذي كنت أول من التقيته ورحبت به بعد قدومه من البحرين في ظرف حرج واستثنائي أترك تفاصيله الان.

وفي فندق متواضع من فنادق دمشق بالقرب من ساحة المرجة التقيت الشيخ راغب حرب “رحمه الله” والذي أصبح شيخ شهداء المقاومة الإسلامية في لبنان وهو يستحق هذا اللقب بحق كما يستحق شهداء المقاومة الإسلامية في حزب الله تلك الدرجة من الشهادة في مقارعة دويلة إسرائيل التي اصبحت تحظى باهتمام منقطع النظير من قبل أمريكا والدول الأوربية, وقد سلطت بعض الأضواء على تلك العلاقة التي مازال أغلب من يتحدث عنها لايعرف أسرارها, ومازال الكتاب والسياسيون يثيرون بعض الاشكالات على تلك العلاقة الأمريكية الاسرائيلية دون القدرة على تفكيك طلاسمها التي تختزن شيئا كثيرا من الفهم التوراتي على طريقة حزقيال في كتابه – الجزء 38- 39- والذي يختزل فيه كل المصطلحات التوراتية من “الهرمجدون” الى  “يأجوج ومأجوج” والتي اصبحت اليوم ثقافة “المرمون” وتياره المليوني في امريكا والذي فاز ممثله ورئيسه “مت رومني” في انتخابات الحزب الجمهوري في بعض الولايات الأمريكية حاليا.

والمرمون هم حملة الثقافة التوراتية في امريكا والتي لم تدرس من قبل كتابنا دراسة جادة, فأمريكا التي طرحت نفسها لزعامة العالم بعد الحرب العالمية الثانية وخاضت غمار الحرب الباردة وانتصرت على الاتحاد السوفياتي, وتفردت لمدة عقدين على المسرح الدولي بدون منافس, واصبحت قيادتها تحمل ثقافة توراتية ظنا منها انها وصلت الى مشارف الحصاد الثقافي بعد ان أمنت حقول القوة العسكرية, والقوة الاقتصادية من خلال هيمنتها على منابع النفط, ولكنها نسيت ان العامل الثقافي يختلط مع عقائد الناس في أكثر من مكان ولاسيما في العالم الاسلامي, ولذلك هي سارعت لتبني ما يسمى بالربيع العربي واختارت لنفسها هذه المرة “الحرب الناعمة” من خلال الرهان على تنظيم القاعدة الوهابي لتفكيك وحدة الأمة وأرباك وضعها الأمني والاقتصادي, وفي لحظة الولع بالحرب الناعمة التي لم يكتمل حصادها بعد فظل البيدر معلقا على نوايا العمال دون الملاكين والعمال هنا يساورهم التمرد وتصفية الحسابات بطريقة تنتمي لعقائد العصر الوسيط التي تعرف عنها أمريكا العناوين ولا تدرك المضامين التي أنهدت بسببها دول وامبراطوريات, وتغيرت من جرائها جغرافيات ومازالت هي التهديد الحقيقي لكل النظام العالمي الذي لم يستقر ولن يستقر إلا بعد استرجاع هوية خلافة الانسان للأرض بملاكات بيعة كونية في حساب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها “وبوعد صادق” ، “وان عدتم عدنا”.

القيادة الأمريكية اليوم تعلن توراتيتها عبر مايلي:

1- التبني غير المحدود لإسرائيل.

2- استعمال مفرط للفيتو في مجلس الأمن من أجل اسرائيل.

3- خصومة كل من يهدد أمن واستقرار إسرائيل.

4- تجاوز وثيقة حقوق الإنسان من أجل اسرائيل.

5- تجاوز سيادة الدول من أجل اسرائيل.

6- التساهل مع الجماعات الإرهابية من أجل اسرائيل.

7- السعي لإعادة خريطة العالم من أجل اسرائيل.

وعمل ومواقف من هذا النوع لايمكن تبريرها بالآتي:

1- بالعامل الاقتصادي حيث لبعض الدول مغريات اقتصادية تضحي بها امريكا على خلاف العادة.

2-  بالعامل السياسي: الذي يفترض مراعاته انسجاما مع الادراك الحقيقي لعلم ومفهوم السياسة.

3-  بالعامل الثقافي وأهميته في نظر الدول لاسيما الكبرى منها.

4- بالعامل النفسي: الذي اصبح معتمدا في التخطيط والدراسات الاكاديمية ومعاهد البحوث التي تعطيها الادارة الامريكية اهمية تخدم مصالحها.

5- بالعامل التاريخي: الذي لا تملك امريكا القدرة على حسمه لصالحها.

6- العامل الديني: وهو المتبقي الوحيد حصرا لتفسير مواقف امريكا من خلال اكتشاف نمو الفهم التوراتي في مايلي:

ا‌- اعتبار الصهيونية هي نشيد المسيح الذي اصبح شعارا سياسيا.

ب‌- العمل على توحيد المسيحية مع الدين اليهودي في نظر جماعة الكنيسة ” الانكلوكانية المتطرفة ” مستقبلا.

ت‌- اعتبار الحرب الكونية المقبلة حربا مصيرية باثارات دينية.

ث‌- العمل سرا على فهم اطروحة “المهدي المنتظر” المنتشرة في اغلب الاديان القديمة على انها رجوع المسيح المصلوب.

ومن هنا فإن حزب الله الذي ينتمي اليه شيخ شهداء المقاومة الاسلامية الشيخ راغب حرب والذي تأسس عام 1982 وليس في عام 1978 كما ذهب الى ذلك يوسف اغا في كتابه عن حزب الله الذي ظهر حديثا وكتب عنه بعضهم في مواقع الانترنت فلم يعطوا حق التوثيق من ناحية التأسيس, كما لم يعطوه حق الفهم الصحيح لمفهوم “التقية” وهذا المفهوم ظلم تاريخيا واسيئ فهمه, واعتبره البعض من مقولات وعقائد الشيعة فقط والأمر ليس كذلك, فالتقية حالة نفسية وموقف سلوكي يحتاجه جميع البشر ويمارسونه دون وعيهم واحساسهم بذلك, والشيعة من موقف معرفي مكاشف صريح وجريء اعلنوا ممارستهم واعترافهم بوجوده كضرورة على النحو التالي:

1- كمفهوم معرفي يدخل في تفاصيل الحياة.

2- كضرورة امنية: تدخل في الاستراتيجيا والتكتيك.

3-  كحالة نفسية مبررة “الضرورات تبيح المحذورات”.

والعالم اليوم على مستوى:

1- الدول

2- المجتمعات

3- القبائل والعشائر

4- الأحزاب

5- الأسر

6- الأفراد

كلهم يستعملون التقية كسلوك يومي لايفرقهم بذلك:

1- الدين

2- القومية

ومن ينكر التقية إنما ينكر جزء من ضرورات الحياة.

والشيخ راغب حرب “رحمه الله” قبيل استشهاده كان معي في دمشق وكان عازما على السفر الى جنوب لبنان, ويومها وقع الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982, وعندما رأيت الشيخ رحمه الله مصرا على الذهاب الى لبنان رافقته الى كراج السيارات الواقع في منطقة الفحامة غرب دمشق, وكنا نريد الحصول على تكسي أجرة الى بيروت وعندما دخلنا في باحة الكراج وجدنا سيارة تكسي ينادي صاحبها الى النبطية… وهي المدينة اللبنانية الجنوبية المعروفة, وما ان سمع الشيخ رحمه الله بأسم النبطية حتى هرع صوب السيارة التي ينادي صاحبها الى النبطية التي كانت تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي, وهنا عندما عرفت عزم الشيخ واصراره حاولت اولا ان اقنعه بتغيير ذهابه الى النبطية مباشرة لوقوعها تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي الغاشم , وطلبت منه ان يتريث في موضوع السفر او أن يسافر الى بيروت ريثما تنجلي صورة الموقف, ولكني وجدت الشيخ راغب رحمه الله مصرا بشكل لا يقبل اية فكرة من دون سفره مباشرة الى النبطية, ولعلمي بطيب سجية الشيخ راغب حرب وحبه للجهاد الذي نذر نفسه له من ايام كان طالبا في حوزة النجف الأشرف, وتربى على حب الشهادة التي قرأها  في ملحمة الطف الخالدة في ثورة الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب “عليهما السلام”.

وقد ذكر هذا المعنى السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير بمناسبة احياء ذكرى شهداء قادة المقاومة اللبنانية في حزب الله عندما قال: عندما أشتد القصف الاسرائيلي في حرب تموز عام 2006 وبدأ البعض يطرح فكرة الاستسلام من قبل بعض الاطراف العربية الخائفة من البطش الاسرائيلي والتي راحت تروج للفكرة التالية من اجل ايقاف وقف القتال على الشروط التالية:

1- أن يسلم حزب الله سلاحه

2- أن يسحب افراده من كل الأراضي اللبنانية في مواجهة اسرائيل

3- أن يوقع على مذكرة حفظ أمن اسرائيل

4- أن يترك العمل العسكري 

5- أن يتحول الى منظمة سياسية فقط 

وفي حالة عدم استجابته لهذه الشروط فإنه يواجه مايلي:

1- الإبادة التامة

2- سحق كل مالديه من عناصر وأسلحة

3- إبادة كل مايتواجد حوله ومعه من مؤيدين واتباع 

يقول السيد حسن نصر الله في هذه اللحظة عرفت معنى ثورة الإمام الحسين وكيف خير بين “السلة والذلة” ولهذا قال الإمام الحسين صيحته المشهورة:

“هيهات منا الذلة” ، “هيهات منا الذلة”

وبهذا المعنى قال المرحوم الدكتور داود العطار في قصيدة نظمها لمواكب الجامعات العراقية في الستينات من القرن الماضي عندما قال شعرا:

 يا شهيدا أين منك الشهدا

             ما نرى شخصك إلا اوحدا

احمد منا ومنا حيدر

         وحسين وهو نبراس الهدى

والسيد حسن نصر الله هو خريج هذه المدرسة الجهادية, وسبب نجاحه في قيادة حزب الله في مواجهاته مع اسرائيل في احداث:

1- عام 1996

2- في تحرير جنوب لبنان عام 2000

3- في تصديه لهزيمة اسرائيل عام 2006 والتي عرفت بحرب تموز, والتي كانت فاتحة لبداية هزيمة اسرائيل وقهر عنفوانها الكاذب امام الجيوش التي خذلتها انظمتها وجعلتها لقمة سائغة لحروب تشن بارادة اسرائيلية وقبول اوربي وغطاء امريكي, وهذا القبول وذلك الغطاء يقف وراءه فهم توراتي من نتائجه قيام قيس من الكنيسة المتطرفة بحرق القرآن, وكل الاعمال التحريضية التي جرت في الدول الغربية ولاسيما الاسكندنافية تقف وراءها جماعات تنتمي لتيار المرمون الامريكي الذي يمتلك في امريكا مايلي:

ا‌- 60 مليون من الأتباع

ب‌- 0 2000 ألف قس متطرف

ت‌- 43 فضائية

ث‌- 200 كلية لاهوتية

ج‌- عشرات الإذاعات المحلية

والشيخ راغب حرب يستحق منا حق الذكرى على مستوى كل من: 

1- الحق الأخوي: فهو أخ في الله قبل أن يكون صديقا لنا.

2-  حق الجهاد فهو شريك لنا في مرحلة الهموم والاعباء والمسؤوليات.

3-  حق التنظيم: فهو يؤمن رحمه الله بالتنظيم كسنة في الحياة.

4-  حق المواسات: كوفاء يعرف به الصالحون المخلصون على طريقة قول الشاعر:

اولئك اصحابي فجئني بمثلهم

               إذا جمعتنا ياجرير المجامع 

والشيخ راغب حرب كما عرفته، مؤمنا متواضعا, مخلصا لايهتم إلا بأمر المسلمين على وصية رسول الله “ص”:

“من أصبح وأمسى لايهتم بأمور المسلمين فليس منهم”.

ومن غرائب الصدف عندما ودعت أخي الشيخ راغب حرب رحمه الله في كراج الفحامة للسيارات في دمشق ورجعت الى منزلي في حي الأمين, سمعت في اليوم الثاني باكرا نبأ استشهاده من المذياع, فغمرني حزن بفراقه, وطغت علي فرحة حقيقية لمعرفتي باستحقاقه وسام الشهادة شرف المؤمنين المجاهدين وعلى رأسهم الانبياء والمرسلين, والائمة الأوصياء من الذين أنعم الله عليهم بشرف الدنيا في الجهاد وشرف الآخرة باعلى المراتب والمنازل “انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد”.

وقد كتبت رواية طويلة عن العلماء الشهداء في التسعينات من القرن الماضي نالت استحقاق جائزة المناسبة التي احتفظ منها بمدالية اعتز بها مازالت تقف في واجهة الميداليات والدروع التقديرية التي حصلت عليها تكريما من جهات مختلفة في مختلف المناسبات, فالى روح أخي الشيخ المجاهد الشهيد راغب حرب والى ارواح الشهداء ومن بدرجتهم وأذكر منهم الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر, والإمام الخميني, والشهيد محمد صادق الصدر والشهيد عبد الصاحب دخيل والشهيد هادي السبيتي والشهيد حسين جلو خان والشهيد عارف البصري والشهيد نوري طعمة والشهيدة بنت الهدى والشهيد عبد العزيز البدري , وكل شهداء الإسلام في أرض المواجهة والجهاد.

المسؤول..هو في مكان أخر

ما تناقلته أجهزة إعلام عن النائب السابق الذي احتفظ بسياراته وحماياته الرسمية, قد يكون صحيحا, وقد لا يكون… ففي الفوضى لا يمكن التسليم بصحة ما يشاع.. فقد يكون كذبا وتلفيقا وتجنيا, وقد لا يكون… ويمكن لهذا النائب أن يكون موجودا, ويثقل على المال العام برواتبه ورواتب حماياته وبقية امتيازاته  ولكن ليس بسبب من انحياز أو محاباة له, ولا عن فساد اداري… بل لسهو ونسيان وغفلة.. ويمكن أن تفهم في السياق العام السائد,,»لا أحد يدري بأحد» فهناك غشامة فادحة, وهناك ضعف متابعة وقلة مساءلة وتفشي للتغاضي و(التغليس)، مع تكريس لخدمة الذات ونيل المكاسب الشخصية,, والبرلمان ذاته قد يصلح (نموذجا وامثولة وقدوة) ويحقق ما قاله الروائي ولكن في السياسة (المسؤول… هو في مكان آخر) ويشعر بعضهم, وعلى نحو ما أن القرار لغيره وهذا ليس زهدا بالمسؤولية.. بل لإنعدام ثقته بنفسه ولهزال كفاءته وليقينه ان ما حل عليه كان بالخطأ… وأنه قد يخسر الفرصة في أية لحظة, لذا يتوجب اغتنامها واستغلالها لمصالحه بالكامل…هذا النموذج قد ينزع لأن يكون بعيدا عن العيون, وعن الانتباه, وحبذا لو غاب عن ذاكرة الناس لينفرد بكرسيه الى الأبد وقد يوصي بدفنه معه..ولكن قد يتوق لأن يصرخ في الشوارع بوظيفته ومنصبه ويصدق انه في يقظة ولا يحلم بما لم يحلم به,, وليس لمثل هذا النموذج أن ينجز ويبدع.. وأن يعرف ما تحته وما فوقه وما يجري في دائرته… وهناك من دخل في روعه, في ظل مثل هذا المسؤول انه حر في دائرته يعمل بها ما يشاء وما يريد.. إذ لا أحد فوقه.. ولا أحد يتابعه ويساءله… فكان أن اخذت الدولة هذا المنحى… ووجدنا مجلس النواب يستنسخ حالة التلاميذ الصغار.. وحتى عندما يحضرون الدرس يطلبون الذهاب الى المرافق الصحية… ونسي نواب أن حياة ومصير الشعب والبلد معلق بحضورهم وجديتهم في المناقشة والمعالجة.. وربما يجدر بمجلسنا أن يدرج أسمه في قائمة الأرقام القياسية من حيث الغيابات وفي شحة منجزه وفي افتقاده مع غيره للنظام الداخلي.. مقابل الامتيازات لبواب المجلس الذي يحسده الطبيب…كما للمهندس والطبيب والفلاح مهماتهم واختصاصاتهم فإن السياسي يتخصص وينبغ في فن صنع المجتمع, وفي التوفيق بين المتناقضات والتسوية بين مصالح واتجاهات الأفراد والمجاميع والفئات المختلفة, وحتى المتعادية.. وأن السياسي النبه والذكي والكفء يغتني بالتجربة والممارسة.. ويدرك أن الواقع غير التصور وغير النظرية, وغير خرائط ومخططات الورق… ولهذا  شاع في تفسير أزمات ومتاعب البلد الى أن من السياسيين من لم يغادر عقلية المعارضة .. وفيهم من كان يحمل فيروسات في ذلك الوقت ويصر على تنفيذها في هذا الوقت.. فلم تقم دولة المؤسسات سوى مؤسسة الفوضى وعيب عدم إتفاق  السياسيين…

دخان أبيض.. دخان أسود

ليس في نيتي الخوض في مدى صواب أو خطأ موقف كاشغري، وليس في نيتي الخوض في الصراع الدائر حالياً في منطقة الخليج بين الإسلاميين والليبراليين، ولاسيما في السعودية والكويت، بشأن  الشاب كاشغري.

حمزة كاشغري أتهم بالردة على خلفية تغريدات عدّت  مسيئة للذّات الإلهية وللنبي محمد. الشاب السعودي كان الشرارة التي أشعلت حريق الصراع بين الفريقين، ووضع المملكة برمتها بموقف لا تحسد عليه أمام العالم المتحضر، لاسيما وأن سخونة مداخلة وزير الخارجية السعودي أمام اجتماع الجامعة العربية بشأن  الملف السوري، لم تبرد بعد. الوزير ألقى محاضرة طويلة وعريضة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقدم مرافعة للدفاع عن القتلى السوريين متهماً النظام بأبشع صور الاضطهاد لشعبه. من يقدم مرافعة عن كاشغري؟

نعم.. الشاب السعودي بحاجة إلى مرافعة حقيقية وجادة، لأن أمر حياته ليس مرتهناً للقانون، لأنه في هذه الحالة قد يتعرض لعقوبة بسيطة أو غرامة مالية، طالما الموضوع تحت سقف قانون الإعلام، الذي يجب أن تتكيف قضية كاشغري وفقا لمواده، بل أمر حياته مرتهناً لحرائق الصراع بين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي وصفت كاشغري بـ(السّفيه والمارق والزنديق) وطالبت بقطع رأسه.

لم يتوقف الأمر عند حد مطالبة الهيأة بقطع رأس الشاب السعودي، بل تعداه إلى حد تنظيم حملة من قبل الإسلاميين للمطالبة بالحد من نشاط الليبراليين الذين «تجاوزوا الخط الأحمر» كما كتب الإعلامي زعل الفرمان، موجهاً نداءً إلى الملك يقول فيه «لقد عاث الليبراليون ببلاد الحرمين، فلتجتث أصولهم، واجعل هذا المارق أولى ضحاياهم».أما د.خالد الشايع، الأمين العام المساعد لـ»الهيئة العالمية للتعريف بالرسول فيقول إن «كاشغري تلقى دعماً مادياً ولوجستياً من أشخاص محدّدين يشتركون معه في الفكر والغايات الدنيئة لمحاولة تدويل قضيته بإشراك منظمات لا تراعي الحدود الشرعية». زميله سعيد البكري يضيف أن الشاب السعودي عضو في «خلايا نائمة كانت تعقد ندوات وملتقيات في مدينة جدة لغسل أدمغة الشباب، من الأولاد والبنات، بالاستعانة ببعض الكتب النصرانية واليهودية». ودخل الكويتي محمد العوضي على خط الصراع، متهماً الليبراليين والعلمانيين السعوديين، بممارسة «استفزاز مقرف للمشاعر من خلال خطاب مراهق في مثاقفتهم مع الدين والتراث».

الكاتب الليبرالي تركي الحمد علّق على الهجوم بالقول «أنا مسلم، ولكني بإسلام دون مذاهب»، مضيفاً «كاشغري أخطأ التعبير وتاب، فلماذا كل هذا الشبق إلى الدم؟». ولم يطل الانتظار، ليأتي الرد من الإسلاميين «لو طبق شرع الله على الحمد لما زاد فساده. يجب أن يحاكم تركي الحمد بقطع رأسه».

المملكة التي راهنت على تنامي دورها الإقليمي من خلال العبث بالدخان الأبيض المنبعث من ساحات التغيير في دول مثل مصر وليبيا، وأخيراً سوريا، منصّبة من نفسها مدافعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وجدت نفسها في دوامة عالمية من الدخان الأسود، فقد انتقدت المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، موقف المملكة، مطالبة بالإفراج الفوري عن المغرد السعودي، الذي لم يفعل سوى «ممارسة حقه في التعبير عن رأيه» على حد وصف أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك باسكال مونوري.

إنّه حقاً يوم الدخان الأسود الذي يخيم في سماء منطقة الخليج.

غياب السادة النواب

حال تسنمه منصب رئاسة البرلمان الحالي أكد السيد أسامة النجيفي ضرورة التزام السادة النواب بحضور جلسات المجلس، وحث مشددا على منع تكرار  ظاهرة الغياب كما حصل في الدورة السابقة، منبها، الى غرامات مالية وانذارات وعقوبات بحق المتغيبين بدون عذر مشروع قد تصل- وفق تعليمات وآليات بتقنيات الكترونية أعدت لهذا الغرض- الى منع النائب باعفائه من مزاولة شرف مهمة مسؤولية تمثيل الناخب تحت قبة البرلمان، بعد التفريط وعدم الاخلاص في تحقيق احلامه وتطلعاته الآنية والمرحلية والمستقبلية، وفي ذلك حق واعادة اعتبار للذين تجشموا مخاطر الإدلاء بأصواتهم وغمس أصابعهم بمحابر الانتخابات رغم أحقاد الظلاميين واستهدافات الإرهابيين وكل من كان يراهن على بقاء الديمقراطية في أحضان العراق الجديد يتيمة الدهر،، لا سمح الله.

وربما وبسبب ما اكتنف العملية السياسية من تعكرات ظروف وكثرة تدخلات من أطراف داخلية وخارجية وتزايد سجالات قادة الكتل والائتلافات وانسحابات واعتراضات هذا الطرف أو ذاك، فضلا عن اعتقالات وتصاعد حمى انشاء الاقاليم بسريان العدوى الى أكثر من محافظة في التوقيت ذاته، قد أنسانا قضية متابعة قوائم الحضور والغياب في ملاك السادة أعضاء مجلس النواب، وثمة نظرية درسناها في علم النفس الاجتماعي كانت تفيد بخصوص تغيير الاتجاهات لدى فئة أو جماعة معينة بأن يتم القيام بعمليات إبدال الاتجاه أو الاهداف بتغيره ومحوه باتجاه آخر قد يكون مهيئا ومعدا أو قد يأتي بشكل عرضي- آني  ليتم تطويعه والاستفادة منه تبعا لنوع الحاجة والحالة والظرف، وهنالك من يعي ويدعي القول؛ لايمكن نسيان الخطأ أو مشكلة إلا بخطأ أقوى وأكبر من السابق أو مشكلة أكبر وأهم .! 

يا سادة يا كرام، لقد أثار عندي هذا الموضوع فضول ذلك المفلس الذي يبحث في دفاتره العتيقة عن فلس زائد أو درهم ناقص فاته من قائمة حساب قديم، وحين حاولت في ذهني مراجعة لوائح الغياب في قائمة حساب الدورة السابقة لمجلس النواب، توقفت باستغراب عند حكاية (116) يوما بالتمام والكمال التي خلا فيها منصب رئيس المجلس الذي كان يشغله (د. محمود المشهداني) من تأريخ قبول استقالته الاجبارية في(24/12/2008) حتى موعد قبول السيد(أياد السامرائي) بديلا عنه في(19/4/2009) ولم يحدث أي فراغ أو حرج يلكأ من سير أعمال ومهمات المجلس حتى بغياب العديد من السادة النواب الذين سجلوا أرقاما -ربما-  قياسية في سجلات عدم حضورهم أغلب الجلسات طيلة تلك السنوات رغم أنهم تسلموا رواتبهم وجميع مستحقاتهم (على داير مليم), ألم أقل لكم أني كنت أبحث وأقلّب في دفاتر عتيقة يا جماعة الخير!!    

هل بقيت للجامعة العربية قمة؟

تتناقل بعض وسائل الاعلام المحلية اخبارا عن توقعات لعقد قمة الجامعة العربية في بغداد نهاية شهر آذار المقبل, ويحيط الغموض بزيارة بن حلي مساعد أمين عام جامعة الدول العربية الى بغداد ولقائه ببعض المسؤولين.

وينقل عن بعض المسؤولين العراقيين تأكيداتهم على حتمية انعقاد القمة العربية في موعدها في بغداد, ويدعم هذا القول قيام رئيس جمهورية العراق بتوجيه الدعوات الرسمية للملوك والرؤساء العرب لحضور القمة العربية في بغداد.

من جهة اخرى تطالعنا اخبار مفادها تحضير الفنادق الخاصة باستضافة الملوك والرؤساء العرب والوفود المرافقة لهم.

ويذكر ان هذه التحضيرات هي استمرار لتحضيرات السنة الماضية التي اؤجل فيها انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد والأسباب معروفة.

ومن حق المسؤولين العراقيين التحضير لانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد, فهذا ما يتطلبه واجب القيام باظهار قدرة العراق على استضافة المؤتمرات الدولية ومنها مؤتمر القمة العربية. نتيجة تعطيل دوره العربي والدولي منذ نهاية الثمانينات وحتى انسحاب جيش الاحتلال الامريكي نهاية عام 2011 , حيث كانت آخر قمة عربية في بغداد عام 1989 والتي كان من غرائبها توقيع معاهدة عدم اعتداء بين بغداد والرياض.

ومن حق المسؤولين العراقيين ان يؤكدوا للعرب وللعالم انهم قادرون على حماية امنهم, والبحث عن فرصة مناسبة يثبتون من خلالها ضعف الخلايا الارهابية التي لم تعد تشكل تهديدا امنيا يتحدى قدرة الدولة في بسط الأمن في بغداد والمحافظات كافة، وبذلك يعطون مثالا عمليا من خلال انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد للشركات الاستثمارية ان تطمئن لعملها في العراق وان لاتبقى تلك الشركات وحكوماتها تعيش هاجس الخوف من العمل في العراق, ذلك الخوف الذي اصبح لدى البعض من جوار العراق وغيره مشروعا لمحاصرة العراق حكومة وشعبا.

مع استحضار كل تلك المبررات والأسباب وهي وجيهة ومقبولة من جهة الحس الوطني على ان يكون لبلدنا العراق حضورا رسميا ومشاركة ايجابية حتى ولو بالحد الأدنى كما هو في حالة اجتماع الجامعة العربية في بغداد ان تم ذلك.

ولكن من المناسب هنا ان نتذكر قول الشاعر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

                 تجري الرياح بما لاتشتهي السفن 

ويبدو هذا هو واقع الحال مع رغبة العراق بانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.ولكن, وستكون الـ”لكن” هنا عاملة وحاضرة بقوة اقوى من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.

ان نتذكر ما وصانا به رسول الله “صلى الله عليه وعلى اله وسلم” عندما قال:  “لاترغب في زاهد فيك”.

ويبدو ان الذين يزهدون من الرؤساء والملوك العرب بانعقاد القمة العربية في بغداد ليسوا بالعدد القليل, لاسيما بعد التحولات والاحداث التي تمر بها المنطقة العربية وخصوصا في البحرين وسورية.

ثم ان هناك من هو غير مهيأ للحضور لمثل هذه المؤتمرات نتيجة اوضاعهم الداخلية. ولايمكن اغفال مايجري من حولنا ومما هو قريب علينا وملاصق لجغرافيتنا ذلك هو التحدي النووي الذي تشتبك فيه ايران مع امريكا واسرائيل, وانعكاس هذه الازمة على موقف الانظمة العربية لاسيما الخليجية منها.

ثم ان مظاهر الشد والتوتر بين بعض اطراف العملية السياسية لاسيما احزاب السلطة, وعدم القدرة على حسم المناصب الوزارية للوزارت الامنية لما يقرب من سنتين, وعدم القدرة على حسم موضوع انعقاد المؤتمر الوطني بين الاطراف المشاركة في الحكم كل هذا لايشجع الزوار المرتقبين على الحضور للقمة العربية في بغداد, وستكون حججهم ومبرراتهم رغم عدم صدق بعضها لايمكن منع تأثيراتها على المتلقي في الوطن العربي وخارج الوطن العربي, بل وفي الداخل العراقي المبتلى بتشتت الرؤى وضبابية المواقف التي تغذيها حواضن وبؤر تغرد خارج السرب العراقي وهويته الوطنية المظلومة عبر تاريخ الدولة العراقية الحديثة.

وهنا من الانصاف ان نقول ما لنا وما علينا, وقد قلنا بعض مالنا, وهناك تردد لدى البعض ان نقول ما علينا, بل هو خوف مختزن نتيجة ثقافة لاتنتمي لافق حضاري ولا بعد انساني, تلك هي ثقافة السلطة في العراق عبر تاريخ طويل شهد تاريخ ظهور اول مظاهر الحكم والسلطة في العالم, حتى سميت حضارة بابل وسومر وآشور وأكد بالحضارة الحارة, مما جعلتها موضع اهتمام الأمم والشعوب والقادة المتطلعين الى حب السيطرة من أيام الأسكندر الذي استشار حكيم الاغريق “ارسطو” في موضوع العراق.

وما هو علينا: ليس من حقنا ان نظهر انفسنا وكأننا مستميتين على انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد وذلك للأسباب التالية:

1- لم تعد الجامعة العربية مؤسسة تتمتع بالاستقلالية بعد مشهدها الأخير في سيطرة دول الخليج واماراته على قراراتها.

2- لم تعد الجامعة العربية تحترم ميثاقها عندما جمدت أحد اعضائها دون حصول النصاب المطلوب وهو الاجماع وليس الاغلبية.

3- عندما تخلت الجامعة وامانتها عن تحمل مسؤولية المسألة السورية ونقلتها الى الأمم المتحدة بطريقة اخلت بالعمل العربي, وبحقوق الانسان العربي.

4- عندما أسفت على الفيتو الصيني الروسي ولم تأسف على “60” فيتو امريكي لصالح اسرائيل.

5- عندما اعلنت تبنيها ودعمها المالي والسياسي والعسكري للجماعات المسلحة من المعارضة السورية, وهو مما يصنع الفتنة, ويخرج الجامعة العربية من مهمتها الجامعة لكل العرب.

6- عندما الغت مقررات فريق المراقبة العربية وعزلت رئيس الفريق محمد الدابي لأنه اعترف بوجود المسلحين الذين يمارسون عنفا في سورية.

واخيرا لم تكن الحكومة العراقية موفقة بتحضيراتها السابقة عندما تعاقدت مع شركات ايطالية لعمل ” 2000 ” بدلة رجالية لموظفي الاستقبالات والتشريفات, وعندما قررت ارسال بعض موظفيها للتدريب على بروتوكولات الخدمة الى ماليزيا. وهذه قرارات تنم عن عدم الخبرة, والاساءة الى شركات الخياطة الوطنية مع تبذير غير مبرر للمال العام.

معسكر شبابي!

في عام 1957 ، وبتوجيه من الملك، اقامت وزارة المعارف معسكرا للشباب في مدينة شقلاوة، ضم على ما اذكر أكثر من ثلاثين شابا من (متصرفيات) العراق جميعها، تمّ اختيارهم من أوائل الدراسة الاعدادية، زيادة على بعض الموهوبين (اقتصر المعسكر على الذكور من دون الإناث) وقد تولى مهمة الإشراف ثلاثة من موظفي الوزارة، أحدهم بدرجة مدير عام هو المسؤول الأول عن المعسكر. 

كانت المدة المقررة ستين يوما، تبدأ من تموز وتنتهي في آب، واعتقد أن المعسكر لم يكن نوعا من المتعة فقط بل كان قبل ذلك درسا حياتيا بالغ الأهمية لبناء الشخصية.

حين وصلنا المعسكر المهيأ لنا سلفا، اجتمع بنا المسؤول الأول، وكتب أسماءنا على أوراق صغيرة جمعها في  كيس وأجرى قرعة تم على أساسها توزيعنا الى مجموعات عدة، تضم كل واحدة شبابا من شتى المدن العراقية، والحق فإن مئات الصداقات الوطيدة نشأت بين طلاب العراق من شماله إلى جنوبه، تعزز بعضها وتواصل مع الزمن، ولعلني مدين بتواصل علاقتي الرائعة مع الصديق عبد الحسن الغرابي ( من محافظة ذي قار)  الى أيام المعسكر.

تعلمنا في أثناء الشهرين كيف نعتمد على أنفسنا في تهيئة وجبات الطعام وغسل ملابسنا وتنظيف المكان والنهوض المبكر والتعداد المسائي واحترام الأنظمة والتعاون والعمل المشترك، واستمتعنا بجولات لطيفة في المدينة والمناطق الجبلية المحيطة بها، مثلما استمتعنا بالعديد من المباريات الرياضية والآماسي الثقافية والفنية المنوعة، يا لها من أوقات لا تنسى، ومع ذلك لم تخل رحلتنا من منغصات قادها شابان، أحدهما انتخبناه مسؤولا عن تنظيم الفعاليات، والآخر عن الخدمات، فقد شاءت المصادفة أن يكونا نرجسيين بصورة مرضية، ولذلك لم ينصرفا الى واجباتهما، وإنما الى المشاكسة فيما بينهما، وقد أنعكس ذلك علينا، فإذا قام الأول بالإعلان عن فعالية معينة، لم يقم الثاني بتوفير المكان مثلا أو المنصة والكراسي والمستلزمات الأخرى، واإذا قام الثاني بتهيئة المستلزمات جميعها على أفضل وجه، قام الأول بإلغاء الفعالية وقد ذقنا الأمرين منهما طوال الأيام التسعة الأولى من الرحلة، وكان أسوأ  ما في الأمر هو انقسامنا على انفسنا بين مؤيد للأول أو مؤيد للثاني، وتفاقم الانقسام الى حد العداوة  والضغينة، ولذلك طلبنا من المشرفين إجراء انتخابات جديدة، فوافقوا على الطلب ، ولكن الغريب والمضحك في الوقت نفسه، إننا إخترنا الشخصين نفسيهما في الانتخابات الجديدة، فعادا إلى المشاكسة، وعندها إتخذنا قرارا صارما بأن نقيم الفعاليات، ونهيئ مستلزماتها من دون الرجوع إليهما، وهكذا أمضينا أياما حلوة ، حافلة بالمتع والسعادات، لعلها أحلى أيام العمر.

دخان أبيض.. دخان أسود

ليس في نيتي الخوض في مدى صواب أو خطأ موقف كاشغري، وليس في نيتي الخوض في الصراع الدائر حالياً في منطقة الخليج بين الإسلاميين والليبراليين، ولاسيما في السعودية والكويت، بشأن  الشاب كاشغري.

حمزة كاشغري أتهم بالردة على خلفية تغريدات عدّت  مسيئة للذّات الإلهية وللنبي محمد. الشاب السعودي كان الشرارة التي أشعلت حريق الصراع بين الفريقين، ووضع المملكة برمتها بموقف لا تحسد عليه أمام العالم المتحضر، لاسيما وأن سخونة مداخلة وزير الخارجية السعودي أمام اجتماع الجامعة العربية بشأن  الملف السوري، لم تبرد بعد. الوزير ألقى محاضرة طويلة وعريضة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وقدم مرافعة للدفاع عن القتلى السوريين متهماً النظام بأبشع صور الاضطهاد لشعبه. من يقدم مرافعة عن كاشغري؟

نعم.. الشاب السعودي بحاجة إلى مرافعة حقيقية وجادة، لأن أمر حياته ليس مرتهناً للقانون، لأنه في هذه الحالة قد يتعرض لعقوبة بسيطة أو غرامة مالية، طالما الموضوع تحت سقف قانون الإعلام، الذي يجب أن تتكيف قضية كاشغري وفقا لمواده، بل أمر حياته مرتهناً لحرائق الصراع بين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي وصفت كاشغري بـ(السّفيه والمارق والزنديق) وطالبت بقطع رأسه.

لم يتوقف الأمر عند حد مطالبة الهيأة بقطع رأس الشاب السعودي، بل تعداه إلى حد تنظيم حملة من قبل الإسلاميين للمطالبة بالحد من نشاط الليبراليين الذين «تجاوزوا الخط الأحمر» كما كتب الإعلامي زعل الفرمان، موجهاً نداءً إلى الملك يقول فيه «لقد عاث الليبراليون ببلاد الحرمين، فلتجتث أصولهم، واجعل هذا المارق أولى ضحاياهم».أما د.خالد الشايع، الأمين العام المساعد لـ»الهيئة العالمية للتعريف بالرسول فيقول إن «كاشغري تلقى دعماً مادياً ولوجستياً من أشخاص محدّدين يشتركون معه في الفكر والغايات الدنيئة لمحاولة تدويل قضيته بإشراك منظمات لا تراعي الحدود الشرعية». زميله سعيد البكري يضيف أن الشاب السعودي عضو في «خلايا نائمة كانت تعقد ندوات وملتقيات في مدينة جدة لغسل أدمغة الشباب، من الأولاد والبنات، بالاستعانة ببعض الكتب النصرانية واليهودية». ودخل الكويتي محمد العوضي على خط الصراع، متهماً الليبراليين والعلمانيين السعوديين، بممارسة «استفزاز مقرف للمشاعر من خلال خطاب مراهق في مثاقفتهم مع الدين والتراث».

الكاتب الليبرالي تركي الحمد علّق على الهجوم بالقول «أنا مسلم، ولكني بإسلام دون مذاهب»، مضيفاً «كاشغري أخطأ التعبير وتاب، فلماذا كل هذا الشبق إلى الدم؟». ولم يطل الانتظار، ليأتي الرد من الإسلاميين «لو طبق شرع الله على الحمد لما زاد فساده. يجب أن يحاكم تركي الحمد بقطع رأسه».

المملكة التي راهنت على تنامي دورها الإقليمي من خلال العبث بالدخان الأبيض المنبعث من ساحات التغيير في دول مثل مصر وليبيا، وأخيراً سوريا، منصّبة من نفسها مدافعاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة، وجدت نفسها في دوامة عالمية من الدخان الأسود، فقد انتقدت المنظمات الحقوقية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، موقف المملكة، مطالبة بالإفراج الفوري عن المغرد السعودي، الذي لم يفعل سوى «ممارسة حقه في التعبير عن رأيه» على حد وصف أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة نيويورك باسكال مونوري.

إنّه حقاً يوم الدخان الأسود الذي يخيم في سماء منطقة الخليج.

غياب السادة النواب

حال تسنمه منصب رئاسة البرلمان الحالي أكد السيد أسامة النجيفي ضرورة التزام السادة النواب بحضور جلسات المجلس، وحث مشددا على منع تكرار  ظاهرة الغياب كما حصل في الدورة السابقة، منبها، الى غرامات مالية وانذارات وعقوبات بحق المتغيبين بدون عذر مشروع قد تصل- وفق تعليمات وآليات بتقنيات الكترونية أعدت لهذا الغرض- الى منع النائب باعفائه من مزاولة شرف مهمة مسؤولية تمثيل الناخب تحت قبة البرلمان، بعد التفريط وعدم الاخلاص في تحقيق احلامه وتطلعاته الآنية والمرحلية والمستقبلية، وفي ذلك حق واعادة اعتبار للذين تجشموا مخاطر الإدلاء بأصواتهم وغمس أصابعهم بمحابر الانتخابات رغم أحقاد الظلاميين واستهدافات الإرهابيين وكل من كان يراهن على بقاء الديمقراطية في أحضان العراق الجديد يتيمة الدهر،، لا سمح الله.

وربما وبسبب ما اكتنف العملية السياسية من تعكرات ظروف وكثرة تدخلات من أطراف داخلية وخارجية وتزايد سجالات قادة الكتل والائتلافات وانسحابات واعتراضات هذا الطرف أو ذاك، فضلا عن اعتقالات وتصاعد حمى انشاء الاقاليم بسريان العدوى الى أكثر من محافظة في التوقيت ذاته، قد أنسانا قضية متابعة قوائم الحضور والغياب في ملاك السادة أعضاء مجلس النواب، وثمة نظرية درسناها في علم النفس الاجتماعي كانت تفيد بخصوص تغيير الاتجاهات لدى فئة أو جماعة معينة بأن يتم القيام بعمليات إبدال الاتجاه أو الاهداف بتغيره ومحوه باتجاه آخر قد يكون مهيئا ومعدا أو قد يأتي بشكل عرضي- آني  ليتم تطويعه والاستفادة منه تبعا لنوع الحاجة والحالة والظرف، وهنالك من يعي ويدعي القول؛ لايمكن نسيان الخطأ أو مشكلة إلا بخطأ أقوى وأكبر من السابق أو مشكلة أكبر وأهم .! 

يا سادة يا كرام، لقد أثار عندي هذا الموضوع فضول ذلك المفلس الذي يبحث في دفاتره العتيقة عن فلس زائد أو درهم ناقص فاته من قائمة حساب قديم، وحين حاولت في ذهني مراجعة لوائح الغياب في قائمة حساب الدورة السابقة لمجلس النواب، توقفت باستغراب عند حكاية (116) يوما بالتمام والكمال التي خلا فيها منصب رئيس المجلس الذي كان يشغله (د. محمود المشهداني) من تأريخ قبول استقالته الاجبارية في(24/12/2008) حتى موعد قبول السيد(أياد السامرائي) بديلا عنه في(19/4/2009) ولم يحدث أي فراغ أو حرج يلكأ من سير أعمال ومهمات المجلس حتى بغياب العديد من السادة النواب الذين سجلوا أرقاما -ربما-  قياسية في سجلات عدم حضورهم أغلب الجلسات طيلة تلك السنوات رغم أنهم تسلموا رواتبهم وجميع مستحقاتهم (على داير مليم), ألم أقل لكم أني كنت أبحث وأقلّب في دفاتر عتيقة يا جماعة الخير!!    

هل بقيت للجامعة العربية قمة؟

تتناقل بعض وسائل الاعلام المحلية اخبارا عن توقعات لعقد قمة الجامعة العربية في بغداد نهاية شهر آذار المقبل, ويحيط الغموض بزيارة بن حلي مساعد أمين عام جامعة الدول العربية الى بغداد ولقائه ببعض المسؤولين.

وينقل عن بعض المسؤولين العراقيين تأكيداتهم على حتمية انعقاد القمة العربية في موعدها في بغداد, ويدعم هذا القول قيام رئيس جمهورية العراق بتوجيه الدعوات الرسمية للملوك والرؤساء العرب لحضور القمة العربية في بغداد.

من جهة اخرى تطالعنا اخبار مفادها تحضير الفنادق الخاصة باستضافة الملوك والرؤساء العرب والوفود المرافقة لهم.

ويذكر ان هذه التحضيرات هي استمرار لتحضيرات السنة الماضية التي اؤجل فيها انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد والأسباب معروفة.

ومن حق المسؤولين العراقيين التحضير لانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد, فهذا ما يتطلبه واجب القيام باظهار قدرة العراق على استضافة المؤتمرات الدولية ومنها مؤتمر القمة العربية. نتيجة تعطيل دوره العربي والدولي منذ نهاية الثمانينات وحتى انسحاب جيش الاحتلال الامريكي نهاية عام 2011 , حيث كانت آخر قمة عربية في بغداد عام 1989 والتي كان من غرائبها توقيع معاهدة عدم اعتداء بين بغداد والرياض.

ومن حق المسؤولين العراقيين ان يؤكدوا للعرب وللعالم انهم قادرون على حماية امنهم, والبحث عن فرصة مناسبة يثبتون من خلالها ضعف الخلايا الارهابية التي لم تعد تشكل تهديدا امنيا يتحدى قدرة الدولة في بسط الأمن في بغداد والمحافظات كافة، وبذلك يعطون مثالا عمليا من خلال انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد للشركات الاستثمارية ان تطمئن لعملها في العراق وان لاتبقى تلك الشركات وحكوماتها تعيش هاجس الخوف من العمل في العراق, ذلك الخوف الذي اصبح لدى البعض من جوار العراق وغيره مشروعا لمحاصرة العراق حكومة وشعبا.

مع استحضار كل تلك المبررات والأسباب وهي وجيهة ومقبولة من جهة الحس الوطني على ان يكون لبلدنا العراق حضورا رسميا ومشاركة ايجابية حتى ولو بالحد الأدنى كما هو في حالة اجتماع الجامعة العربية في بغداد ان تم ذلك.

ولكن من المناسب هنا ان نتذكر قول الشاعر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

                 تجري الرياح بما لاتشتهي السفن 

ويبدو هذا هو واقع الحال مع رغبة العراق بانعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.ولكن, وستكون الـ”لكن” هنا عاملة وحاضرة بقوة اقوى من انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد.

ان نتذكر ما وصانا به رسول الله “صلى الله عليه وعلى اله وسلم” عندما قال:  “لاترغب في زاهد فيك”.

ويبدو ان الذين يزهدون من الرؤساء والملوك العرب بانعقاد القمة العربية في بغداد ليسوا بالعدد القليل, لاسيما بعد التحولات والاحداث التي تمر بها المنطقة العربية وخصوصا في البحرين وسورية.

ثم ان هناك من هو غير مهيأ للحضور لمثل هذه المؤتمرات نتيجة اوضاعهم الداخلية. ولايمكن اغفال مايجري من حولنا ومما هو قريب علينا وملاصق لجغرافيتنا ذلك هو التحدي النووي الذي تشتبك فيه ايران مع امريكا واسرائيل, وانعكاس هذه الازمة على موقف الانظمة العربية لاسيما الخليجية منها.

ثم ان مظاهر الشد والتوتر بين بعض اطراف العملية السياسية لاسيما احزاب السلطة, وعدم القدرة على حسم المناصب الوزارية للوزارت الامنية لما يقرب من سنتين, وعدم القدرة على حسم موضوع انعقاد المؤتمر الوطني بين الاطراف المشاركة في الحكم كل هذا لايشجع الزوار المرتقبين على الحضور للقمة العربية في بغداد, وستكون حججهم ومبرراتهم رغم عدم صدق بعضها لايمكن منع تأثيراتها على المتلقي في الوطن العربي وخارج الوطن العربي, بل وفي الداخل العراقي المبتلى بتشتت الرؤى وضبابية المواقف التي تغذيها حواضن وبؤر تغرد خارج السرب العراقي وهويته الوطنية المظلومة عبر تاريخ الدولة العراقية الحديثة.

وهنا من الانصاف ان نقول ما لنا وما علينا, وقد قلنا بعض مالنا, وهناك تردد لدى البعض ان نقول ما علينا, بل هو خوف مختزن نتيجة ثقافة لاتنتمي لافق حضاري ولا بعد انساني, تلك هي ثقافة السلطة في العراق عبر تاريخ طويل شهد تاريخ ظهور اول مظاهر الحكم والسلطة في العالم, حتى سميت حضارة بابل وسومر وآشور وأكد بالحضارة الحارة, مما جعلتها موضع اهتمام الأمم والشعوب والقادة المتطلعين الى حب السيطرة من أيام الأسكندر الذي استشار حكيم الاغريق “ارسطو” في موضوع العراق.

وما هو علينا: ليس من حقنا ان نظهر انفسنا وكأننا مستميتين على انعقاد مؤتمر القمة العربية في بغداد وذلك للأسباب التالية:

1- لم تعد الجامعة العربية مؤسسة تتمتع بالاستقلالية بعد مشهدها الأخير في سيطرة دول الخليج واماراته على قراراتها.

2- لم تعد الجامعة العربية تحترم ميثاقها عندما جمدت أحد اعضائها دون حصول النصاب المطلوب وهو الاجماع وليس الاغلبية.

3- عندما تخلت الجامعة وامانتها عن تحمل مسؤولية المسألة السورية ونقلتها الى الأمم المتحدة بطريقة اخلت بالعمل العربي, وبحقوق الانسان العربي.

4- عندما أسفت على الفيتو الصيني الروسي ولم تأسف على “60” فيتو امريكي لصالح اسرائيل.

5- عندما اعلنت تبنيها ودعمها المالي والسياسي والعسكري للجماعات المسلحة من المعارضة السورية, وهو مما يصنع الفتنة, ويخرج الجامعة العربية من مهمتها الجامعة لكل العرب.

6- عندما الغت مقررات فريق المراقبة العربية وعزلت رئيس الفريق محمد الدابي لأنه اعترف بوجود المسلحين الذين يمارسون عنفا في سورية.

واخيرا لم تكن الحكومة العراقية موفقة بتحضيراتها السابقة عندما تعاقدت مع شركات ايطالية لعمل ” 2000 ” بدلة رجالية لموظفي الاستقبالات والتشريفات, وعندما قررت ارسال بعض موظفيها للتدريب على بروتوكولات الخدمة الى ماليزيا. وهذه قرارات تنم عن عدم الخبرة, والاساءة الى شركات الخياطة الوطنية مع تبذير غير مبرر للمال العام.

معسكر شبابي!

في عام 1957 ، وبتوجيه من الملك، اقامت وزارة المعارف معسكرا للشباب في مدينة شقلاوة، ضم على ما اذكر أكثر من ثلاثين شابا من (متصرفيات) العراق جميعها، تمّ اختيارهم من أوائل الدراسة الاعدادية، زيادة على بعض الموهوبين (اقتصر المعسكر على الذكور من دون الإناث) وقد تولى مهمة الإشراف ثلاثة من موظفي الوزارة، أحدهم بدرجة مدير عام هو المسؤول الأول عن المعسكر. 

كانت المدة المقررة ستين يوما، تبدأ من تموز وتنتهي في آب، واعتقد أن المعسكر لم يكن نوعا من المتعة فقط بل كان قبل ذلك درسا حياتيا بالغ الأهمية لبناء الشخصية.

حين وصلنا المعسكر المهيأ لنا سلفا، اجتمع بنا المسؤول الأول، وكتب أسماءنا على أوراق صغيرة جمعها في  كيس وأجرى قرعة تم على أساسها توزيعنا الى مجموعات عدة، تضم كل واحدة شبابا من شتى المدن العراقية، والحق فإن مئات الصداقات الوطيدة نشأت بين طلاب العراق من شماله إلى جنوبه، تعزز بعضها وتواصل مع الزمن، ولعلني مدين بتواصل علاقتي الرائعة مع الصديق عبد الحسن الغرابي ( من محافظة ذي قار)  الى أيام المعسكر.

تعلمنا في أثناء الشهرين كيف نعتمد على أنفسنا في تهيئة وجبات الطعام وغسل ملابسنا وتنظيف المكان والنهوض المبكر والتعداد المسائي واحترام الأنظمة والتعاون والعمل المشترك، واستمتعنا بجولات لطيفة في المدينة والمناطق الجبلية المحيطة بها، مثلما استمتعنا بالعديد من المباريات الرياضية والآماسي الثقافية والفنية المنوعة، يا لها من أوقات لا تنسى، ومع ذلك لم تخل رحلتنا من منغصات قادها شابان، أحدهما انتخبناه مسؤولا عن تنظيم الفعاليات، والآخر عن الخدمات، فقد شاءت المصادفة أن يكونا نرجسيين بصورة مرضية، ولذلك لم ينصرفا الى واجباتهما، وإنما الى المشاكسة فيما بينهما، وقد أنعكس ذلك علينا، فإذا قام الأول بالإعلان عن فعالية معينة، لم يقم الثاني بتوفير المكان مثلا أو المنصة والكراسي والمستلزمات الأخرى، واإذا قام الثاني بتهيئة المستلزمات جميعها على أفضل وجه، قام الأول بإلغاء الفعالية وقد ذقنا الأمرين منهما طوال الأيام التسعة الأولى من الرحلة، وكان أسوأ  ما في الأمر هو انقسامنا على انفسنا بين مؤيد للأول أو مؤيد للثاني، وتفاقم الانقسام الى حد العداوة  والضغينة، ولذلك طلبنا من المشرفين إجراء انتخابات جديدة، فوافقوا على الطلب ، ولكن الغريب والمضحك في الوقت نفسه، إننا إخترنا الشخصين نفسيهما في الانتخابات الجديدة، فعادا إلى المشاكسة، وعندها إتخذنا قرارا صارما بأن نقيم الفعاليات، ونهيئ مستلزماتها من دون الرجوع إليهما، وهكذا أمضينا أياما حلوة ، حافلة بالمتع والسعادات، لعلها أحلى أيام العمر.