المؤلفون العراقيون .. وحقوقهم الفكرية

قبل ايام كنت في بيروت؛ بيروت عاصمة الثقافة الانسانية وعاصمة الجمال وشارع الحمراء والروشة والليالي التي لا تملّ كانها بغداد ايام زهوها القديم .

• بالمصادفة؛ صارت بيني وبين خبير المخطوطات الكبير الاستاذ اسامة النقشبندي؛ مهاتفة عن السفر والجهة الداعية؛ وعتب نبيل منه لاني لم اشعره بسفري الى ست الدنيا – كما يحلو لنزار قباني ان يسميها – ومبعث عتب النقشبندي ان الكثير من كتبه يعاد طبعها الان في بيروت من دون ومن دون حقوق ؛ واحيانا باسم مؤلف آخر او -باحسن الاحوال- من دون اسم ؟!! 

• وهو أمر يعود بنا الى قضية حقوق المؤلف او قضية حقوق الملكية الفكرية بشكل عام؛ وتزوير العقل العراقي؛ ومن المؤسف ان بلدانا لها باع طويل في احترام العقل؛ تساهم الان في سرقة انتاجنا العقلي والفكري والفني؛ وبغياب كامل لجهاتنا الاختصاصية وبعدها عن هذه القضية الخطيرة؛ وبودي ان الفت عناية المختصين هنا الى اثارنا وتلك قضيتها قضية كما يقال.

• ولعل النهب والتهريب المنظّم – خصوصا للفترات التي تتعلق بالسبي البابلي او المخطوطات التي تتحدث عن تاريخ اليهود في العراق؛ أوكتبهم قبل التحريف – فحدّث ولا حرج.

بلد مستباح لا شرطة لا جيش لا امن لا مخابرات؛ وبوجع ممض نقول ما مضى مضى؛ لكن يجب ان نتابع؛ بعد ان اصبحت هناك ملامح للدولة العراقية الجديدة بخروج المحتلين؛ فنتقصّى ما نهب وما سرق وما سجّل باسماء غير اسماء مبدعينا؛ ونعمل على استعادته ومقاضاة السارقين ؛ لكن كيف ..؟

اكثر من 100 دولة وقعت على اتفاقية تسمى(حقوق الملكية الفكرية) بهدف حماية حقوق مبدعيها في كافة مجالات النشاط الانساني؛ ولا يحق لأحد المناقلة او الافادة من (الملكية الفكرية) الا بعد ان يتم الاتفاق مع صاحب المنجز على شرائه منه ؛ او على استثماره مقابل حصة معقولة .

• فمن هي الجهة الضامنة او الجهة التي تؤكد او تؤيد بان هذا الكتاب او الاكتشاف او الاختراع او اللوحة او الاغنية او القطعة الموسيقية تعود لك ؛ وفي حالة سرقتها منك تستعين بها لاسترداد حقك الفكري .

• الجهة التي سرقت جهد السيد النقشبندي معروفة؛ والناشر موجود؛ وكتبه موثقة بالاسم وبتاريخ الاصدار؛ والمطلوب ان تساعده جهة حكومية او شعبية على استرداد حقوقه؛ فعلى الاقل ان لم نحفظ الدم؛ نحاول ان نحافظ على انتاج العقل الذي نعرف جميعا انه المستهدف وعلى المستويات كافة.

شظايا عراقية في الأزمة السورية

أسعار إيجارات المنازل في العراق، أغلى منها في أيٍّ من الدول المجاورة، الفرق في عدد السكان ومستوى دخل الفرد يقول البعض . الخلل في تخطيط بغداد العمراني والتمدد الأفقي في البناء الذي جعل عدد الوحدات السكنية أدنى بكثير من عدد السكان ولا يلبي متطلبات الانشطار في الأسرة  العراقية، يقول البعض الآخر. 

الوعود الرسمية بحل الأزمة مستمرة، لكنها بلا تنفيذ، مرة تأخذ اسم مجمع بسماية وأخرى اسم العقود الكورية أو اليابانية وربما عقود ساحل العاج، لكنها تبقى وعوداً تتبخر مع أحلام المواطن بسكن يجنبه ذل الإيجارات المرتفعة التي تصل أحيانا الى  مرتب الموظف الحكومي. تخيل أن تعمل بجهد لمدة ثلاثين يوماً، لينتهي بك الأمر بتسلم ثمن هذا الجهد من المحاسب وتسليمه إلى يد مالك البيت الذي تسكنه.

هل هي أزمة؟.. لا.. الأزمة لم تبدأ بعد.

جاءني صوته رطباً قلقاً وهو يتحدث من شارع العراقيين في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق. صاحبي الذي قضى أكثر من (10) سنوات  من العيش في سوريا، قرّر العودة إلى العراق. لكنه غارق في حيرة السؤال عن السكن في بغداد، عن أسعار الإيجارات، عن فرص العمل. باختصار: عن كونه عراقي يريد أن يعيش بكرامة في عراقه. 

أزمة صاحبي، هي أزمة مئات آلاف العراقيين، الذين لم يجدوا وسط ظروف القلق التي تعيشها سوريا، سوى العودة إلى العراق، هؤلاء ينشدون الأمان، الذي بدأ يتبدد في الشارع السوري. أنهم يقارنون بين الأمن هنا وبين الأمن هناك، ومثل كل المقارنات، فإن كفّة الوطن هي التي ترجح وإن كانت هي الكفة الهابطة في الميزان. 

الغربة كالصقيع، تقتل دفء الروح.

أزمة صاحبي وضعتني في دوامة البحث عن سكن يليق به، وتتناسب مع إمكاناته المالية. إستنفرت كل أصدقائي للبحث عن سكن لصاحبي، حتى الزملاء في الجريدة دخلوا في دوامة البحث. المناطق تختلف، وكذلك الأسعار، دوامة البحث ذكرتني بمقولة غسان كنفاني في روايته الرائعة أم سعد (خيمة عن خيمة.. تفرق). والأهم أن أجد لصاحبي خيمة تقيه وعياله برد الشتاء الذي جاء قاسياً هذا العام، لكن سقف أي خيمة في بغداد مرتفع عن سقف إمكانات صاحبي المالية.

هل هي أزمة؟ نعم بدأت ملامح الأزمة الآن..

مئات الأسر  العراقية تصل بغداد فجر كل يوم، ومثلها تصل في المساء. هؤلاء شظايا عراقية للأزمة السورية، فهم بحاجة للسكن، وللعمل.. أيضاً.

الإيجارات ترتفع في كل المناطق، والتصريحات الرسمية التي تتبخر فور عرضها من على شاشات الفضائيات، لم تعد تجدي. والمطلوب حلول سريعة لحل أزمة الشظايا العراقية في الأزمة السورية، لأنّها إن تواصلت بهذه النسبة، إن لم تتصاعد خلال الأيام المقبلة، سنكون أمام أزمة، لا تحلها سوى مخيمات هي أشبه بمخيمات اللاجئين، ولا أعتقد أن العراق الجديد سيعامل العراقيين العائدين، بعد طول غربة، إلى وطنهم، معاملة اللاجئين.

مبدع مثل يره !!

على كثرة الذين جذبهم طابور الواقفين أمام باب السلطان، ودخلوا البلاط وقبلوا الأرض التي يمشي عليها وعلى كثرة الذين تغنوا بطوله وعرضه وطلعته وأفكاره وأفعاله وبطولاته، طلبا للدنانير والمكرمات، أو طمعا في الحصول على مركز مرموق، أو حفاظا على منصب لا يستحقونه، أو استجداء لوظيفة يحلمون بها، أو خوفا من تقرير مخبر سري أو حزبي حاقد لأسباب شخصية، وما بين هؤلاء وهؤلاء، فريق يمدح طوعا وإيمانا وقناعة إلا هذا الصديق القامة الفارعة من الإبداع، نأى بنفسه عن تلك الكثرة، ووقف صامدا في وجه الريح العاتية، لم ينحن له جذع ولم ينحرف بقلمه يوما الى غير وجهته قانعا بحياة الزهد وخشونة اللقمة، لا يلتفت الى رؤوس من حوله تنثر عليها دراهم الذهب بلا حساب وهي لا تستحق دراهم النحاس، ولم تسوّل له النفس ضعفا، او تشتهي طعام الأمير على ما فيها من جوع، وحاجة الى لحمة تسند القلب وترم العظم وتعافي البدن!!

كذلك أمضى الرجل سيرته، منذ خمسين أو يزيد من السنوات العجاف، منصرفا إلى كتبه وأوراقه ومراجعاته ومتابعاته، وهو في ذلك كله، قارئ نهم ومثقف موسوعي، ومبدع متعدد النواهب والمذاهب، كتب في النقد التشكيلي بحوثا ودراسات تعد مرجعا لا غنى عنه للمشتغلين في حقل الفن، وكتب في النقد الأدبي مقالات وآراء تعد مرجعا للعاملين في حقول الأدب، ونشر عبر رحلة العمر الطويلة دراسات بالغة الأهمية في ميادين الفكر والفلسفة، وأتحف المكتبة الثقافية بعدد من الروايات والمجاميع القصصية، ولم يكن أقل شأنا في رحاب الرسم، حيث أقام في داخل العراق وخارجه العديد من المعارض، لفتت إليها الأنتباه، وفوق هذا وذاك كان الرجل وما زال، علما بارزا من أعلام الصحافة العراقية، سواء في كتابة (العمود) أم التحقيق أم فنون العمل الصحفي الأخرى، بحكم ما يتمتع به من رشاقة الأسلوب وعمق الفكرة وجزالة اللغة.

الغريب إن هذا الإنسان المبدع، غير ميال إلى التذمر أو التشكي أبدا، على الرغم من ظروفه الحياتية الصعبة، وما عاناه من إهمال على مدى خمسة عقود، والأغرب إن الأبتسامة الوديعة لا تفارقه، و(النكتة) الساخرة حاضرة على لسانه ، ولعل من أطرف ما يحضرني هنا، إنني التقيته قبل بداية السنة الجديدة 2012 وسألته سؤالا عرضيا عابرا عن أمنيته للعام المقبل، فأجابني على الفور (أتمنى أن أموت!) ، ومثل هذه الإجابة المستفزة دفعتني إلى أن اسأله مجددا (لماذا؟) فرد علي وهو يضحك بسعادة غامرة: لعل الدولة (تتفطن) وتقيم لي حفلا تكريميا، أو تشمل أسرتي براتب شبكة الرعاية الاجتماعية!! 

ضحكة خير

من الشائع والمعروف عند العراقيين، ان الواحد منهم حين يصادف او يعيش لحظات فرح او ان امرا اضحكه مايدعونه ضحّكا من القلب، وهي لحظات نادرة في عمر العراقيين، فانه يستعيذ من الله ويبسمل عدة مرات، متمنيا من الله، ان يجعلها ضحكة (خير) موقنا ان لحظة الفرح او الضحك تلك ايذان بوقوع مصيبة كبرى، لا لشيء الا لانه عايش الاحزان طويلا وتآخى معها، ولم يألف تلك اللحظات السعيدة  الا بالسنة حسنة كما يقال..

كثير من الذين يتصدون لتحليل الشخصية العراقية يقعون في خطأ فصلها عن حيثياتها التاريخية ــ الفكرية، ومحيطها ذي الاصول الشرقية المعبأة بالمعتقدات، فمن حيث التاريخ قاست تلك الشخصية ما لا عد له  ولا حصر من شتى انواع القمع والعذاب اللذين ما انفكت تقاسيهما حتى اليوم، ومن حيث الفكر فقد ظلت اسيرة التابعية المطلقة لأيديولوجيا السلطة من دون ان تمتلك قدرة التمرد والسؤال عن مجاهل المعرفة التي لم تزل مغلقة بفعل التحريم، والحالات النادرة التي شذت عن تلك القاعدة تعرضت للتجريم ومن ثم الى عقوبة الموت. وراحت تقيم تقاليد وطقوس للحزن، وتبتدع يافطات ومسميات لتكريسه حتى غدا مهيمنة لا خلاص منها او مهرب، وهناك على الدوام من  يدافع عن تلك الطقوس ومأساويتها بدعاوى تكرس واقعية المأساة حيث مشاهد القتل والتدمير وخراب مستشر في الانفس والعقول، من دون ان تمد يدا بإتجاه التفاؤل بالغد حتى امست عبارة (اليوم احسن من الغد) لازمة تلوكها الافواه كل ساعة وبمناسبة  او من دونها.

يقول المفكر الفرنسي هنري برغسون (الضحك سلاح جبار، يستمد جبروته من كونه يسفه المأساة) ولا خلاف على طبيعة الحياة المأساوية، فانت لن تعيش وتحقق ما تصبوا اليه ان انت لم تبذل جهدا، ايا كان هذا الجهد وهنا تكمن العتبة  الاولى في المأساة.. ونمتلك نحن العراقيون في عقولنا ونفوسنا عدسة يمكن لها ان تكبر حجم الحدث المأساوي بنسب كبيرة، ربما تصل الى 100 % من دون مبالغة يعاضدها في ذلك تاريخ طويل ومرير من العذاب.

الثابت ان الحزن طبيعة خلق اما الفرح فصناعة انسانية تقتضي منا فعلا متواصلا نديم من خلاله نسغ الحياة وندحر به في ذات الوقت رموز المأساة وصناعها النتنين من الصداميين والقاعديين وداعميهم من الظلاميين وطغاة الجوار الذين صدئوا لطول ما تسمروا على عروش مأساة الشعوب المبتلاة بهم..

المؤلفون العراقيون .. وحقوقهم الفكرية

قبل ايام كنت في بيروت؛ بيروت عاصمة الثقافة الانسانية وعاصمة الجمال وشارع الحمراء والروشة والليالي التي لا تملّ كانها بغداد ايام زهوها القديم .

• بالمصادفة؛ صارت بيني وبين خبير المخطوطات الكبير الاستاذ اسامة النقشبندي؛ مهاتفة عن السفر والجهة الداعية؛ وعتب نبيل منه لاني لم اشعره بسفري الى ست الدنيا – كما يحلو لنزار قباني ان يسميها – ومبعث عتب النقشبندي ان الكثير من كتبه يعاد طبعها الان في بيروت من دون ومن دون حقوق ؛ واحيانا باسم مؤلف آخر او -باحسن الاحوال- من دون اسم ؟!! 

• وهو أمر يعود بنا الى قضية حقوق المؤلف او قضية حقوق الملكية الفكرية بشكل عام؛ وتزوير العقل العراقي؛ ومن المؤسف ان بلدانا لها باع طويل في احترام العقل؛ تساهم الان في سرقة انتاجنا العقلي والفكري والفني؛ وبغياب كامل لجهاتنا الاختصاصية وبعدها عن هذه القضية الخطيرة؛ وبودي ان الفت عناية المختصين هنا الى اثارنا وتلك قضيتها قضية كما يقال.

• ولعل النهب والتهريب المنظّم – خصوصا للفترات التي تتعلق بالسبي البابلي او المخطوطات التي تتحدث عن تاريخ اليهود في العراق؛ أوكتبهم قبل التحريف – فحدّث ولا حرج.

بلد مستباح لا شرطة لا جيش لا امن لا مخابرات؛ وبوجع ممض نقول ما مضى مضى؛ لكن يجب ان نتابع؛ بعد ان اصبحت هناك ملامح للدولة العراقية الجديدة بخروج المحتلين؛ فنتقصّى ما نهب وما سرق وما سجّل باسماء غير اسماء مبدعينا؛ ونعمل على استعادته ومقاضاة السارقين ؛ لكن كيف ..؟

اكثر من 100 دولة وقعت على اتفاقية تسمى(حقوق الملكية الفكرية) بهدف حماية حقوق مبدعيها في كافة مجالات النشاط الانساني؛ ولا يحق لأحد المناقلة او الافادة من (الملكية الفكرية) الا بعد ان يتم الاتفاق مع صاحب المنجز على شرائه منه ؛ او على استثماره مقابل حصة معقولة .

• فمن هي الجهة الضامنة او الجهة التي تؤكد او تؤيد بان هذا الكتاب او الاكتشاف او الاختراع او اللوحة او الاغنية او القطعة الموسيقية تعود لك ؛ وفي حالة سرقتها منك تستعين بها لاسترداد حقك الفكري .

• الجهة التي سرقت جهد السيد النقشبندي معروفة؛ والناشر موجود؛ وكتبه موثقة بالاسم وبتاريخ الاصدار؛ والمطلوب ان تساعده جهة حكومية او شعبية على استرداد حقوقه؛ فعلى الاقل ان لم نحفظ الدم؛ نحاول ان نحافظ على انتاج العقل الذي نعرف جميعا انه المستهدف وعلى المستويات كافة.

شظايا عراقية في الأزمة السورية

أسعار إيجارات المنازل في العراق، أغلى منها في أيٍّ من الدول المجاورة، الفرق في عدد السكان ومستوى دخل الفرد يقول البعض . الخلل في تخطيط بغداد العمراني والتمدد الأفقي في البناء الذي جعل عدد الوحدات السكنية أدنى بكثير من عدد السكان ولا يلبي متطلبات الانشطار في الأسرة  العراقية، يقول البعض الآخر. 

الوعود الرسمية بحل الأزمة مستمرة، لكنها بلا تنفيذ، مرة تأخذ اسم مجمع بسماية وأخرى اسم العقود الكورية أو اليابانية وربما عقود ساحل العاج، لكنها تبقى وعوداً تتبخر مع أحلام المواطن بسكن يجنبه ذل الإيجارات المرتفعة التي تصل أحيانا الى  مرتب الموظف الحكومي. تخيل أن تعمل بجهد لمدة ثلاثين يوماً، لينتهي بك الأمر بتسلم ثمن هذا الجهد من المحاسب وتسليمه إلى يد مالك البيت الذي تسكنه.

هل هي أزمة؟.. لا.. الأزمة لم تبدأ بعد.

جاءني صوته رطباً قلقاً وهو يتحدث من شارع العراقيين في منطقة السيدة زينب في ريف دمشق. صاحبي الذي قضى أكثر من (10) سنوات  من العيش في سوريا، قرّر العودة إلى العراق. لكنه غارق في حيرة السؤال عن السكن في بغداد، عن أسعار الإيجارات، عن فرص العمل. باختصار: عن كونه عراقي يريد أن يعيش بكرامة في عراقه. 

أزمة صاحبي، هي أزمة مئات آلاف العراقيين، الذين لم يجدوا وسط ظروف القلق التي تعيشها سوريا، سوى العودة إلى العراق، هؤلاء ينشدون الأمان، الذي بدأ يتبدد في الشارع السوري. أنهم يقارنون بين الأمن هنا وبين الأمن هناك، ومثل كل المقارنات، فإن كفّة الوطن هي التي ترجح وإن كانت هي الكفة الهابطة في الميزان. 

الغربة كالصقيع، تقتل دفء الروح.

أزمة صاحبي وضعتني في دوامة البحث عن سكن يليق به، وتتناسب مع إمكاناته المالية. إستنفرت كل أصدقائي للبحث عن سكن لصاحبي، حتى الزملاء في الجريدة دخلوا في دوامة البحث. المناطق تختلف، وكذلك الأسعار، دوامة البحث ذكرتني بمقولة غسان كنفاني في روايته الرائعة أم سعد (خيمة عن خيمة.. تفرق). والأهم أن أجد لصاحبي خيمة تقيه وعياله برد الشتاء الذي جاء قاسياً هذا العام، لكن سقف أي خيمة في بغداد مرتفع عن سقف إمكانات صاحبي المالية.

هل هي أزمة؟ نعم بدأت ملامح الأزمة الآن..

مئات الأسر  العراقية تصل بغداد فجر كل يوم، ومثلها تصل في المساء. هؤلاء شظايا عراقية للأزمة السورية، فهم بحاجة للسكن، وللعمل.. أيضاً.

الإيجارات ترتفع في كل المناطق، والتصريحات الرسمية التي تتبخر فور عرضها من على شاشات الفضائيات، لم تعد تجدي. والمطلوب حلول سريعة لحل أزمة الشظايا العراقية في الأزمة السورية، لأنّها إن تواصلت بهذه النسبة، إن لم تتصاعد خلال الأيام المقبلة، سنكون أمام أزمة، لا تحلها سوى مخيمات هي أشبه بمخيمات اللاجئين، ولا أعتقد أن العراق الجديد سيعامل العراقيين العائدين، بعد طول غربة، إلى وطنهم، معاملة اللاجئين.

مبدع مثل يره !!

على كثرة الذين جذبهم طابور الواقفين أمام باب السلطان، ودخلوا البلاط وقبلوا الأرض التي يمشي عليها وعلى كثرة الذين تغنوا بطوله وعرضه وطلعته وأفكاره وأفعاله وبطولاته، طلبا للدنانير والمكرمات، أو طمعا في الحصول على مركز مرموق، أو حفاظا على منصب لا يستحقونه، أو استجداء لوظيفة يحلمون بها، أو خوفا من تقرير مخبر سري أو حزبي حاقد لأسباب شخصية، وما بين هؤلاء وهؤلاء، فريق يمدح طوعا وإيمانا وقناعة إلا هذا الصديق القامة الفارعة من الإبداع، نأى بنفسه عن تلك الكثرة، ووقف صامدا في وجه الريح العاتية، لم ينحن له جذع ولم ينحرف بقلمه يوما الى غير وجهته قانعا بحياة الزهد وخشونة اللقمة، لا يلتفت الى رؤوس من حوله تنثر عليها دراهم الذهب بلا حساب وهي لا تستحق دراهم النحاس، ولم تسوّل له النفس ضعفا، او تشتهي طعام الأمير على ما فيها من جوع، وحاجة الى لحمة تسند القلب وترم العظم وتعافي البدن!!

كذلك أمضى الرجل سيرته، منذ خمسين أو يزيد من السنوات العجاف، منصرفا إلى كتبه وأوراقه ومراجعاته ومتابعاته، وهو في ذلك كله، قارئ نهم ومثقف موسوعي، ومبدع متعدد النواهب والمذاهب، كتب في النقد التشكيلي بحوثا ودراسات تعد مرجعا لا غنى عنه للمشتغلين في حقل الفن، وكتب في النقد الأدبي مقالات وآراء تعد مرجعا للعاملين في حقول الأدب، ونشر عبر رحلة العمر الطويلة دراسات بالغة الأهمية في ميادين الفكر والفلسفة، وأتحف المكتبة الثقافية بعدد من الروايات والمجاميع القصصية، ولم يكن أقل شأنا في رحاب الرسم، حيث أقام في داخل العراق وخارجه العديد من المعارض، لفتت إليها الأنتباه، وفوق هذا وذاك كان الرجل وما زال، علما بارزا من أعلام الصحافة العراقية، سواء في كتابة (العمود) أم التحقيق أم فنون العمل الصحفي الأخرى، بحكم ما يتمتع به من رشاقة الأسلوب وعمق الفكرة وجزالة اللغة.

الغريب إن هذا الإنسان المبدع، غير ميال إلى التذمر أو التشكي أبدا، على الرغم من ظروفه الحياتية الصعبة، وما عاناه من إهمال على مدى خمسة عقود، والأغرب إن الأبتسامة الوديعة لا تفارقه، و(النكتة) الساخرة حاضرة على لسانه ، ولعل من أطرف ما يحضرني هنا، إنني التقيته قبل بداية السنة الجديدة 2012 وسألته سؤالا عرضيا عابرا عن أمنيته للعام المقبل، فأجابني على الفور (أتمنى أن أموت!) ، ومثل هذه الإجابة المستفزة دفعتني إلى أن اسأله مجددا (لماذا؟) فرد علي وهو يضحك بسعادة غامرة: لعل الدولة (تتفطن) وتقيم لي حفلا تكريميا، أو تشمل أسرتي براتب شبكة الرعاية الاجتماعية!! 

ضحكة خير

من الشائع والمعروف عند العراقيين، ان الواحد منهم حين يصادف او يعيش لحظات فرح او ان امرا اضحكه مايدعونه ضحّكا من القلب، وهي لحظات نادرة في عمر العراقيين، فانه يستعيذ من الله ويبسمل عدة مرات، متمنيا من الله، ان يجعلها ضحكة (خير) موقنا ان لحظة الفرح او الضحك تلك ايذان بوقوع مصيبة كبرى، لا لشيء الا لانه عايش الاحزان طويلا وتآخى معها، ولم يألف تلك اللحظات السعيدة  الا بالسنة حسنة كما يقال..

كثير من الذين يتصدون لتحليل الشخصية العراقية يقعون في خطأ فصلها عن حيثياتها التاريخية ــ الفكرية، ومحيطها ذي الاصول الشرقية المعبأة بالمعتقدات، فمن حيث التاريخ قاست تلك الشخصية ما لا عد له  ولا حصر من شتى انواع القمع والعذاب اللذين ما انفكت تقاسيهما حتى اليوم، ومن حيث الفكر فقد ظلت اسيرة التابعية المطلقة لأيديولوجيا السلطة من دون ان تمتلك قدرة التمرد والسؤال عن مجاهل المعرفة التي لم تزل مغلقة بفعل التحريم، والحالات النادرة التي شذت عن تلك القاعدة تعرضت للتجريم ومن ثم الى عقوبة الموت. وراحت تقيم تقاليد وطقوس للحزن، وتبتدع يافطات ومسميات لتكريسه حتى غدا مهيمنة لا خلاص منها او مهرب، وهناك على الدوام من  يدافع عن تلك الطقوس ومأساويتها بدعاوى تكرس واقعية المأساة حيث مشاهد القتل والتدمير وخراب مستشر في الانفس والعقول، من دون ان تمد يدا بإتجاه التفاؤل بالغد حتى امست عبارة (اليوم احسن من الغد) لازمة تلوكها الافواه كل ساعة وبمناسبة  او من دونها.

يقول المفكر الفرنسي هنري برغسون (الضحك سلاح جبار، يستمد جبروته من كونه يسفه المأساة) ولا خلاف على طبيعة الحياة المأساوية، فانت لن تعيش وتحقق ما تصبوا اليه ان انت لم تبذل جهدا، ايا كان هذا الجهد وهنا تكمن العتبة  الاولى في المأساة.. ونمتلك نحن العراقيون في عقولنا ونفوسنا عدسة يمكن لها ان تكبر حجم الحدث المأساوي بنسب كبيرة، ربما تصل الى 100 % من دون مبالغة يعاضدها في ذلك تاريخ طويل ومرير من العذاب.

الثابت ان الحزن طبيعة خلق اما الفرح فصناعة انسانية تقتضي منا فعلا متواصلا نديم من خلاله نسغ الحياة وندحر به في ذات الوقت رموز المأساة وصناعها النتنين من الصداميين والقاعديين وداعميهم من الظلاميين وطغاة الجوار الذين صدئوا لطول ما تسمروا على عروش مأساة الشعوب المبتلاة بهم..

قصص حب.. عربية

..ونذكر من قصص جداتنا، أن في شباط يكثر مواء القطط، إنه موسم تناسلها، هكذا كن يوحين إلينا على استحياء، ونذكر أيضاً ما يقوله الأجداد للأحفاد عن شهر شباط، أنه شهر المطر الذي يغسل الزرع تمهيداً للحصاد. لكننا سنذكر ما سنقوله لأحفادنا، أجداداً وجدات، عن أشهر شباط التي مرّت خلال الأعوام الماضية على عالمنا العربي.

..سنخبرهم، أن شباط شهد أهم ثورات الشعوب العربية، وأنه قدّم الربيع العربي المعتاد شهراً على الأقل، فقد منح شهر آذار إجازة مؤقتة، وخطف منه توصيف الربيع، ليكتب في صدر صفحات التاريخ الإنساني قصص انتصارات الشعوب التي ولدت من رحم القهر والجوع والاضطهاد، هل كان الموت المعلن للبوغزيزي حرقاً في ساحة تونسية عامة ترفاً ثورياً؟. 

إنه الاحتجاج الإنساني بأقسى معانيه. لكن ثمنه كان تحرر الشعب التونسي من قبضة دكتاتورية جثمت على صدره عقوداً طويلة، لأن بذورها الحقيقية تمتد من زين العابدين بن علي، لتصل إلى نظام بورقيبة. هل ندع تاريخ الموتى جانباً؟.

الثورة المصرية هي الأخرى بدأت في شباط، وطغى صوت الشباب الثائر في ساحة التحرير على مواء القطط، ألم تقل الجدات أنه شهر التناسل..؟ تناسلت الثورة الشباطية لتصل ليبيا وسوريا. 

في مصر حققت جزءاً من مهامها حين أسقطت نظام توارث الجنرالات للحكم بدءاً من جمال عبد الناصر، مروراً بأنور السادات وانتهاءً بمحمد حسني مبارك، وبقيت أجزاء من الثورة قد يكون تحقيقها أصعب من الجزء المتحقق، الصراع المدني–العسكري على الحكم، الصراع القادم على شكل الدولة المصرية بين شباب الثورة والإخوان المسلمين الذي تسلقوا إلى البرلمان على تضحيات ثوّار ساحات التحرير، لكن المتحقق يمهد لتحقيق ما لم يتحقق، أنه قانون الثورة. من حقق آخر الانتصارات في تشيلي؟ سلفادور الليندي الذي صعد إلى الرئاسة بأصوات التشيليين، أم الجنرال بينوشيت الذي أغتاله وأغتال الديمقراطية التشيلية في ليلة رسمت قمرها وكالة الاستخبارات الأميركية؟ إنه تاريخ الشعوب وحده المرشح للبقاء.

في ليبيا أيضاً، أنجزت الثورة مهامها الناقصة، وقتل الرجل الذي سخر من العالم أربعة عقود، بظروف غامضة، وبقيت مهام كثيرة لم تنجز لترسم معالم الدولة الليبية في مرحلة ما بعد القذافي. قبله زين العابدين بن علي الذي هرب سراً إلى السعودية، وأعلن عن إصابته بمرض السرطان. 

لاحظوا النتائج المتشابهة واختلاف تفاصيل المصائر، مبارك من القصر إلى السجن، في واحدة من أكثر محاكمات التاريخ سخرية، والقذافي من قصر العزيزية إلى القبر، في فلم أقسى من أفلام الرعب الهوليودية، وزين العابدين من القصر إلى مصير مجهول، حيث لا أحد يعرف أخبار الرجل المرعب.

في شباط أيضاً، اغتيل رفيق الحريري، وفي عيد الحب بالتحديد. قضية الاغتيال أخذت حيزاً من الاهتمام الدولي تجاوزت قضايا اغتيال شعوب كاملة. 

المقارنة بين اغتيال الحريري واغتيال شعب البوسنة تفضح النفاق الدولي، وتشي أن الموت المعلن والموت السرّي تجارة عالمية بامتياز.

ما هو مصير علي عبد الله صالح في مستشفيات أميركا؟ وما هو مصير بشار الأسد بعد تصاعد نغمة العداء العربي والدولي لنظامه؟

هذا ما سيجيب عنه شباط العام المقبل ، في حلقة أخرى من حلقات قصص الحب.. العربية.

الشفرة

يحاول الأوربي، وكل من فهم الحياة، وعرف مزاياها وممكناتها ومعناها، مثلما عرف عبثها ولا معناها.. يحاول ان يعيشها، كفرصة معطاة لمرة واحدة، ويتمتع بها ولا يترك للقبر غير عظام نخرة، يرضي كل خلية فيه.. يتمتع بالطعام والشراب والجمال وكشوفات الفكر ومديات الكون.. فالعالم له ويتوجب ان يعيشه.. ويعيشه سريعا بعمره الوجيز هذا، وبالوقت الناضب والخاطف، وبات يأسف لأن اليوم قصير ولا يكفي لانجاز النزر اليسير من متطلباته ومشاغله.. ويشكو المثقف المنتج، على نحو مضاعف من ضيق الوقت وقصر العمر وعدم قدرته على اللحاق وقراءة جزئية من حقول المعرفة والاطلاع.. في النفس والمجتمع والطبيعة والكون، وفي الأديان والتاريخ والعلوم.. مثلما راعهم وأفزعهم مقدار العبث…  ولكنهم واجهوه وتصدوا له بمزيد من الجدية وتفوقوا عليه بالتحدي..  مثلما تحدوا قانون الجاذبية وجابوا اقطار السماء …وأحالوا نزعة العدوان البشرية الى تباري في العطاء والمودة والتواصل.. وفي الفن الجميل وإبداع الحياة..  وهكذا أحالوا الشر الى خير، وأعادوا إنتاج جسم الإنسان، ونفسه وعقله ونوازعه الفطرية.

هذا الأوربي.. أو هذا المثقف المنتج.. أو هذا الذي (رأى) وعرف.. وبلغ شيئا من السر وعاش بالإبعاد التي تنتجها له حياته الوجيزة وثقافته المحاصرة بقصر الوقت.. هذا الكائن المحظوظ بنظر الأجيال الغابرة ومخلفاتها، سينظر، بدوره بحسد الى هذا الصنف من المتحجرين.. يحسدهم على أوهامهم وخرافاتهم وجهالاتهم، يحسدهم على يقينياتهم البليدة، وفي وقت كشف عن قصور عقل اينشتاين.. يحسدهم على إحساسهم بسعة وطول الوقت.. وهو الذي يكاد يتلاشى كل منجزه في قصر الوقت.. وفي محدودية الحياة.. وفي موت يختم كل شيء.. وان الحياة، قد تكون بنظره، معادلة طرفها الآخر صفر.

من المحتمل ان ينظر الواعي الى المتخلف مثل هذه النظرة.. ويحسده على يقينياته وتثاؤبه وكهفه..  ويظن ان عدم الوعي بطمأنينته افضل من وعى يفجر معنى وحياة الإنسان ولو للحظة…  والاكيد ان شعور الواعي هذا هو من قبيل المترف والمتخم الذي يتصور مذاق الرغيف اليابس في فم البائس المدقع.

المتخلف متخلف بقدر جهله بالزمن والحياة وضرورات خلقها، وبقدر تبديده لها بما لا يديمها ولا يخدمها…  المتخلف لا يدري ان طاقته مرصودة لأفران صناعة وخلق الحياة وليس لطبخ الحصى، مثلما ينسى انه يحوز على انسانيته ويقترب من الله بقدر انتمائه للإنسان وبقدر المجتمع في وجدانه.. وبقدر ما يضيف للحياة من معاني وابعاد جميلة.. وبقدر بصمته التي يودعها في قلوب وذاكرة البشر.

المؤلم، والمغيض والممزق للأعصاب بان يكون بين الواعين المشوهين ..بين من توصلوا الى فهم مشوه للحياة..ووظفوه لذواتهم او لذئبيتهم ليعيشوا الفرصة الوجيزة، وجدوا في المتخلفين مشاريع استثمار مربحة ..وقالوا ان من حق من عرف الحياة وادرك قيمتها ان يعيشها اكثر من سواه …وكما هناك حمير للركوب ونقل الاحمال(وعندما ينفق حمار يستعان بغيره) هناك سعداء بخرافاتهم وكهوفهم.. ولا بأس من مجاراتهم ومن علفهم.