صندوق الأسرار المفتوح

نافذتان للسر (السكر والغضب)، هكذا عرفنا عبر متواليات حياتنا ومن خلال التجارب والحكم بأن المرء حين يغضب، تختلف عنده مناسيب وحواسيب سلوكياته وتصرفاته وتصريحاته، كذلك من يضيع عقله ويفارق رشده في حالات السكر أو تناول المخدرات أو أي شيء من هذا (القبيح) كما كان يردد ذلك صديقي لي أيام دراستنا الجامعية، كلما كان يريد ان يقول -وفق سياق متداول ومتعارف عليه- أو (أي شيء من هذا القبيل)، لذا احتجت الآن تعبير ذلك الصديق العزيز الذي انقطعت عني أخباره منذ أكثر من عقدين من الزمن،لما فيه (اي ذلك التعبير) الساخر الذي اعتدناه منه من وقع ونفع ودفع لعجلة تعزيز مناقشة ظاهرة أضحت- للأسف- واضحة في سياقات تهديد السياسيين -عندنا في عراقنا الجديد- فضلا عن برلمانيين ورؤساء كتل و أحزاب، لبعضهم في كشف وفضح أسرار وبنود اتفاقيات ومفاوضات دارت بينهم أيام كانوا في نعيم الأخوة والصداقة والشراكة،نعني أيام (السمن والعسل)التي تلت الإطاحة بالصنم، ثم بعد ذلك الارتقاء و الصعود صوب مناصب الحكم،وتوافق وصول الحصول على مكاسب، تلو الأخرى للأهل والأقرباء وحتما وبلا أدنى شك بعض (الحبايب).

كذلك، حتى أيام تكاتفهم وتآلفهم من أجل تجاوز محنة ذلك الظرف العصيب عبر الترقب وتجاوز الخوف والتوجس في مخابئ ومنافي وفيافي نضالهم، هناك، وحتى لحظات قرار الإيعاز والمباشرة بإسقاط عرش الديكتاتورية المقيتة في عراق الحكم الشمولي.

 وحدث ما حدث من أحداث وتقلبات في ظل سنوات (تحرير العراق) التي تجر بأذيالها الآن تقترب -بثبات ونبات- من عامها العاشر، والتي كشف فيها ساستنا عن أسرار وخفايا كانت نائمة في أدراج خزانات تلك الاتفاقات وتلافيف أدمغة وأفكار الأطراف -ذات العلاقة- رغم أهمية وخطورة بعضها،ما لم يكشف عنه في عموم تأريخ التعامل السياسي في عالم اليوم،فما ان تشتد أزمة ما- مهما كانت- بين بعض الأطراف، حتى تتبارى جهات وشخصيات في الكشف والتلويح عما في حوزتها من معلومات،يرتقي أكثرها ليصل مقام أسرار وخفايا قد تتعلق بالأمن الوطني بشكل وأخر.

الأمثلة كثيرة في قوائم وملفا السنين العشر من حياة العملية السياسية، عندنا، بتجاذباتها وتقاطعاتها المستمرة، والتي -ربما- تجسدت فعلا واقعا وملموسا بمجسات وحقائق بعض ما طرحه الكاتب والصحفي الألماني (جيروم هوليش) عبر مشاهدات واستطلاعات ولقاءات كان قد أجراها لدى زيارته بغداد، في فترة قريبة، وقام بنشرها في مجلة (الأسبوعية) الصادرة في برلين تحت عنوان صادم هو (لا أسرار في العراق ….الصندوق مفتوح على مصراعيه)، كاشفا عن تسرب المعلومات ووصولها بيسر وسهولة، ومن غير كلف وجهود مالية تذكر، كالتي –عادة- ما يتبعها ويحتاجها الصحفي أو المرسل أو الباحث في سياقات وثنايا البحث للوصول والحصول على مبتغاه، عبر عدة سبل وسائل وأساليب والتواءات وجهود مضنية، أملا بإصابة الهدف.

لكن هنا -في عراق اليوم-  فالأمر مختلف تماما، كما يزعم أو يكاد أن يقول لنا السيد (هوليش) : فأن من السهل جدا الحصول على اية معلومة بـ(بلاش)!!

هموم متقاعد !!

فيما كانت الناس تحتفل مبتهجة، وهي ترى بأم عينها غير مصدقة، إن رمز النظام السابق قد تهاوى في ساحة الفردوس، وانتهت بنهايته أيام الحصار والظلم والجوع، كان الحاج (أبو محمد ) يتساءل مع نفسه [هل سيبقى راتبي التقاعدي (24) ألف دينار أم إن ثورة التاسع من نيسان المجيدة ستنظر في أمري وأمور المتقاعدين، وتعوضنا عن أعوام الذل والحرمان؟!].

كان ذلك همه الوحيد وشغله الشاغل، وما هي إلا سنوات قليلة من الصبر والانتظار، إلا وتحقق حلمه، وتضاعف راتبه عشر مرات، من 24 ألف دينار الى (240) ألف دينار، وهذا الرقم بالنسبة له أقرب الى الخيال منه الى الحقيقة، وكادت فرحة المفاجأة تقضي عليه لولا اللطف الرباني، حيث لم يصب الرجل إلا بغيبوبة طارئة، يسميها الأطباء (إغماء السعادة)، عادة ما يتعرض لها الإنسان عندما يلتقي حبيباً غائباً، أو يسمع وعداً حكومياً يسبق الأنتخابات ! 

استعاد أبو محمد وعيه، ومضت بضعة أشهر على فرحة الراتب التقاعدي الجديد، والزيادات المذهلة التي طرأت عليه، وبدأ يتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية والمعيشية بصورة واقعية، وتنبه الى إنه يعاني من ضائقة مالية شبيهة ٍ بضائقة الأيام السود التي عانى منها في عهد الدكتاتورية المقيت،فقد تراجعت البطاقة التموينية، واختفت أغلب مفرداتها مثل الشاي والحمص والعدس والملح والفاصوليا..الخ، مما اضطره إلى تعويض النقص من السوق بأسعار تجارية مرهقة، من جانب آخر قام المؤجر برفع بدل إيجار الغرفة التي يسكنها مع أسرته الى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، كما لاحظ الرجل إن سعر قنينة الغاز أصبح ستة آلاف دينار، في الوقت الذي كان سعرها مئتين وخمسين ديناراً، أي تضاعف السعر أربعا ً وعشرين مرة، بينما ارتفع سعر اللحم الأحمر من سبعة آلاف دينار إلى أربعة عشر ألف دينار، وهذا يعني إنه ارتفع بنسبة (مئة بالمئة)، على الرغم من إن الحاج وأسرته نسوا طعم اللحم الأحمر منذ ربع قرن، كذلك وجد الرجل بحكم الضرورة، إنه غير قادر على الوقوف خارج حركة التطور، أو بعيدا ً عن متطلبات الحياة الجديدة، ولهذا بات ملزما ً بدفع (45)ألف دينار شهريا ً لمولدة الكهرباء الخارجية، وهي من الأجور الحديثة على ميزانية البيت، وإن يدفع من بين الأجور الحديثة مبلغ (35) ألف دينار في الحد الأدنى أجوراً لكارتات الموبايل، وبعد أن قام بعمليات حسابية مطولة، وأعاد الحساب مرتين وثلاثا ً، وأجرى مقارنة دقيقة بين راتبه التقاعدي الكبير (240 ألف دينار)، وبين عموم المصروفات البيتية وأجور المولدة والموبايل والإيجار والنقل والطبيب والملابس، اكتشف لماذا لا يكفيه الراتب الجديد مع إنه عشرة أضعاف راتبه القديم، ولماذا يجب عليه الاقتراض باستمرار، مثلما كان يفعل منذ عشرين سنة، ولماذا يجب أن يبحث عن عمل كما كان يفعل في السابق، وتوصل في خاتمة المطاف الى يقين ثابت ومؤكد ومجرّب، وهو إن الدكتاتورية (المكروهة ) والديمقراطية (المحبوبة)، تختلفان في سياسة الحرية والتعبير عن الرأي، وتلتقيان في سياسة تجويع المواطن !! 

غزة التي خذلها الأعراب

لم يؤمن الأعراب بالمبادئ والقيم والأعراف, ولما يدخل الإيمان في قلوبهم, لكنهم آمنوا إيمانا مطلقا بكل ما يسيء لمستقبلنا وحاضرنا وماضينا, وليس أدل على كلامنا هذا من غزة التي خذلوها, وتنكروا لها, وتآمروا عليها, وطعنوها في خاصرتها, وشنوا عليها الآن أبشع الحملات الإعلامية, ومن لا يصدق كلامنا هذا يتعين عليه أن يقرأ ما تنشره جريدة (الوطن) الكويتية من مقالات وقحة يكتبها فؤاد الهاشم أو عبد الله الهدلق, اقرءوا كيف تطوعت الصحافة العربية لمؤازرة الصهاينة في عدوانهم على غزة, اقرءوا كيف تحذلق الهدلق في الذود عن تل أبيب, وكيف تهكم الهاشم على كتائب القسام, تفحصوا مواقف المشايخ الذين جندوا أنفسهم في العام الماضي للوقوف مع حملات الناتو, انظروا إليهم الآن ولاحظوا كيف لاذوا بالصمت المطبق, وكيف آثروا السكوت, ولم ينبسوا ببنت شفة لمواساة أسر الضحايا, ولو من باب المجاملة, لاحظوا كيف جفت منابع الفتوى عندهم, ولم يطلقوا فتوى واحدة لإعلان الجهاد الخطابي في المساجد على أقل تقدير. 

 راجعوا مواقفهم حتى تعرفوهم على حقيقتهم, هل فيهم من تبنى حملة لجمع التبرعات لنصرة المنكوبين في غزة ؟, هل فيهم من أرسل المساعدات الطبية وبعث المواد الغذائية إلى الشعب الذي خنقه الحصار, ومزقه الدمار ؟. 

المثير للسخرية أن الإعراب هم الذين يواسون زعماء الإرهاب الدولي في تل أبيب, وهم الذين يمارسون ضغوطهم على عناصر المقاومة لإقناعهم بقبول الهدنة ووقف إطلاق النار. 

أما وزراؤهم الذين عقدوا العزم لزيارة غزة, فلا تعتقدوا إنهم سيدخلونها حاملين خناجرهم وبنادقهم ليتخندقوا مع المقاومة الشريفة, فمثل هؤلاء لا يستعملون البنادق إلا في الترويح عن أنفسهم في الأفراح والليالي الملاح, ولا يحملون الخناجر إلا لأغراض التبختر والتباهي بجودتها. لقد انقسم الأعراب في العدوان السابق (2009), فمنهم من اختار الوقوف علانية مع تل أبيب, ومنهم من اختار الذهاب إلى الدوحة لمناقشة الموضوع مع شيخ مشايخ الوطنية العربية بصيغتها البترولية الجديدة.   وها هو السيناريو يتكرر بدعوة الأعراب لاجتماع طارئ (لنصرة) غزة, فامتنع عن الحضور عدد من وزراء الأعراب, وأرسلوا صغارهم حتى لا تبدو كراسيهم فارغة, فظهروا في الصورة المتلفزة وكأنهم تماثيل متيبسة في متحف الشمع, في حين حضر وزراء خارجية الاتحاد الأوربي إلى تل أبيب, وعرضوا عليها الجهد والمدد والعُدد, فظهروا بالصورة المتلفزة بالقميص والبنطرون وكأنهم فريق متجانس من فرق القتال الأعزل. أما رئيس جامعتنا, التي لا تجمع ولا تنفع, فيفكر الآن في تشكيل لجنة عربية لتقصي الحقائق, بينما انشغل رؤساء الربيع بتعزيز علاقاتهم الودية مع ربوع تل أبيب, أما الذين أغلقوا معبر رفح فسيقولون لنا إنهم مجبرون على الالتزام بالاتفاقيات الثانوية المبرمة مع تل أبيب و(تل الحبيب), و(تل الزبيب), فبنود الاتفاقات وأحكامها توجب غلق المعبر, وتلزمهم بغلق الأنفاق, وتلزمهم بعدم السماح لقوافل المساعدات بالتوجه إلى قطاع غاز, فلا مساعدات طبية, ولا أغذية, ولا مؤن, ولا هم يحزنون, وهذه هي الحقيقة, لكن أحكام القرآن, وبنود الدين, وروابط الدم لا تلزمهم بشيء. 

الشيء الوحيد الذي تسمح به الدول العربية القريبة من غزة هو الكلام ضمن حدود الأسرة الواحدة, ويستحسن أن يكون بالهمس, أما الكلام العلني في الساحات العامة والتظاهر من اجل غزة فغير مسموح به البتة. لقد تحرك العرب بسرعة البرق لتجميد عضوية سوريا بالجامعة, وجهزوا معارضيها بالمال والسلاح, لكنهم لم يتحركوا بتلك السرعة لدعم المقاومة بالسلاح والمال لمواجهة الإرهاب الصهيوني, ولم يتحركوا ضد إسرائيل في المحافل الدولية, ولم يتوحدوا في مواجهة البلدان الداعمة لإسرائيل لممارسة الضغط عليها لرفع الحصار. 

 ختاما نقول: لا فرق بين الأنظمة السابقة والأنظمة اللاحقة في تعاملها السيئ مع غزة, ولن تتحسن الأحوال في ظل الزعامات المتواطئة والمتخاذلة والشامتة والمنافقة, ولن تقدر دويلات الأعراب على توحيد مواقفها ليوم واحد فقط, فما بالك بما تحتاجه المرحلة القادمة من مواقف موحدة ؟؟, أما ما نسمعه الآن في وسائل الإعلام عن جدية المواقف العربية فلا يعدو عن كونه مجرد تمويه وتعطيل وتسطيح وتسفيه وتسويف, وإن غداً لناظره قريب، والله يستر من الجايات.

صندوق الأسرار المفتوح

نافذتان للسر (السكر والغضب)، هكذا عرفنا عبر متواليات حياتنا ومن خلال التجارب والحكم بأن المرء حين يغضب، تختلف عنده مناسيب وحواسيب سلوكياته وتصرفاته وتصريحاته، كذلك من يضيع عقله ويفارق رشده في حالات السكر أو تناول المخدرات أو أي شيء من هذا (القبيح) كما كان يردد ذلك صديقي لي أيام دراستنا الجامعية، كلما كان يريد ان يقول -وفق سياق متداول ومتعارف عليه- أو (أي شيء من هذا القبيل)، لذا احتجت الآن تعبير ذلك الصديق العزيز الذي انقطعت عني أخباره منذ أكثر من عقدين من الزمن،لما فيه (اي ذلك التعبير) الساخر الذي اعتدناه منه من وقع ونفع ودفع لعجلة تعزيز مناقشة ظاهرة أضحت- للأسف- واضحة في سياقات تهديد السياسيين -عندنا في عراقنا الجديد- فضلا عن برلمانيين ورؤساء كتل و أحزاب، لبعضهم في كشف وفضح أسرار وبنود اتفاقيات ومفاوضات دارت بينهم أيام كانوا في نعيم الأخوة والصداقة والشراكة،نعني أيام (السمن والعسل)التي تلت الإطاحة بالصنم، ثم بعد ذلك الارتقاء و الصعود صوب مناصب الحكم،وتوافق وصول الحصول على مكاسب، تلو الأخرى للأهل والأقرباء وحتما وبلا أدنى شك بعض (الحبايب).

كذلك، حتى أيام تكاتفهم وتآلفهم من أجل تجاوز محنة ذلك الظرف العصيب عبر الترقب وتجاوز الخوف والتوجس في مخابئ ومنافي وفيافي نضالهم، هناك، وحتى لحظات قرار الإيعاز والمباشرة بإسقاط عرش الديكتاتورية المقيتة في عراق الحكم الشمولي.

 وحدث ما حدث من أحداث وتقلبات في ظل سنوات (تحرير العراق) التي تجر بأذيالها الآن تقترب -بثبات ونبات- من عامها العاشر، والتي كشف فيها ساستنا عن أسرار وخفايا كانت نائمة في أدراج خزانات تلك الاتفاقات وتلافيف أدمغة وأفكار الأطراف -ذات العلاقة- رغم أهمية وخطورة بعضها،ما لم يكشف عنه في عموم تأريخ التعامل السياسي في عالم اليوم،فما ان تشتد أزمة ما- مهما كانت- بين بعض الأطراف، حتى تتبارى جهات وشخصيات في الكشف والتلويح عما في حوزتها من معلومات،يرتقي أكثرها ليصل مقام أسرار وخفايا قد تتعلق بالأمن الوطني بشكل وأخر.

الأمثلة كثيرة في قوائم وملفا السنين العشر من حياة العملية السياسية، عندنا، بتجاذباتها وتقاطعاتها المستمرة، والتي -ربما- تجسدت فعلا واقعا وملموسا بمجسات وحقائق بعض ما طرحه الكاتب والصحفي الألماني (جيروم هوليش) عبر مشاهدات واستطلاعات ولقاءات كان قد أجراها لدى زيارته بغداد، في فترة قريبة، وقام بنشرها في مجلة (الأسبوعية) الصادرة في برلين تحت عنوان صادم هو (لا أسرار في العراق ….الصندوق مفتوح على مصراعيه)، كاشفا عن تسرب المعلومات ووصولها بيسر وسهولة، ومن غير كلف وجهود مالية تذكر، كالتي –عادة- ما يتبعها ويحتاجها الصحفي أو المرسل أو الباحث في سياقات وثنايا البحث للوصول والحصول على مبتغاه، عبر عدة سبل وسائل وأساليب والتواءات وجهود مضنية، أملا بإصابة الهدف.

لكن هنا -في عراق اليوم-  فالأمر مختلف تماما، كما يزعم أو يكاد أن يقول لنا السيد (هوليش) : فأن من السهل جدا الحصول على اية معلومة بـ(بلاش)!!

هموم متقاعد !!

فيما كانت الناس تحتفل مبتهجة، وهي ترى بأم عينها غير مصدقة، إن رمز النظام السابق قد تهاوى في ساحة الفردوس، وانتهت بنهايته أيام الحصار والظلم والجوع، كان الحاج (أبو محمد ) يتساءل مع نفسه [هل سيبقى راتبي التقاعدي (24) ألف دينار أم إن ثورة التاسع من نيسان المجيدة ستنظر في أمري وأمور المتقاعدين، وتعوضنا عن أعوام الذل والحرمان؟!].

كان ذلك همه الوحيد وشغله الشاغل، وما هي إلا سنوات قليلة من الصبر والانتظار، إلا وتحقق حلمه، وتضاعف راتبه عشر مرات، من 24 ألف دينار الى (240) ألف دينار، وهذا الرقم بالنسبة له أقرب الى الخيال منه الى الحقيقة، وكادت فرحة المفاجأة تقضي عليه لولا اللطف الرباني، حيث لم يصب الرجل إلا بغيبوبة طارئة، يسميها الأطباء (إغماء السعادة)، عادة ما يتعرض لها الإنسان عندما يلتقي حبيباً غائباً، أو يسمع وعداً حكومياً يسبق الأنتخابات ! 

استعاد أبو محمد وعيه، ومضت بضعة أشهر على فرحة الراتب التقاعدي الجديد، والزيادات المذهلة التي طرأت عليه، وبدأ يتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية والمعيشية بصورة واقعية، وتنبه الى إنه يعاني من ضائقة مالية شبيهة ٍ بضائقة الأيام السود التي عانى منها في عهد الدكتاتورية المقيت،فقد تراجعت البطاقة التموينية، واختفت أغلب مفرداتها مثل الشاي والحمص والعدس والملح والفاصوليا..الخ، مما اضطره إلى تعويض النقص من السوق بأسعار تجارية مرهقة، من جانب آخر قام المؤجر برفع بدل إيجار الغرفة التي يسكنها مع أسرته الى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، كما لاحظ الرجل إن سعر قنينة الغاز أصبح ستة آلاف دينار، في الوقت الذي كان سعرها مئتين وخمسين ديناراً، أي تضاعف السعر أربعا ً وعشرين مرة، بينما ارتفع سعر اللحم الأحمر من سبعة آلاف دينار إلى أربعة عشر ألف دينار، وهذا يعني إنه ارتفع بنسبة (مئة بالمئة)، على الرغم من إن الحاج وأسرته نسوا طعم اللحم الأحمر منذ ربع قرن، كذلك وجد الرجل بحكم الضرورة، إنه غير قادر على الوقوف خارج حركة التطور، أو بعيدا ً عن متطلبات الحياة الجديدة، ولهذا بات ملزما ً بدفع (45)ألف دينار شهريا ً لمولدة الكهرباء الخارجية، وهي من الأجور الحديثة على ميزانية البيت، وإن يدفع من بين الأجور الحديثة مبلغ (35) ألف دينار في الحد الأدنى أجوراً لكارتات الموبايل، وبعد أن قام بعمليات حسابية مطولة، وأعاد الحساب مرتين وثلاثا ً، وأجرى مقارنة دقيقة بين راتبه التقاعدي الكبير (240 ألف دينار)، وبين عموم المصروفات البيتية وأجور المولدة والموبايل والإيجار والنقل والطبيب والملابس، اكتشف لماذا لا يكفيه الراتب الجديد مع إنه عشرة أضعاف راتبه القديم، ولماذا يجب عليه الاقتراض باستمرار، مثلما كان يفعل منذ عشرين سنة، ولماذا يجب أن يبحث عن عمل كما كان يفعل في السابق، وتوصل في خاتمة المطاف الى يقين ثابت ومؤكد ومجرّب، وهو إن الدكتاتورية (المكروهة ) والديمقراطية (المحبوبة)، تختلفان في سياسة الحرية والتعبير عن الرأي، وتلتقيان في سياسة تجويع المواطن !! 

غزة التي خذلها الأعراب

لم يؤمن الأعراب بالمبادئ والقيم والأعراف, ولما يدخل الإيمان في قلوبهم, لكنهم آمنوا إيمانا مطلقا بكل ما يسيء لمستقبلنا وحاضرنا وماضينا, وليس أدل على كلامنا هذا من غزة التي خذلوها, وتنكروا لها, وتآمروا عليها, وطعنوها في خاصرتها, وشنوا عليها الآن أبشع الحملات الإعلامية, ومن لا يصدق كلامنا هذا يتعين عليه أن يقرأ ما تنشره جريدة (الوطن) الكويتية من مقالات وقحة يكتبها فؤاد الهاشم أو عبد الله الهدلق, اقرءوا كيف تطوعت الصحافة العربية لمؤازرة الصهاينة في عدوانهم على غزة, اقرءوا كيف تحذلق الهدلق في الذود عن تل أبيب, وكيف تهكم الهاشم على كتائب القسام, تفحصوا مواقف المشايخ الذين جندوا أنفسهم في العام الماضي للوقوف مع حملات الناتو, انظروا إليهم الآن ولاحظوا كيف لاذوا بالصمت المطبق, وكيف آثروا السكوت, ولم ينبسوا ببنت شفة لمواساة أسر الضحايا, ولو من باب المجاملة, لاحظوا كيف جفت منابع الفتوى عندهم, ولم يطلقوا فتوى واحدة لإعلان الجهاد الخطابي في المساجد على أقل تقدير. 

 راجعوا مواقفهم حتى تعرفوهم على حقيقتهم, هل فيهم من تبنى حملة لجمع التبرعات لنصرة المنكوبين في غزة ؟, هل فيهم من أرسل المساعدات الطبية وبعث المواد الغذائية إلى الشعب الذي خنقه الحصار, ومزقه الدمار ؟. 

المثير للسخرية أن الإعراب هم الذين يواسون زعماء الإرهاب الدولي في تل أبيب, وهم الذين يمارسون ضغوطهم على عناصر المقاومة لإقناعهم بقبول الهدنة ووقف إطلاق النار. 

أما وزراؤهم الذين عقدوا العزم لزيارة غزة, فلا تعتقدوا إنهم سيدخلونها حاملين خناجرهم وبنادقهم ليتخندقوا مع المقاومة الشريفة, فمثل هؤلاء لا يستعملون البنادق إلا في الترويح عن أنفسهم في الأفراح والليالي الملاح, ولا يحملون الخناجر إلا لأغراض التبختر والتباهي بجودتها. لقد انقسم الأعراب في العدوان السابق (2009), فمنهم من اختار الوقوف علانية مع تل أبيب, ومنهم من اختار الذهاب إلى الدوحة لمناقشة الموضوع مع شيخ مشايخ الوطنية العربية بصيغتها البترولية الجديدة.   وها هو السيناريو يتكرر بدعوة الأعراب لاجتماع طارئ (لنصرة) غزة, فامتنع عن الحضور عدد من وزراء الأعراب, وأرسلوا صغارهم حتى لا تبدو كراسيهم فارغة, فظهروا في الصورة المتلفزة وكأنهم تماثيل متيبسة في متحف الشمع, في حين حضر وزراء خارجية الاتحاد الأوربي إلى تل أبيب, وعرضوا عليها الجهد والمدد والعُدد, فظهروا بالصورة المتلفزة بالقميص والبنطرون وكأنهم فريق متجانس من فرق القتال الأعزل. أما رئيس جامعتنا, التي لا تجمع ولا تنفع, فيفكر الآن في تشكيل لجنة عربية لتقصي الحقائق, بينما انشغل رؤساء الربيع بتعزيز علاقاتهم الودية مع ربوع تل أبيب, أما الذين أغلقوا معبر رفح فسيقولون لنا إنهم مجبرون على الالتزام بالاتفاقيات الثانوية المبرمة مع تل أبيب و(تل الحبيب), و(تل الزبيب), فبنود الاتفاقات وأحكامها توجب غلق المعبر, وتلزمهم بغلق الأنفاق, وتلزمهم بعدم السماح لقوافل المساعدات بالتوجه إلى قطاع غاز, فلا مساعدات طبية, ولا أغذية, ولا مؤن, ولا هم يحزنون, وهذه هي الحقيقة, لكن أحكام القرآن, وبنود الدين, وروابط الدم لا تلزمهم بشيء. 

الشيء الوحيد الذي تسمح به الدول العربية القريبة من غزة هو الكلام ضمن حدود الأسرة الواحدة, ويستحسن أن يكون بالهمس, أما الكلام العلني في الساحات العامة والتظاهر من اجل غزة فغير مسموح به البتة. لقد تحرك العرب بسرعة البرق لتجميد عضوية سوريا بالجامعة, وجهزوا معارضيها بالمال والسلاح, لكنهم لم يتحركوا بتلك السرعة لدعم المقاومة بالسلاح والمال لمواجهة الإرهاب الصهيوني, ولم يتحركوا ضد إسرائيل في المحافل الدولية, ولم يتوحدوا في مواجهة البلدان الداعمة لإسرائيل لممارسة الضغط عليها لرفع الحصار. 

 ختاما نقول: لا فرق بين الأنظمة السابقة والأنظمة اللاحقة في تعاملها السيئ مع غزة, ولن تتحسن الأحوال في ظل الزعامات المتواطئة والمتخاذلة والشامتة والمنافقة, ولن تقدر دويلات الأعراب على توحيد مواقفها ليوم واحد فقط, فما بالك بما تحتاجه المرحلة القادمة من مواقف موحدة ؟؟, أما ما نسمعه الآن في وسائل الإعلام عن جدية المواقف العربية فلا يعدو عن كونه مجرد تمويه وتعطيل وتسطيح وتسفيه وتسويف, وإن غداً لناظره قريب، والله يستر من الجايات.

لابد من أميركا وان طال القهر

كان يضرب المثل : لا بدّ من صنعاء وان طال السفر؛ وبحسب ( السيد غوغل) فأن أول من قالها الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-..وذلك أنه كان يريد سؤالَ عبدالرزاق الصنعاني المحدث الشهير عن حديث..فقيل له أنه قد حجَّ وأن باستطاعته أن يسأله هناك في مكة..فأجابهم: لابد من صنعاء وإن طال السفر..ويقصد بذلك أن العلم يستحق أن يُرحل له وإن كان إلى أقاصي البلاد ولمسافات طويلة..اما العمة امريكا فلا تحتاج منا ان نسافر اليها ؛ فهي اقرب الينا من حبل السياسيين جميعا؛ فما ان يحاول العراقيون لملمة جراحهم الا وتجد (بايدن)  على ابواب مطار بغداد الدولي ومن دون ان يوجه له احد الدعوة سوى.. مصلحة بلاده في ان يبقى العراق الموحد مشرذما ومتناحرا؛ والمشكلة ليست بالسيد بايدن ولكن في اصحاب القرار الذين اعتبروا (السيد) من (اهل البيت) ويحق له ما لا يحق لغيره. 

.. هذه المرة ليس بايدن وانما القنصلان الأمريكيان الموجودان في كركوك واربيل ومدير مكتب التعاون الأمني الأميركي العراقي الجنرال كاسلين؛ فبلاد العم سام والرئيس اوباما في دورته الجديدة لا يريد ان يترك للمستجدين على السياسة مشروع امريكا شرق الأوسطي؛وعليه لابد وان يكون لها- وله – رأي في كل ما يجري في عراقنا الجديد. 

تابعوا معي شكل التحرك الجديد: مصدر كردي مطلع يقول (ان واشنطن دخلت على خط الازمة المثارة بعيد تشكيل قوات دجلة بين بغداد واربيل بهدف إنهائها،وفيما عرضت اعادة نشر قوات أمريكية في المناطق المتنازع عليها، عدّت الاشتباك المسلح مع قوات الپيشمرگة «خطا احمر»)

.. لننتبه : الدخول على خط الازمة / إعادة نشر قوات امريكية / الاشتباك مع البيشمركة خط احمر!!!

واذا اضفنا الى هذا الخبر ما ذكرته صحيفة «الرأي» الكويتية (ان الوضع المتأزم بين بغداد وكردستان وصل الى مرحلة دق «طبول الحرب»التي بدأت تُقرع على خطوط التماس بين بغداد وكردستان. معتبرة ان التوتر بين بغداد واربيل، القائم منذ أيام قد أضفى مصداقية كبيرة لتنبؤات «مجموعة الأزمات الدولية» التي توقعت نشوء صراع سياسي مدمر بين الطرفين) يا ساتر. هذا الذي تريده امريكا؛ وجيراننا العرب المتأمركون؛ وبعض سياسيينا الذي لا يأتمرون الا بأمر امريكا؛ الجميع يريدون ان يسفك العراقي دم العراق تأكيدا لدعوة(اللهم لا تبق حجرا فيها على حجر) التي اطلقها ذات حقد احد الكويتيين الموتورين..فهل غاب الحكماء من حياتنا..هل هاجر سياسيونا المثقفون الذين يحملون العراق هما ازليا..ولم اذن هذا الجيش العرمرم من المستشارين؛اذا لم يستطيعوا احتواء مشكلة بسيطة تهدد العراقيين جميعا من الجبال الى (مدن الملح) الجنوبية .اللهم احفظ العراق بكل قومياته وطوائفه..اللهم ابنه حجرا على حجر؛ وطابوقة عربية طابوقة كردية طابوقة تركمانية؛ وطابوقة من فضة – طابوقة من ذهب. 

عاشوراء .. والفساد المالي في العراق

اكتسبت عاشوراء رمزيتها من الإمام الحسين, واكتسب الإمام الحسين رمزيته من رسول الله “ص” فهو سبطه وهو ابنه بنص الآية “61” من سورة آل عمران , اما الذين يحلو لهم نفي أبوة رسول الله للحسن والحسين بالآية المباركة “ماكان محمد ابا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين” فقد فاتهم فهم المعنى وتأويله لأنهم اتبعوا من هم ليسوا من الراسخين في العلم مثلما لم يعرفوا تفسير ابوة اسماعيل لأولاد يعقوب “عليه السلام” , وكذلك لم يعرفوا كيف اصبح عيسى “عليه السلام” من ذرية ابراهيم “عليه السلام” وهو يرتبط به عن طريق امه المطهرة مريم العذراء “عليها السلام” .

والحسين “عليه السلام” هو الثائر ضد الفساد بشخص يزيد والعصابة الاموية, قال رسول الله “ص” : “اذا رأيتم معاوية وعمر بن العاص مجتمعان ففرقوا بينهما “، وقد فعل احد الصحابة ذلك بتطبيقه لوصية رسول الله “ص” عندما  رأى معاوية وعمر بن العاص مجتمعان يتحدثان سوية فجاء وجلس بينهما , فاستنكر عليه عمر بن العاص وقال له: لماذا فعلت هذا ؟

قال: لتطبيق وصية رسول الله “ص” فرقت بينكما “ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ” .

ومن صور الفساد الاموي: ان مروان اعطي له خمس افريقيا من المال، وعندما دخلت ابل عبد الرحمن بن عوف محملة بالاموال ضج فقراء المدينة فكانت الثورة التي اسقطت الخليفة عثمان بن عفان وقد وقف الحسن والحسين في باب الخليفة يدافعان لدرأ الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان بن عفان.

والامام الحسين رأى الفساد يدب في المجتمع بسبب فساد السلطة الاموية وواكب ذلك منذ شبابه حتى كهولته “عليه السلام” حين آل الامر الى يزيد بن معاوية المتجاهر بشرب الخمر والذي كان يقول شعرا :-

لعبت هاشم بالملك فلا …. خبر جاء ولا وحي نزل 

وكان ابوه معاوية يحنقن غيظا ويشتاط بغضا لأن رسول الله “ص” يذكر على المنائر خمس مرات باليوم , كما نقل ذلك عنه الوليد بن المغيرة الذي نزلت في ذمه وتوعده سورة المدثر “ذرني ومن خلقت وحيدا -11- وجعلت له مالا ممدودا -12- وبنين شهودا -13- ومهدت له تمهيدا -14- ثم يطمع ان ازيد -15- كلا انه كان لآياتنا عنيدا -16- سأرهقه صعودا” -17- سورة المدثر. وهذا الرجل الذي نزل به هذا الوعيد من قبل جبار السماوات والارض والذي كان يوما يقول عن القرآن بانه “سحر” هذا المتعنت المتغطرس الذي كان يتوحد في كساء الكعبة كبرياء وغطرسة لم يبلغ بالكراهية والحقد مابلغه معاوية , حيث يقول ابنه: جاء ابي يوما مغضبا فقلت له، يا ابي مالي اراك مغضبا هل قصر احد من العيال بخدمتك ؟

قال: لا ولكن جئت من الئم الناس 

قلت يا ابي ممن جئت؟

قال: جئت الليلة من معاوية وقد جمعني به مجلس فقلت: يا امير المؤمنين: لقد هلك الحسن بن علي بن ابي طالب, فهل ارفقت بأبناء عمومتك من بني هاشم ؟

يقول: فضرب معاوية على فخذي وقال: لا أم لك، لقد حكم ابو بكر واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا أبو بكر، ثم حكم عمر بن الخطاب واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه إلا عمر بن الخطاب، ثم حكم اخونا عثمان بن عفان واجتهد ما اجتهد ثم هلك فلا يقال عنه الا عثمان بن عفان.

ثم يقول معاوية بحسرة وغضب: اما اخو بني هاشم: فلا يزال يذكر على المنائر خمس مرات باليوم – ينقل هذه الرواية الشيخ المفيد في كتابه “الاختصاص” وهو من علماء بغداد في القرن الرابع الهجري واستاذ كرسي الفقه والتفسير.

والحسين بن علي بن ابي طالب “عليها السلام” يعرف كل هذا عن العصابة الاموية التي اوصلت الحكم والامرة الى يزيد وهو ابن معاوية الذي عرفنا حقده وعدم ايمانه اصلا بالاسلام وهو ابن ابي سفيان الذي طلب من نساء قريش عدم البكاء على قتلاهم في بدر حتى لايذهب الحزن والكمد من نفوسهن، ولهذا قامت هند زوج ابي سفيان بأكل كبد حمزة عم النبي وسيد الشهداء في معركة احد.

فالامام الحسين ثأر ضد الظلم والفساد الذي عشش في السلطة وبعض نواحي المجتمع, فهو ليس بطالب سلطة كما قد يظن البعض خطأ, وانما هو يحمل ثقل الولاية ومسؤوليتها بفهم معرفي يقول: “اهل البيت هم عيش العلم وموت الجهل ” وبنص من السنة النبوية التي تقول: الحسن والحسين امامان قاما او قعدا” وتقول بما استفاضت به كتب الاولين من صحاح ومرويات “الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة” وتقول “حسين مني وانا من حسين” وهذه الشهادات تدعمها النصوص القرآنية التي تحدثت عن اولي الامر وخصائصهم “انما وليكم  الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون”  و ” اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم” .  وقد اجمعت مرويات الصدر الاول من الاسلام على ان من اعطى الزكاة وهو راكع هو الامام علي بن ابي طالب, فلم يعد لتخرصات البعض في انكار مثل هذه النصوص من حجة, يدعم ذلك ويؤيده واقع اهل بيت النبوة من الائمة الاطهار وسلوكهم بين الناس الذي عرف بالتقوى والتواضع والعلم يقول الامام الحسين: “عميت عين لاتراك متى غبت حتى تحتاج الى دليل” ودعاؤه في يوم عرفه هو برهان على خلوصه وعبوديته لله وعلمه بصفات الجلالة مثل دعاء ابيه الامام علي بن ابي طالب المعروف بدعاء “الصباح” الذي من يعرفه يعرف انه لايمكن ان يصدر الا ممن قال عنه رسول الله: “انا مدينة العلم وعلي بابها” وقال عن اهل البيت” لاتعلموهم فإنهم معلمون” ولذلك عندما جاء عبد الله بن عمر “رض” ينهى الامام الحسين من الخروج الى العراق قائلا: سمعت رسول الله “ص” يقول: ان ابني هذا يقتل بشط الفرات “فتبسم الامام الحسين وقال: “هذا يوجب علي الخروج تنفيذا لقول رسول الله الذي لاينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى”.

فالامام الحسين كان مصححا ومصوبا لاراء من كانوا حوله من المسلمين مثلما كان مؤهلا اوحد لفضح الفساد والظلم ورفض سريانه وعدم السكوت عنه .

والذين يريدون احياء ذكرى عاشوراء الحسين وثورته التي اصبحت عالمية الشهرة عليهم ان يحاربوا مظاهر الفساد على قاعدة “قاتلوا الذين يقاتلونكم من الكفار” واقرب من يقوم بالفساد اليوم الينا هم من يمارسون الفساد المالي والاداري والاخلاقي في العراق .

اما الفساد المالي فلا حاجة بنا الى ملفات الجهات التي عينت رسميا لمتابعة الفساد ثم اصبح بعض اعضائها جزءا من الفساد ولاذ آخرون بالصمت خوفا او ضعفا ، فالذين تورطوا في الفساد ويحلو لهم لبس السواد تظاهرا وخديعة لعامة الناس او بعض الذين قد يساهموا في بذل المال لبعض المواكب الحسينية تمويها وتسترا على فسادهم المالي, فهؤلاء لم يعودوا يخفون على ذي بصيرة, فشركاتهم من السيارات وشركاتهم في الاتصالات ومشاركتهم في كبريات شركات المقاولات هي مما لايخفى على من ذكرنا, فلماذا لايصار الى استدعائهم علنا ومحاسبتهم على ثرواتهم الجديدة وهي سحت ومن المال الحرام ؟

 والذين تورطوا في السمسرة لشركات وهمية في الكهرباء والاعمار والنفط والنقل والاتصالات هم كذلك معروفون بالاسماء فلماذا يتم التستر عليهم حتى تبقى قضية الفساد في العراق وكأنها احجية  وطلاسم يصعب فك شفرتها ؟

واذا ظلت الجهات الحكومية المسؤولة تتعمد عدم الافصاح عن الفاسدين والذين مضى عليهم ما يقرب من عقد من السنين يسرقون ويهربون مال العراق حتى وصل فسادهم الى البنك المركزي العراقي والى عقود وزارة الدفاع والداخلية ووزارة الصحة والتربية والتعليم العالي ووزارة التجارة ووزارة الاتصالات وبقية الوزارات والهيئات ليست مستثناة من آفة الفساد التي نغصت على العراقيين عيشهم وافسدت حياتهم وحرمتهم من ثروتهم, فان محطة الانفجار مقبلة ولن ينافس محطة عاشوراء الحسين ذكرى الثورة على الظلم والفساد التي لم تعد توازيها بثقلها العقائدي ووزنها الشعبي المتميز بإخلاصه أية ثورة اخرى .

والذين تمرسوا في استحضار ذكرى ثورة الامام الحسين هم مطالبون اليوم اكثر من اي وقت مضى بمحاسبة رؤوس الفساد في الحكومة وحواشيها وفي الاحزاب وممثليها وفي الكتل ورؤسائها وفي الاسناد وفوضاها وفي المصالحة ولمتها غير المتجانسة وغير المؤهلة, وفي الميليشيات وعنترياتها وفي بعض الصحوات وعدم صدقها وفي التسميات العشائرية والمنتفعين فيها وفي الاقاليم وما يعاني المواطنون من غطرسة رؤسائها والمتنفذين فيها.

ان المهمة الوطنية والمسؤولية الاخلاقية لإحياء ذكرى الثورة الحسينية هو التركيز المباشر على فضح شبكات الفساد المالي في العراق بالاسماء والعناوين والأرصدة ولتكن القصائد والردات والاهازيج والشعارات منصبة على هذا الجانب الخطير الذي يهدد حياة العراقيين ويتركهم فقراء تتصدق عليهم بعض الفضائيات لغاية في نفس يعقوب.

والمسؤولية الثانية هي التوجه لفضح من قاموا بالاعلان الوقح والمستفز لمشاعر الجماهير المؤمنة في العراق باحتفال بما سمي “انتخاب ملكة جمال بغداد” على طريقة كازينوا لبنان وادول ستار وستار اكاديمي ذات النكهة اليهودية الموغلة في المكر والفساد وهذا الاحتفال البائس تقف وراءه بعض الفضائيات وبعض الذين تلوثوا بثقافة لاتنتمي لروح هذه الامة، وظلوا يتنقلون كما تتنقل الفيروسات والجراثيم في مراكز الاعلام والثقافة لذلك توقف ابداعها وهزل انتاجها .

والمسؤولية الثالثة هي فضح وتعرية غير المؤهلين وغير الكفوئين من الذين غزوا دوائر الدولة ومؤسساتها من رؤساء اقسام وشعب ومدراء عامين ووكلاء وزارات نتيجة المحاصصة البغيضة التي شجعت ورعت الفساد في العراق.

رئيس مركز الدراسات والابحاث الوطنية

ALITAMIMI5@yahoo.com

الصحة … ابن الهيثم أنموذجاً

ما أن يصاب المرء بمرض حتى تنشط حواسه وتتقد في التقاط أخبار هذا المرض.. ويظن انه وباء… فالكثيرات أصبن بمرض تكلس البويضة ويتهددهن العقم… والسرطان يغزو الناس وتحول إلى وباء … وكذا التدرن وأمراض الجلد والحساسية والكلى… 

ومن يقدر له مراجعة المستشفى الرئيس في العراق المتخصص بأمراض العيون والمسمى باسم بن الهيثم في بغداد يحسب أن العراق مهدد بالعمى…  فالإنسان يميل إلى تعميم حالته وما يشعر به… 

إلا أن ما يجري في العراق حالة موضوعية ..

وقائمة فعلا… وأكدتها المنظمات الدولية من انتشار الأمراض الخطيرة جراء استخدام اليورانيوم المنضب في الحروب, ونتيجة تلوث البيئة وانعدام الخدمات والقلق النفسي ..يضاف لها ويكملها تسيب المؤسسات الصحية وفساد العاملين بها… 

وسوء بعض الأطباء مع سوء تعامل بعض الإدارات وبعض المراجعين … فالأسباب تتضافر لخلق ظاهرة فاضحة كالتي نعيشها … وسنبقى على مثالنا الذي كنا تناولناه من قبل أمراض العيون,  ومستشفى بن الهيثم… ومشهد حشود المراجعين من مختلف المحافظات بعصيهم يتلمسون ويتحسسون خطواتهم مع مساعديهم يقودونهم إلى أماكن المراجعة والفحص ..

مع شباب وسيم يثير أسف وغضب وحزن جدران المستشفى ولكنه لا يثير شعرة في ضمير وإحساس من شأنه ان يزيد عدد الاطباء.. فرغم ان هناك اكثر من عشرين طبيب اختصاص إلا أن حشود ذلك السبت تتوجه إلى الدكتور زيد رجب اختصاصي الشبكية .. .وان من بين الثماني غرف الفحص لا تفتح أكثر من باب او بعض الأبواب…

فالبقية في مشاغلهم وأعمالهم الخاصة, ربما في هذه المستشفى الاهلية او تلك وإجراء العمليات بورق الدولار مع تنسيق من نوع ما …ومن يعترض تنتظره تهمة, ولتكن مضحكة وغير معقولة.

لو كانت هناك وزارة للصحة تتابع وتتفقد وتسأل لطلبنا إليها إجراء زيارات واستطلاعات واستفتاءات بعمل مستشفى بن الهيثم…وحالها ومقارنته بدول اعتدنا شتم المسؤولين لها, وهي تبعث الفرق الطبية إلى فقراء المسلمين في الدول الاخرى تهدي لعميانها النور, تعالج امراض عيونهم وتجري العمليات الجراحية لهم وتعيد إليهم نظرهم وتفرحهم وتفرح معهم بعودة النور …

وكان لمستشفى بن الهيثم لو كانت هناك وزارة ومسؤولون يتحسسون معاناة مواطنيهم لكانت مركزا كافيا لعلاج هذه الآلاف التي تسافر الى الهند وايران والدول الاخرى, والى المستشفيات الخاصة في كردستان وبغداد، بل وتفتح بابا للخير لمعالجة الفقراء من العالم وتكسب ثوابا وترسم صورة لما يفعله الإسلام عندما يتقدم المسلمون إلى السلطة.

تعرضنا بالإيجاب لوزارة الصحة بقصد حثها وتشجيعها, فتأكد لنا أنها في غياب وبعيدة والسيد وزيرها وفي وبالغ التعلق بمسقط رأسه وبكرديته..  وكنا نأمل بزياراته المستمرة لكردستان أن يتساءل عن معنى هذه الحشود التي تقصد الإقليم وكذا التي تقصد دول العالم للعلاج؟؟؟

لتبقى مستشفى بن الهيثم عينة اختبار وأداة تنبيه والتأكد من وجود وزارة من عدمه …وان نعلن عما سيحدث.

دعوات عربية لإبادة غزة

يا سبحان الله, فجأة صار الدفاع عن الوطن جريمة نكراء في منظار جريدة (الوطن) الكويتية, وفجأة سكت رجال الفتوى, فلم يفتوا بقتل شمعون بيريز أو نتنياهو مثلما أفتوا بقتل القذافي وبشار, ولم ير وعاظ السلاطين الملائكة وهي تقاتل الجيش الإسرائيلي مثلما شاهدوها في عالم الرؤيا تقاتل الجيش السوري, وفجأة لم تتحرك دول الخليج لتسليح المقاومة الفلسطينية مثلما تحركت لتسليح (الجيش الحر), وفجأة لم يطلب أمير قطر إرسال قوات عربية إلى غزة مثلما طلب إرسالها إلى سوريا, وفجأة لم تشارك القوات العربية في الدفاع عن غزة مثلما شاركت في الدفاع عن باب العزيزة في فجر الأوديسا, وفجأة اكتشفنا إن (القاعدة) لا وجود لتشكيلاتها الجهادية السرية في غزة, على الرغم من تواجدها في العراق وليبيا واليمن ومصر وسوريا والمغرب وموريتانيا والجزائر وتونس, وفجأة لم تتحرش تركيا بإسرائيل وتستدعي زعماء حركة حماس مثلما فعلت مع المعارضة السورية, وفجأة لم تبادر الدول العربية بطرد سفراء إسرائيل مثلما فعلت بطرد سفراء سوريا في غضون دقائق معدودات, وفجأة انتظرت الجامعة العربية أسبوعا كاملا قبل أن تبدأ بمناقشة القصف العشوائي ضد الأحياء السكانية في غزة, ثم بدأت بمناقشة الموضوع مع الدول العربية التي شنت صحفها حملات وقحة ضد غزة, وتجدر الإشارة أن الجامعة اجتمعت بكامل عواصمها ولوازمها في غضون نصف ساعة قبيل الهجوم الكاسح الذي شنته قوات التحالف على العراق. .لقد خرج علينا كاتبان مسعوران من الكويت ليعلنا, بكل ما عرف عنهما من وقاحة وصفاقة, وقوفهما مع بنيامين نتنياهو في حملته البربرية لإبادة أهلنا في غزة, ويعلنا الهجوم السافر على فصائل المقاومة. .كاتبان كويتيان يصفان ردود أفعال غزة, ودفاعها عن نفسها بأنه (عدوان على إسرائيل), ويلتمسان المبررات والأعذار لحكومة تل أبيب, ويضعان حركة (حماس) ضمن تصنيفات المنظمات الإرهابية, حتى ان الصحف الصهيونية اعتادت على نشر كتاباتهما اليومية المشبعة باللؤم. .  لم نستغرب أن يتطوع فؤاد الهاشم وعبد الله الهدلق لمناصرة أعداء الحق, فنحن نعلم بسيرتهما وتاريخهما الأخلاقي المخجل, فماضيهما معروف, وتاريخهما مكشوف, ورحم الله المتنبي على قصيدته التي يقول في مطلعها:

لك يا منازل في القلوب منازل

فالكتاب يُعرف من عنوانه, والكاتب يعرف من لسانه, والغاشم وزميله اللقلق يكتبان بما تمليه عليهما أرواحهما الشريرة, فعرفناهما وعرفهما العالم بانحيازهما إلى الباطل كله ضد الحق كله, بل كانا أكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم, لكننا نعتب على دولة الكويت التي منحتهما الحرية المطلقة لإفراغ ما بجعتهما من سهام ونبال حاقدة من دون أن يردعهما رادع, أو يتصدى لهما بالحق صادع. .قديما كانت الدول العربية تعدم الجواسيس, وتفكك شبكاتهم السرية, وتطارد العملاء, وكان الخزي والعار مصير كل متواطئ مع الأعداء, اما اليوم فقد صارت عواصمنا مرتعاً للجواسيس والعملاء, وصارت الصحافة الكويتية والقطرية منابرا لأبواق معسكر الأعداء بذريعة إطلاق الحريات الصحفية, وبذريعة السماح للكتاب بطرح أفكارهم وآرائهم على طاولة الصراحة, وشتان بين الصراحة والوقاحة. . 

فالصراحة تعني التعبير عن الآراء الصادقة المحايدة, من دون المساس بمشاعر الناس, أما الوقاحة فتعني اختلاق الآراء المنحازة المدفوعة الأجر, والانتقاص من الآخرين, وطمس حقوقهم الشرعية, وتشويه صورتهم. .ربما تحمل الصراحة بعض الآلام, لكنها تكون محمولة دائما على أجنحة الحقائق والثوابت, أما الوقاحة فهي سمة أصحاب النفوس الوضيعة, فالفرق بين الصريح والوقح كالفرق بين الشجاع والجبان, وكالفرق بين النبيل والخسيس. .فالكاتب الوقح هو الذي يدعو لنصرة الظالم على المظلوم, ويدعو لنصرة القوي على الضعيف, ويدعو لنصرة المجرم على الضحية, ونصرة الحق على الباطل, ونصرة الجيوش الجرارة على المدافعين عن أرضهم وعرضهم. . 

كان اللقلق ورفيقه الغاشم, ومن كان على شاكلتهما, من أكثر الكتاب وقاحة في التحريض على إبادة أهلنا في غزة, وماانفكوا يدعون زعماء إسرائيل لسحقهم, ويطالبونهم بالتعامل معهم كمجرمين وقتلة وإرهابيين. . 

ألم أقل لكم: الله يستر من الجايات ؟؟