كأنها حكومة

الدكتور صالح المطلك, بقراره ازالة التجاوزات عن املاك الدولة وكأنه يوحي ان الحكومة قد ولدت وقامت اخيرا وستتولى مهامها وواجباتها, وستواصل اجراءاتها الاخرى وتعيد مليارات الدولارات المسروقة وتحاسب اللصوص «وتحيي الموتى وتجترح المعجزات» وتكنس اجهزتها من الزبالة, وتطهرها من مزوري الشهادات ,ومن اتخذوا من الطائفية وثيقة كفاءة وجواز مرور للثروات والامتيازات. والبداية ازالة التجاوزات على املاك الدولة، وستهرع الاحزاب والمنظمات والسياسيين بخوف وذعر للملمة اثاثها وحاجاتها وبرامجها العظمى لبناء البلد وتفر مسرعة خوف المساءلة والحساب والحرج.

نتمنى على السيد المطلك ان يشفق ويرأف بالمتجاوزين بساعات اضافية تقلل من ارتباكهم. وان يميز بين الاقوياء وبين المساكين من سكنة الاملاك العامة على نحو قانوني واصولي ومن عشرات السنين. يميز بين موجة مثقلة باللصوص وتجار الشعارات والطقوس ومن ناهبي الاملاك العامة ,مع التذكير ان املاك الوقت السابق تحولت الى ملكية عامة ,ولا يحق لاي كان الاستيلاء عليها ومصادرتها.وبهذه الحالة يتعين الاسراع في تمليك سكنة الدور العامة قانونا واصولا وفق التعليمات المعروفة. نحن اذن بتوصياتنا وتنبيهاتنا قد صدقنا ان فعلا واجراء وتصرفا سيقع على الارض.. لا في الريح ولا على الفضائيات ما تلبث ان تمضي مع اعصار اخر.

نخشى على قرار المطلك ان يذوب مع كل خطوة باتجاه التنفيذ ..الى ان يصل في القاع قطرة ماء وقد تبخرت، ثم ان العراقي قد اعتاد والف ان مواقف واجراءات واصوات لصوص السياسة تخضع لقانون المزايدة .ورسوها عند الدفع الاكثر .فهل يقوى على المضي في تنفيذ قراره الى النهاية؟، ام يقر بانه لا امر لمن لا يطاع؟

هنا تظهر مشكلة اصعب، الكرامة، فالكريم لا يقبل لنفسه ان يكون دمية .ان يكون مجرد عنوان ,مجرد امتيازات ووجاهة وستار يوفر للصوص فرصة .حتى قيل ان الشرف والسمعة والارث العائلي الرفيع قد دخل سوق النخاسة وتوظف لخدمة ناهبي المال العام .وللدرجة التي غابت فيه مواقف الاحتجاج والتبرؤ مما لا يشرف وتقديم الاستقالة من منصب لا يمكن تقديم استحفاقاته .وباستثناء الدكتور عادل عبد المهدي ففي ظاهرة الفساد القياسية لم يتقدم الالاف بالاستقالة .فعدم الاستقالة تعني فرص مضافة للاستحواذ على بيت او قصر او ارض سعر مترها الواحد اكثر من خمسة ملايين. وقرار المطلك يمس عصبا حساسا وان كان خفيا وسنرى بتنفيذه بعدالة ايذانا بمباشرة الحكومة لوظائفها. وسنتفاءل بولادة دولة المواطنة والقانون وتصويب شناعات عقد من السنين. ولا نرى من يمد لسانه سخرية ان لم يعفط.

شموئيل شموئيلي وعدوانيته الشمولية

يرى توينبي، “أن الدرس الذي استخلصه اليهود من مواجهاتهم مع النازيين قادهم, لا إلى تجنب المجازر التي ارتكبها النازيون ضدهم, بل إلى تقليد عدوانيتهم الشمولية ضد الأقوام الأخرى”, وربما كان شموئيل شموئيلي هو الأكثر تطرفاً الآن في عدوانيته الشمولية, فقد تغلغل هذا الحاخام في تركيبة المجتمعات اليهودية المعقدة, وراح يدعو اليهود على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم إلى الحرب الشمولية, للتعبير عن شخصيته المتطرفة المعروفة بعدوانيتها, فلم يفرق بين يهود (الأشكناز) الأوربيين, ولا بين يهود (السفارديم) العرب, ولا بين يهود (الصباريم) المولودين في فلسطين, ولا (الفالاشا) النازحين من أفريقيا, ولا (الكنعانيين) الجدد, الذين يؤلفون اليوم الطبقة العلمانية, ويرى إن إسرائيل في حالة حرب دائمة لابد أن تشارك فيها الطوائف اليهودية كلها ضد المحيط العربي الخارجي, على اعتبار أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تتمكن من تحقيق السلام, لا مع الفلسطينيين, ولا مع الدول العربية المجاورة.

 تتعارض أفكار شموئيل شموئيلي تماما مع أفكار (يهودا ليف), الذي يقول، “كن يهودياً في بيتك, وإنساناً خارج بيتك”, فمثل هذه التوجهات المسالمة لا تروق لشموئيل أبدا, فهو يدعو للتمسك بأفكار (بن غوريون) الذي يقول، “لا يهم ما تقوله الشعوب الأخرى, بل المهم هو ما يفعله اليهود”, ويقول أيضاً، “بالدم والنار سقطت يهودا, وبالدم والنار ستقوم يهودا”, ويدعو الناس للتمسك بأفكار “زائيف جابوتنسكي”, الذي يقول، “السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء”, فالحرب من وجهة نظر الحاخام شموئيل جزء من الماضي ومن الحاضر ومن المستقبل, ويدعو لتحويل إسرائيل إلى ثكنة عسكرية تتحين الفرص للانقضاض على الأقطار العربية المحيطة بها. 

من لا يعرف شموئيلي نقول له، انه رئيس حركة (حماة إسرائيل) اليهودية المتطرفة, ويكرس أنشطته السياسية في المرحلة الراهنة على كيفية تدمير مصر, دولة وحضارة وشعباً.

 لقد بدأ مشروعه السياسي في سبعينيات القرن الماضي, وخصص كتاباته لمحاربة مصر, فأسس موقعاً الكترونياً تحت اسم (تشاباد):

وهو الموقع الذي يعتمد عليه في تأمين التواصل مع الفرق والطوائف اليهودية, لحشدهم في الحرب القادمة ضد مصر باعتبارها من الحروب التي سيباركها الرب (يهوا) إله الحرب, فالرجل يصرح يومياً في الصحف والفضائيات عن دعوته لنسف الشعب المصري كله وإزالته من على وجه الأرض, ولم يتهمه أحد بالإرهاب, ولم يحتج عليه أحد, حتى لا يتهم بمعاداة السامية.

مصر في نظر (شموئيل) هي العدو الأول لأنها التي أخرجتهم أذلة في زمن سيدنا موسى عليه السلام, ويزعم إنها تسيطر الآن على أرضهم (سيناء), التي تاهوا فيها أربعين عاماً, ثم يأتي من بعدها العراق الذي تعرض فيه اليهود للذل والمهانة في السبي البابلي على يد ملكهم نبوخذ نصر.  يرى شموئيل، إن (سيناء) تمثل أكبر المنافذ الخطيرة, التي تهب منها رياح الشر على حد قوله, ويرى انه قد حان الوقت لاستعادتها واستردادها وتحريرها من قبضة العرب تمهيداً لقيام الإمبراطورية الإسرائيلية, التي مهدوا لها عبر مشاريع التفكيك والتمزيق المنفلتة من عقالها في كل أنحاء الوطن العربي, وتجميد الملف الفلسطيني نهائيا عن طريق توجيه ضربات موجعة إلى القوى المعارضة لإسرائيل, والاستفادة من النشوة, التي شعرت بها القيادات الإسرائيلية في ظل الدعم الأمريكي المتجدد, لذا فإن شموئيل شموئيلي وعصابته يتصورون في خضم غطرستهم وعنجهيتهم ان الحل الأمثل يقضي بضرورة التوسع بالقوة عن طريق مواصلة الهجوم على الدول العربية, التي لم تعد تمتلك المؤهلات الحربية الكافية, وبمساندة الدول العربية المنبطحة المؤمنة بسياسة التطبيع والتركيع، والله يستر من الجايات.

العراق: المشكلات الحاضرة والحلول الغائبة

في العراق مشكلات مزمنة تتمحور حول طبيعة وسيكولوجية الإنسان العراقي الذي يختزن التاريخ بكل ايجابياته وسلبياته، فهو مسرح تاريخي يتصارع فيه الحدث وتتفاعل عنده الأرقام والأسماء والمواقع بصورة اشتباك يومي يفسد السياسة ويعطل الاجتماع فيؤدي الى تراجع الإنتاج، ولولا وجود الثروات الطبيعية لهلك الإنسان العراقي أو هاجر، ولكن العراقي لا يحب الهجرة وحالات الهجرة التي حدثت هي استثنائية يقف ورائها العامل السياسي. 

وفي العراق اليوم مشكلات مستجدة طارئة صنعها الاحتلال الأميركي مثل: 

1- مصطلح المكونات

2- مصطلح المحاصصة

3- مصطلح المناطق المتنازع عليها

ومن هنا اصبح المثل التالي الذي يشبه النكتة وتصويره هكذا: 

1- أمريكا تصنع المشكلة

2- روسيا توقد تحتها

3- أوربا تطبخها

4- إسرائيل تأكلها

5- العرب يغسلون الصحون 

وهذه المشكلات الثلاث الطارئة يمكن حلها ولكن بعد توفر ما يلي:-

1- حضور اهل العقل والخبرة وهم مغيبون الآن بقرار أميركي وبمؤازرة اصحاب المراهقة السياسية من ذوي الشهية للسلطة بلا حدود، ومن الأمثلة العملية لاستبعاد أهل العقول والخبرة هو خلو كافة مؤسسات الدولة والحكومة منها، وعندما انعقد مؤتمر نخبة المفكرين العراقيين في نهاية عام 2009 في فندق بغداد في بغداد وبدعوة من وزارة الحوار الوطني التي لم تنتج حوارا وطنيا لم يحضره رئيس الحكومة ولا أطراف من الحكومة، وعندما عقد مؤتمر في الأشهر القليلة الماضية باسم المؤتمر الثقافي وحضره رئيس الحكومة لم يكن فيه من المثقفين الذين ينطبق عليهم مصطلح المثقف صاحب القلم المعروف والإنتاج المنتشر والحضور اليومي بمواصفاته الاجتماعية والسياسية والفكرية، لذلك كانت الدعوات اغتيالا للثقافة وإسهاما في صناعة الأزمة.

2- استبعاد الحس الفئوي والعنصري والطائفي، وهذه هي عوامل الانفعال والتوتر الذي يؤدي الى الاشتباك في الحدث العراقي وأمثلته اليوم حاضرة تنقله الفضائيات بفجاجته وتكتب عنه الصحف دون أن تعلم خطورته.

وهناك مشكلات حادة لا تحتمل التأجيل والتأخير متمثلة في كل من:

1- تمدد ظاهرة الفقر والعوز، والقاعدة الاجتماعية العاقلة تقول: قبل ان تتفلسف يجب ان تعيش « وكان الامام علي بن ابي طالب يقول: عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يشهر السيف في وجه الناس. ووضع الامام الصادق أطروحة سبقت كل افكار الحداثة في التنمية البشرية عندما قال: « لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا أدينا الواجبات»، ثم قال: «ما للبيوت يحرم على المساجد».

2- تباطؤ الخدمات وانعدامها: ففي عالم يتنافس ويتفاخر بتقديم اجود واحسن الخدمات لا يمكن ان يبقى وضع الخدمات في العراق مشلولا مما يخلق ازمة حادة ويومية بين الحكم والناس، فعالم تتسابق دوله وشعوبه بالانتاج والنمو الاقتصادي، وتتنافس في ميدان البحوث والاكتشافات والفضاء والصناعة والزراعة والجودة، لايمكن ان يبقى العراق معزولا عن تلك الطموحات يعاني من قلة الانتاج الكهربائي وتهالك الشبكة الكهربائية وعدم صلاحيتها وهي حديث مهندسي وخبراء الطاقة الكهربائية مع كثرة الاموال المصروفة على الكهرباء دون مردود مقنع، مثلما لايمكن ان يبقى العراق بدون مطارات حديثة وطائرات حديثة، ولا يمكن ان يبقى العراق بدون موانئ مجهزة صالحة لاستقبال السفن والبواخر بمختلف الاحجام، ولايمكن ان يبقى العراق بدون سكك حديد صالحة وبدون قطارات حديثة، ولا يمكن ان يبقى العراق بدون سماء محمية، وبدون منافذ حدودية متطورة، مثلما لا يمكن للعراق ان يبقى يتعامل مع مواطنيه بهذا اللون من التعامل الجارري في دوائر الجوازات والجنسية وشهادات السوق ونقل وتسجيل ملكية السيارات التي لا تنتمي لروح العصر والحكومة المنتخبة، ودوائر التربية والصحة ودوائر العقار، ودوائر المحاكم، ومكاتب تحقيق النزاهة، وهيئة دعاوى الملكية، حيث اصبحت هذه الدوائر أماكن لصناعة معاناة المواطن وتهميشه وإيجاد حاجز نفسي بينه وبين الدولة والحكومة وهو من ارث الحكومات السابقة التي كفر بها المواطن العراقي. 

3- الرشوة: تكاد تكون الرشوة ظاهرة مألوفة في المؤسسات والمصالح حتى لتكاد ان تكون عرفا يتعاطى به الكثير من الناس. 

4- المحسوبية: التي اصبحت بنتا شرعية للأحزاب والكتل السياسية والحكومة والحاضنات الاجتماعية الاخرى وهي معروفة، ومن الأمثلة العملية على ذلك وجود ابناء وأقرباء الرؤساء والوزراء وأعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات والمحافظين والمدراء العامين وقادة الفرق ومدراء الشرطة كل أبناء واقرباء هذه الفئات تنتشر في دوائر ودواوين الدولة التي يديرها اولئك المسؤولون. 

5- البطالة: تكاد تكون ظاهرة 

تقض مضاجع الشباب وعوائلهم وتفتح امام البعض منهم ميلا للانحراف والممارسات المخلة بالاجتماع الذي يتطلب إصلاحه كثيرا من الوقت والمال. 

هذه هي المشكلات الحادة التي لا تحتمل التأخير والتأجيل، فاذا اجتمعت هذه مع المشكلات الطارئة شكلت استعصاءً يواجه الحلول ويضاعف من كلفتها، وعندما تلتقي هذه المشكلات المزدوجة من طارئة وحادة مع المشكلات المزمنة التي توارثتها الشخصية العراقية وأصبحت جزءاً من تاريخها وارثها عندئذ نكون أمام تحد يواجه الجميع، فهو لا يخص الدولة بهيئتها ولا الحكومة بتشكيلاتها، ولا الأحزاب بتنظيماتها، ولا العشائر بولائها، ولا المرجعيات الدينية بمذاهبها وطوائفها .

اننا نجد اليوم في العراق المحاصر بكل هذه المشاكل والتي من اخطر نتائجها الانقسام والتقسيم والاختلاف الحامل لبذرة النزاع الذي تتطاير منه شرارة الحقد والكراهية، امام هذا الواقع المؤلم لانجد فريقا من العراقيين يتميز على غيره بصواب الطرح، وموضوعية الموقف، فالكل يشكو من الكل، والكل يرمي غيره بكل التقصير وينأى بنفسه عن المشكلات التي تؤرق المواطنين.

والكل يشارك بصناعة وتأجيج النعرات الطائفية، والكل يشارك في الفساد بكل أنواعه، والكل يشارك في انحدار البلد نحو التقسيم، نعم هناك تفاوت في النسب.

لهذا السبب: أصبحت المشاكل حاضرة ومتراكمة، يقابلها عجز في الحكومة واضح، وترهل في الدولة فاضح، فبعد عشر سنوات من التغيير، لم تكتسب الدولة إلى الآن مواصفاتها القانونية، فهي مازالت تحت الفصل السابع مما يجعل هيئات الأمم المتحدة في العراق تحظى بحضور يتفوق أحيانا على حضور الدولة ولازالت الدولة غير قادرة على ما يلي:

1- السيطرة على التحويل المالي بيسر وسهولة كما يحدث عند الدول الأخرى.

2- عدم القدرة على نقل وتحويل البريد الدولي والمحلي .3- عدم القدرة على امتلاك الفضاء وتسيير الرحلات الجوية الى حيث تريد ضمن ضوابط وتعريف النقل الدولي .4- عدم القدرة على السيطرة على المنافذ الحدودية.

5- عدم القدرة على اجراء التعداد السكاني العام .

6- عدم القدرة على حماية مواطنها من إجراءات الاقليم غير الدستورية وتخرصات بعض مجالس المحافظات تجاه خطة الاعمار واموال الموازنة العامة فيما يخص تنمية وتعمير الاقاليم. 

وتجاه هذا التراكم الخطير للمشكلات في العراق ومعرفة أسبابها، تبقى الحلول غائبة او مغيبة، ولهذا كانت صرخة الشاعر العراقي احمد مطر تدوي عندما قال:

انا ضد امريكا إلى أن تنقضي

 هذي الحياة ويوضع الميزان 

هموم متقاعد !!

فيما كانت الناس تحتفل مبتهجة , و هي ترى بأم عينها غير مصدقة , إن رمز النظام السابق قد تهاوى في ساحة الفردوس , و إنتهت بنهايته أيام الحصار و الظلم و الجوع , كان الحاج (أبو محمد ) يتساءل مع نفسه هل سيبقى راتبي التقاعدي (24) ألف دينار أم إن ثورة التاسع من نيسان المجيدة ستنظر في أمري و أمور المتقاعدين , و تعوضنا عن أعوام الذل و الحرمان ؟!]  .كان ذلك همه الوحيد و شغله الشاغل , و ما هي إلا سنوات قليلة من الصبر و الأنتظار , إلا و تحقق حلمه , و تضاعف راتبه عشر مرات , من 24 ألف دينار الى (240) ألف دينار , و هذا الرقم بالنسبة له أقرب الى الخيال منه الى الحقيقة , و كادت فرحة المفاجأة تقضي عليه لولا اللطف الرباني , حيث لم يصب الرجل إلا بغيبوبة طارئة , يسميها الأطباء (إغماء السعادة) , عادة ما يتعرض لها الأنسان عندما يلتقي حبيبا ً غائبا ً , أو يسمع وعدا ً حكوميا ً يسبق الأنتخابات ! إستعاد أبو محمد وعيه , و مضت بضعة أشهر على فرحة الراتب التقاعدي الجديد , و الزيادات المذهلة التي طرأت عليه , و بدأ يتعامل مع تفاصيل الحياة اليومية و المعيشية بصورة واقعية , و تنبه الى إنه يعاني من ضائقة مالية شبيهة ٍ بضائقة الأيام السود التي عانى منها في عهد الدكتاتورية المقيت ,فقد تراجعت البطاقة التموينية , و إختفت أغلب مفرداتها مثل الشاي و الحمص و العدس و الملح و الفاصوليا ..الخ , مما إضطره الى تعويض النقص من السوق بأسعار تجارية مرهقة , من جانب آخر قام المؤجر برفع بدل إيجار الغرفة التي يسكنها مع أسرته الى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه , كما لاحظ الرجل إن سعر قنينة الغاز أصبح ستة آلاف دينار , في الوقت الذي كان سعرها مئتين و خمسين ديناراً , أي تضاعف السعر أربعا ً و عشرين مرة , بينما إرتفع سعر اللحم الأحمر من سبعة آلاف دينار إلى أربعة عشر ألف دينار , و هذا يعني إنه إرتفع بنسبة (مئة بالمئة) , على الرغم من إن الحاج و أسرته نسوا طعم اللحم الأحمر منذ ربع قرن , كذلك وجد الرجل بحكم الضرورة , إنه غير قادر على الوقوف خارج حركة التطور , أو بعيدا ً عن متطلبات الحياة الجديدة , و لهذا بات ملزما ً بدفع (45)ألف دينار شهريا ً لمولدة الكهرباء الخارجية , و هي من الأجور الحديثة على ميزانية البيت , و إن يدفع من بين الأجور الحديثة مبلغ (35) ألف دينار في الحد الأدنى أجوراً لكارتات الموبايل , و بعد أن قام بعمليات حسابية مطولة , و أعاد الحساب مرتين و ثلاثا ً , و أجرى مقارنة دقيقة بين راتبه التقاعدي الكبير (240 ألف دينار) , و بين عموم المصروفات البيتية و أجور المولدة و الموبايل و الأيجار و النقل و الطبيب و الملابس , إكتشف لماذا لا يكفيه الراتب الجديد مع إنه عشرة أضعاف راتبه القديم , و لماذا يجب عليه الأقتراض بأستمرار , مثلما كان يفعل منذ عشرين سنة , و لماذا يجب أن يبحث عن عمل كما كان يفعل في السابق , و توصل في خاتمة المطاف الى يقين ثابت و مؤكد و مجرّب , و هو إن الدكتاتورية (المكروهة ) و الديمقراطية (المحبوبة) , تختلفان في سياسة الحرية و التعبير عن الرأي , و تلتقيان في سياسة تجويع المواطن !! 

كأنها حكومة

الدكتور صالح المطلك, بقراره ازالة التجاوزات عن املاك الدولة وكأنه يوحي ان الحكومة قد ولدت وقامت اخيرا وستتولى مهامها وواجباتها, وستواصل اجراءاتها الاخرى وتعيد مليارات الدولارات المسروقة وتحاسب اللصوص «وتحيي الموتى وتجترح المعجزات» وتكنس اجهزتها من الزبالة, وتطهرها من مزوري الشهادات ,ومن اتخذوا من الطائفية وثيقة كفاءة وجواز مرور للثروات والامتيازات. والبداية ازالة التجاوزات على املاك الدولة، وستهرع الاحزاب والمنظمات والسياسيين بخوف وذعر للملمة اثاثها وحاجاتها وبرامجها العظمى لبناء البلد وتفر مسرعة خوف المساءلة والحساب والحرج.

نتمنى على السيد المطلك ان يشفق ويرأف بالمتجاوزين بساعات اضافية تقلل من ارتباكهم. وان يميز بين الاقوياء وبين المساكين من سكنة الاملاك العامة على نحو قانوني واصولي ومن عشرات السنين. يميز بين موجة مثقلة باللصوص وتجار الشعارات والطقوس ومن ناهبي الاملاك العامة ,مع التذكير ان املاك الوقت السابق تحولت الى ملكية عامة ,ولا يحق لاي كان الاستيلاء عليها ومصادرتها.وبهذه الحالة يتعين الاسراع في تمليك سكنة الدور العامة قانونا واصولا وفق التعليمات المعروفة. نحن اذن بتوصياتنا وتنبيهاتنا قد صدقنا ان فعلا واجراء وتصرفا سيقع على الارض.. لا في الريح ولا على الفضائيات ما تلبث ان تمضي مع اعصار اخر.

نخشى على قرار المطلك ان يذوب مع كل خطوة باتجاه التنفيذ ..الى ان يصل في القاع قطرة ماء وقد تبخرت، ثم ان العراقي قد اعتاد والف ان مواقف واجراءات واصوات لصوص السياسة تخضع لقانون المزايدة .ورسوها عند الدفع الاكثر .فهل يقوى على المضي في تنفيذ قراره الى النهاية؟، ام يقر بانه لا امر لمن لا يطاع؟

هنا تظهر مشكلة اصعب، الكرامة، فالكريم لا يقبل لنفسه ان يكون دمية .ان يكون مجرد عنوان ,مجرد امتيازات ووجاهة وستار يوفر للصوص فرصة .حتى قيل ان الشرف والسمعة والارث العائلي الرفيع قد دخل سوق النخاسة وتوظف لخدمة ناهبي المال العام .وللدرجة التي غابت فيه مواقف الاحتجاج والتبرؤ مما لا يشرف وتقديم الاستقالة من منصب لا يمكن تقديم استحفاقاته .وباستثناء الدكتور عادل عبد المهدي ففي ظاهرة الفساد القياسية لم يتقدم الالاف بالاستقالة .فعدم الاستقالة تعني فرص مضافة للاستحواذ على بيت او قصر او ارض سعر مترها الواحد اكثر من خمسة ملايين. وقرار المطلك يمس عصبا حساسا وان كان خفيا وسنرى بتنفيذه بعدالة ايذانا بمباشرة الحكومة لوظائفها. وسنتفاءل بولادة دولة المواطنة والقانون وتصويب شناعات عقد من السنين. ولا نرى من يمد لسانه سخرية ان لم يعفط.

شموئيل شموئيلي وعدوانيته الشمولية

يرى توينبي، “أن الدرس الذي استخلصه اليهود من مواجهاتهم مع النازيين قادهم, لا إلى تجنب المجازر التي ارتكبها النازيون ضدهم, بل إلى تقليد عدوانيتهم الشمولية ضد الأقوام الأخرى”, وربما كان شموئيل شموئيلي هو الأكثر تطرفاً الآن في عدوانيته الشمولية, فقد تغلغل هذا الحاخام في تركيبة المجتمعات اليهودية المعقدة, وراح يدعو اليهود على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم إلى الحرب الشمولية, للتعبير عن شخصيته المتطرفة المعروفة بعدوانيتها, فلم يفرق بين يهود (الأشكناز) الأوربيين, ولا بين يهود (السفارديم) العرب, ولا بين يهود (الصباريم) المولودين في فلسطين, ولا (الفالاشا) النازحين من أفريقيا, ولا (الكنعانيين) الجدد, الذين يؤلفون اليوم الطبقة العلمانية, ويرى إن إسرائيل في حالة حرب دائمة لابد أن تشارك فيها الطوائف اليهودية كلها ضد المحيط العربي الخارجي, على اعتبار أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تتمكن من تحقيق السلام, لا مع الفلسطينيين, ولا مع الدول العربية المجاورة.

 تتعارض أفكار شموئيل شموئيلي تماما مع أفكار (يهودا ليف), الذي يقول، “كن يهودياً في بيتك, وإنساناً خارج بيتك”, فمثل هذه التوجهات المسالمة لا تروق لشموئيل أبدا, فهو يدعو للتمسك بأفكار (بن غوريون) الذي يقول، “لا يهم ما تقوله الشعوب الأخرى, بل المهم هو ما يفعله اليهود”, ويقول أيضاً، “بالدم والنار سقطت يهودا, وبالدم والنار ستقوم يهودا”, ويدعو الناس للتمسك بأفكار “زائيف جابوتنسكي”, الذي يقول، “السيف والتوراة قد نزلا علينا من السماء”, فالحرب من وجهة نظر الحاخام شموئيل جزء من الماضي ومن الحاضر ومن المستقبل, ويدعو لتحويل إسرائيل إلى ثكنة عسكرية تتحين الفرص للانقضاض على الأقطار العربية المحيطة بها. 

من لا يعرف شموئيلي نقول له، انه رئيس حركة (حماة إسرائيل) اليهودية المتطرفة, ويكرس أنشطته السياسية في المرحلة الراهنة على كيفية تدمير مصر, دولة وحضارة وشعباً.

 لقد بدأ مشروعه السياسي في سبعينيات القرن الماضي, وخصص كتاباته لمحاربة مصر, فأسس موقعاً الكترونياً تحت اسم (تشاباد):

وهو الموقع الذي يعتمد عليه في تأمين التواصل مع الفرق والطوائف اليهودية, لحشدهم في الحرب القادمة ضد مصر باعتبارها من الحروب التي سيباركها الرب (يهوا) إله الحرب, فالرجل يصرح يومياً في الصحف والفضائيات عن دعوته لنسف الشعب المصري كله وإزالته من على وجه الأرض, ولم يتهمه أحد بالإرهاب, ولم يحتج عليه أحد, حتى لا يتهم بمعاداة السامية.

مصر في نظر (شموئيل) هي العدو الأول لأنها التي أخرجتهم أذلة في زمن سيدنا موسى عليه السلام, ويزعم إنها تسيطر الآن على أرضهم (سيناء), التي تاهوا فيها أربعين عاماً, ثم يأتي من بعدها العراق الذي تعرض فيه اليهود للذل والمهانة في السبي البابلي على يد ملكهم نبوخذ نصر.  يرى شموئيل، إن (سيناء) تمثل أكبر المنافذ الخطيرة, التي تهب منها رياح الشر على حد قوله, ويرى انه قد حان الوقت لاستعادتها واستردادها وتحريرها من قبضة العرب تمهيداً لقيام الإمبراطورية الإسرائيلية, التي مهدوا لها عبر مشاريع التفكيك والتمزيق المنفلتة من عقالها في كل أنحاء الوطن العربي, وتجميد الملف الفلسطيني نهائيا عن طريق توجيه ضربات موجعة إلى القوى المعارضة لإسرائيل, والاستفادة من النشوة, التي شعرت بها القيادات الإسرائيلية في ظل الدعم الأمريكي المتجدد, لذا فإن شموئيل شموئيلي وعصابته يتصورون في خضم غطرستهم وعنجهيتهم ان الحل الأمثل يقضي بضرورة التوسع بالقوة عن طريق مواصلة الهجوم على الدول العربية, التي لم تعد تمتلك المؤهلات الحربية الكافية, وبمساندة الدول العربية المنبطحة المؤمنة بسياسة التطبيع والتركيع، والله يستر من الجايات.

حقيقة اليوم.. خطأ الغد

ثمة تعريف طريف لوظيفة المحاماة -مع واجب فرض احترامنا وعظيم تقديرنا لهذه المهنة المقدسة- يرى في (المحامي)أو(الافاكاتو) كما يسمى في اللغة الفرنسية، أو (الاوقاتي) كما كان يسمى عندنا -في بعض الاحيان- وبعد كل ما ورد، يقف هذا التعريف على تصنيف (المحامي) كونه (شخصاً يدافع عن مال موكله ليكون ذلك المال من نصيبه!) اعرف بهذا الوصف ناقصا ومجحفا في الكثير من الأحوال، بحق طبيعة الهدف الأسمى الذي يسعى إليه من يرتدي جلباب الدفاع عن حقوق الناس، مع واجب فرض ضرورة جوانب واقعية-عملية لجوهر ذلك التعريف الذي لا يخلو من الصحة في طبيعة الغرض الذي نسعى إليه -هنا- ونحاول ربطه بما يحصل وما قد يحصل في الأيام القادمة على حلبات حقيقة الصراع الدائر الآن بين جميع القوى السياسية وهي تتراكض بالدفاع عن وجودها ومصالحها، لتحصل عما تبغي ومهما يكلفها ذلك من ثمن مدفوع -حتما- من جيوب استحقاقات شعبنا الذي لم يزل يأن ضيما وقهرا وانتظارا تحت وطأة تلك الصراعات الملحة والمتكررة التي تشبه صنف وصلف ذلك النوع من المحامين -المتحامين بمعنى وآخر- ممن شملهم وصف ذلك التعريف المقصود والمرصود والمحصور بين قوسين في أعلاه. 

    وإن من يتابع مجريات واقع ما يجري ويستجد كل يوم من حقائق صراعات حياتنا السياسية بعد عصف رياح التغيير الذي شملنا به قبل قرابة عشرة أعوام، سيجد أن وسائل الدفاع -عندنا- لم يعد ينحصر بعمل وواجب ومسؤولية جهات دون أخرى بل يتعدى ليصل إلى صاحبة الجلالة الصحافة بعموم وسائلها السائدة والمعروفة، مع باقي وسائل المراقبة من برلمان/هيئات مستقلة/ منظمات مجتمع مدني/نقابات/ واتحادات وغيرها من تلك الوسائل التي تعثر عملها في عراقنا الجديد (جدا) بعد ما كنا نقف في طوابير انتظار الأحلام أن تأتي تباعا كي تزيل عنا هم وغم غبار تلك السنين العجاف التي خلفها الحصار الذي كان يسمى -مرارا وتكرارا-  تارة بالظالم و تارة بالجائر وغير من اوصاف تفننت بها وسائل اعلام النظام السابق والمقبور، لكي تستثير عطف آراء وضمائر العالم الذي ظل يتفرج -بدم بارد جدا- على قوافل شهداء الأطفال والجياع والمرض بسبب نقص الحليب ومصنفات الغذاء والدواء وهي تمر من تحت بوابات منظمات الأمم المتحدة لتظل تدور في أروقتها، وممراتها دون حل أو جواب، كما هو حاصل في موضوع بحثنا الرامي لفضح حقيقة تعامل أعداء اليوم بسبب تراكم أخطاء اتفاقات شركاء الغد وهي تعد -الآن- مصيبة المصائب، بحق الحقيقة والشعب وما كان يرنو ويرجو ويحلم … أخيرا أود التذكير بتعريف خفيف الظل قد يواز رسم صورة ذلك النوع من المحامين،فهو يرسم صورة السياسي على انه ؛(رجل يهز يديك قبل الانتخابات…ويهز ثقتك بعدها) أليس كذلك… يا جماعة الخير.!! 

خوف مزمن !

 في عام 1997، ثمة شاب تقدم نحو مكتبي في مجلة (ألف باء)، وألقى عليّ تحية رقيقة، ثم سألني [جنابك حسن العاني ؟]، قلت له [ أهلاً وسهلاً]، مذّ يده وصافحني بحرارة… كان كل شيء فيه، بدلته الراقية، ربطة عنقه الأنيقة، حذاؤه المستورد… يوحي إنه مسؤول في الحزب أو الدولة، على الرغم من أنه لا يرتدي الزيتوني، ومثل هؤلاء الناس كنتُ أحسب لهم ألف حساب، بسبب خوفي المزمن كما ذكرت ذلك غير مرة، من المصاعد الكهربائية والكلاب والمسؤولين، ولهذا دعوته إلى الجلوس وطلبت له فنجان قهوة.كان الشاب غاية في اللطف، وحدثني عن إعجابه بكتاباتي، وأطرى عليها إطراء استفزّ نرجسيتي وأنعشها، ثم أخبرني إنه كان قبل يومين في زيارة الى (علي حسن المجيد) لأنه صديق شخصي على حد تعبيره، وكان عند المجيد عدد من الوزراء وكبار المسؤولين، وإن أحدهم قال بالحرف الواحد (لسان حسن العاني طويل ويحتاج الى قطع)، وإنه دافع عني واخبرهم [إن العاني على خلق رفيع، ويمثل واحدة من الكفاءات الأعلامية العظيمة في البلد] واستطعتُ كما يقول أن أنقل لهم صورتك الحقيقية المشرقة، حتى إن المسؤول الذي تطاول عليك، وهو بدرجة وزير، اعتذر عن كلامه، وكلفني أن أنقل تحياته الخاصة لك!! في الواقع لا أذكر عدد المرات التي توقفت فيها دورتي الدموية، وكدت أُقبل يده، فقد أنقذ لساني وحياتي، وعبّرتُ له عن عظيم شكري وامتناني، وطلبت له شاياً مهيلاً، إلا أنه بطريقته المهذبة اعتذر مني، واستأذن للمغادرة، كونه مرتبطاً بموعد مهم في مكتب أمانة سر القطر، ومدّ يده، فمددت جسمي كله وصافحته بحرارة، وقبل أن ينصرف، هزّ رأسه ضاحكا ً وقال [كدت أنسى] وناولني مظروفاً أخرجه من جيبه [هذه مقالة أنجزتها البارحة عن رؤية القائد الستراتيجية في ميدان العلاقات الدولية، لعلها تصلح للنشر]،ردّ عليه خوفي [هل من المعقول أن تكون رؤية القائد غير صالحة للنشر؟!]، ابتسم الشاب ابتسامة عريضة وصافحني من جديد وغادر المكان، ورافقته بالطبع الى البوابة الخارجية!! 

أشهد إنني طوال عمري الصحفي، لم أطلع على مقالة مثل تلك المقالة، فهي لا تنتمي الى الصحافة، ولا تصلح إلا لسلة المهملات، ولكن المشكلة إن كاتبها حال دون قطع لساني، وهكذا تصرفت بمنطق ردّ الجميل، وأعدت صياغة المقالة جملة جملة، وتوسطت لنشرها في أحدى الصحف، وتم ّ نشرها فعلاً في مكان متميز، وتكررت زيارات الشاب وأخباره عن الغاضبين مني وكيف استرضاهم وغيّر قناعاتهم وأنا أعيد صياغة مقالاته، وأتوسط لنشرها الى أن سقط النظام! 

في آب من عام 2003، فوجئت بالشاب يزورني في مكتبي (كنت أعمل يومها في جريدة الصباح)، لم يتغير شيء فيه باستثناء شارب تحول من طويل الى حليق ولحية تحولت من حليقة الى كثة طويلة، وبضعة خواتم تزين أصابعه، وبعد أن هنأني بنجاح تورة التاسع من نيسان المجيدة، وكأنني أحد أبطالها، اخبرني إنه كان في زيارة الى مجلس الحكم، وإن أحد الأعضاء هدد بقطع لساني، لأنني أتجاوز في كتاباتي على المجلس وعلى سلطة الاحتلال، لولا إنه نقل عني صورة طيبة و…الخ وسلمني مقالة صحفية قمتُ بإعادة صياغتها وتوسطت لنشرها، وفي زيارته الثانية أخبرني أن (بول بريمر) شخصياً غاضب مني، وينوي قطع لساني، لولا إنه تكلم عني بطريقة جعلت بريمر يترك ملفاته ويتفرغ لقراءة كتاباتي ويصفق لها إعجاباً، وسلمني مقالة جديدة، وتوالت المقالات وهو في كل مرة ينقذني من مسؤول هنا أو هناك يريد قطع لساني!!

ربما يتساءل بعضكم: لماذا تصدق رجلاً كذابا مثل هذا وتخاف من تهديداته؟ وأردُّ عليهم بدوري متسائلاً: وهل عرفنا الخوف وأصابنا الأذى منذ تسعين سنة إلا من الكذابين؟! 

“أربيل كوردستانية مو عراقية”

(أربيل كوردستانية مو عراقية): كانت هذه هي اللافتة التي حملتها الجماهير الكردية الكروية في ملعب (فرانسو حريري) بأربيل في اليوم الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012, وكانت مكتوبة بثلاث لغات, بالانجليزية والكردية والعربية, كتبوها بخط واضح, على لوحات قماشية صفراء, بطول ستة أمتار, وحملوها على رؤوس الأشهاد أثناء المباريات النهائية بكرة القدم بين نادي أربيل ونادي الكويت, بحضور كبار المسؤولين في إقليم كردستان, ومشاركة أعضاء اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية السابقة واللاحقة, التي ضمت (الوطنيين) الجدد, فلم يكترثوا لأمر اللافتات اللاوطنية, التي امتلأت بها مدرجات الملعب بظلالها الصفراء, ولم تهتز مشاعرهم الوطنية لهذا التجاوز على وطن العراقيين كلهم من محطة قطار (ربيعة) إلى محطة قطار (المعقل). 

رب قائل يقول: أنها رسالة إلى الحكومة الحالية للاحتجاج على أمر ما, فنقول له: إن العراق وطننا كلنا وليس وطنا لكتلة سياسية بعينها, ولا وطنا لمحافظة من المحافظات دون غيرها, ولا وطنا لطائفة من الطوائف, أو فرقة من الفرق, فالعراق وطن الكل, ويتعين على الأجزاء أن تتماسك, وتتمسك بارتباطاتها الجذرية العميقة, وتوثق علاقاتها مع بعضها البعض. 

ورب قائل يقول: إن أربيل ومدن إقليم كردستان كلها ستنفصل عن هذا العراق, فنقول له, ما الشيء المعيب بالعراق, الذي كان مهدا لكل السلالات الإنسانية, ومهبطا للرسالات السماوية, ودارا للخلافة والخلفاء, ومنارا للعلوم والفنون والآداب, وأقوم البلدان قبلة وأعذبها دجلة وأقدمها تفصيلا وجملة, فما الذي يعيب العراق الذي اختاره الله جل شأنه من بين أقطار السماوات والأرض, وخصه بالمزايا العظيمة, والخيرات العميمة ؟. 

ورب قائل يقول: إن الناس في كردستان لا ينتمون إلى الشعب العراقي, فنقول له: ما الذي بدر منا حتى يشمئزوا منا, ويعلنوا علينا العصيان والتمرد ؟, وما الذي ارتكبناه حتى ينسلخوا منا في هذه الظروف القلقة, التي صار فيها الانتماء إلى إسرائيل, والى واشنطن هو الانتماء الذي سلكته الأقوام الشاذة, التي افتضح أمرها في الخنوع والخضوع والتبعية, والولاء لقوى الشر ؟.ورب قائل يقول انها دعوة مشروعة لتقرير المصير, فنقول له إن من يريد الانشقاق ينبغي أن يعتمد على نفسه منذ الآن, وأن لا يكون عالة على غيره, ولا يستنزف موارد البصرة القابعة في أقصى الجنوب, وان لا يكون متأرجحا في تطلعاته المستقبلية بين الرغبة في الارتباط والرغبة في الانفصال, ولا متذبذبا بين الالتصاق والتجزئة, ولا مشتتاً بين الالتحام والانقسام, وبين الوئام والانفصام. 

ورب قائل يقول: إن الجماهير الكردية الكروية حملت رسالة إلى الأشقاء الكويتيين تعلن فيها البراءة مما فعله بهم العراق قبل ربع قرن, فنقول له ما أسوأها من رسالة, وما أقبحها من لافتة, وما أسخفها من فكرة لا تعبر بصدق عن بشاعة المأساة, التي كانت فيها الكويت هي المحرض والمحشد والمؤجج والمنتقم والشامت والمتشفي, وكانت هي الطرف الفاعل في تدمير بنيتنا التحتية والفوقية من الشمال إلى الجنوب, وهي التي أخضعتنا تحت مقصلة البند السابع حتى يومنا هذا, من دون أن نقترف إثما, أو نرتكب wذنباً. .

يقول يحيى بن معاذ: ((القلوب كالقدور تغلي بما فيها, وألسنتها مغارفها, فأنظر إلى الرجل حين يتكلم, فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه)), وهذا ما بينته لنا المشاهد الحية بالصوت والصورة. واضح, يظهر فيه رجل من عناصر (الآسايش) وهو يجرد شاباً من العلم العراقي الذي كان يحمله على كتفه, ويمنعه بالقوة من التلويح به. 

لقد منعتنا إيران من التلويح بأعلامنا في ملعب (آزادي) بطهران عام 2011 بعد فوز منتخبنا الكروي على منتخبهم ضمن التصفيات الأولية لأولمبياد لندن. 

وقعت تلك الحادثة في طهران عاصمة إيران, ولم يحتج أحد, لكنها تكررت الآن على أرض عراقية خالصة بموجب بنود مسلة حمورابي وأحكام نبوخذ نصر وشريعة أورنمو ووصايا آشور بانيبال, وإقرار خلفاء الدولة الأموية والعباسية كلهم, وبموجب الشهادة الرسمية لتاريخ وجغرافية ودستور أرض الرافدين, وبموجب مواثيق هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية, وبشهادة كل الأنبياء والرسل المدفونين بين الموصل الحدباء والبصرة الفيحاء, ابتداء من سيدنا (شيت) عليه السلام في جبال نينوى, وانتهاءً بسيدنا (العزير) عليه السلام على  ضفاف الأهوار.   فهل سيأتي اليوم الذي يُمنع فيه رفع العلم العراقي في المحافظات الأخرى ؟, وهل ستُقيد هذه الانتهاكات العلنية المسيئة ضد مجهول بعد مضي شهر عليها ؟, وما هي ردود أفعال أعضاء اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية في التعبير عن وطنيتهم في الرد على الإساءات المتعمدة لعلم العراق ونشيده الوطني ؟, إلا يفترض بهم أن يغادروا ملعب (فرانسو حريري) بعد مشاهدتهم لتلك اللافتات, التي أعلنت عن انسلاخ أربيل من جسد العراق باللغة الانجليزية والعربية والكردية ؟. والله يستر من الجايات.

حقيقة اليوم.. خطأ الغد

ثمة تعريف طريف لوظيفة المحاماة -مع واجب فرض احترامنا وعظيم تقديرنا لهذه المهنة المقدسة- يرى في (المحامي)أو(الافاكاتو) كما يسمى في اللغة الفرنسية، أو (الاوقاتي) كما كان يسمى عندنا -في بعض الاحيان- وبعد كل ما ورد، يقف هذا التعريف على تصنيف (المحامي) كونه (شخصاً يدافع عن مال موكله ليكون ذلك المال من نصيبه!) اعرف بهذا الوصف ناقصا ومجحفا في الكثير من الأحوال، بحق طبيعة الهدف الأسمى الذي يسعى إليه من يرتدي جلباب الدفاع عن حقوق الناس، مع واجب فرض ضرورة جوانب واقعية-عملية لجوهر ذلك التعريف الذي لا يخلو من الصحة في طبيعة الغرض الذي نسعى إليه -هنا- ونحاول ربطه بما يحصل وما قد يحصل في الأيام القادمة على حلبات حقيقة الصراع الدائر الآن بين جميع القوى السياسية وهي تتراكض بالدفاع عن وجودها ومصالحها، لتحصل عما تبغي ومهما يكلفها ذلك من ثمن مدفوع -حتما- من جيوب استحقاقات شعبنا الذي لم يزل يأن ضيما وقهرا وانتظارا تحت وطأة تلك الصراعات الملحة والمتكررة التي تشبه صنف وصلف ذلك النوع من المحامين -المتحامين بمعنى وآخر- ممن شملهم وصف ذلك التعريف المقصود والمرصود والمحصور بين قوسين في أعلاه. 

    وإن من يتابع مجريات واقع ما يجري ويستجد كل يوم من حقائق صراعات حياتنا السياسية بعد عصف رياح التغيير الذي شملنا به قبل قرابة عشرة أعوام، سيجد أن وسائل الدفاع -عندنا- لم يعد ينحصر بعمل وواجب ومسؤولية جهات دون أخرى بل يتعدى ليصل إلى صاحبة الجلالة الصحافة بعموم وسائلها السائدة والمعروفة، مع باقي وسائل المراقبة من برلمان/هيئات مستقلة/ منظمات مجتمع مدني/نقابات/ واتحادات وغيرها من تلك الوسائل التي تعثر عملها في عراقنا الجديد (جدا) بعد ما كنا نقف في طوابير انتظار الأحلام أن تأتي تباعا كي تزيل عنا هم وغم غبار تلك السنين العجاف التي خلفها الحصار الذي كان يسمى -مرارا وتكرارا-  تارة بالظالم و تارة بالجائر وغير من اوصاف تفننت بها وسائل اعلام النظام السابق والمقبور، لكي تستثير عطف آراء وضمائر العالم الذي ظل يتفرج -بدم بارد جدا- على قوافل شهداء الأطفال والجياع والمرض بسبب نقص الحليب ومصنفات الغذاء والدواء وهي تمر من تحت بوابات منظمات الأمم المتحدة لتظل تدور في أروقتها، وممراتها دون حل أو جواب، كما هو حاصل في موضوع بحثنا الرامي لفضح حقيقة تعامل أعداء اليوم بسبب تراكم أخطاء اتفاقات شركاء الغد وهي تعد -الآن- مصيبة المصائب، بحق الحقيقة والشعب وما كان يرنو ويرجو ويحلم … أخيرا أود التذكير بتعريف خفيف الظل قد يواز رسم صورة ذلك النوع من المحامين،فهو يرسم صورة السياسي على انه ؛(رجل يهز يديك قبل الانتخابات…ويهز ثقتك بعدها) أليس كذلك… يا جماعة الخير.!!