وسواس الدول العظمى

لا نأتي بجديد إذا ما قلنا؛ ان جميع النزاعات الأقليمية مرهونة بمصالح وغايات وأهداف ونوايا معينة، منها المبيتة سلفا ومنها الطارئة وفق مقتضيات الظرف والاستجابة الحضارية، وقبل الدخول الى (لب الموضوع) نرى ضرورة ان نعيد ونذّكر بفكرة الاعتراف بأن اللجوء الى استخدام (القوة) يعني فشل السياسات في تلافي الأزمات التي تؤدي الى حروب تتنوع بتنوع الغايات والمرامي والأهداف وإن ما حصل ويحصل في عالم اليوم هو(حرب الجميع ضد الجميع) كما نوهنا في عمود سابق لاعلاقة له بالنظام السابق لا من بعيد ولا من قريب، فقد كان ذلك النظام الذي لم نزل ندفع أثمان وضرائب تعويضات حماقاته بجهود (مباركة) ليومنا هذا(نايم ورجليه بالشمس).

فثمة نزاعات إقليمية وحروب وتلويحات وتهديدات كانت قد أسهمت بوضوح علني-تحديدا بعد أحداث أيلول/ سبتمبر- من أزدياد وأزدهار تجارة (صراع الحضارات) لكي تكتمل دورة حياتها من أجل سواد عيون و(طفحان) خدود و(نعومة) زنود المدام (عولمة) بسعي تطبيقاتها في واقعي مرئي- محسوس وملموس ومدروس حتى أنها باتت ترفع شعارا يقترب من حدود مثلنا الشعبي المأثور؛ (الميعرف تدابيرة حنطته تأكل شعيرة).!

 وبالرغم من كل ما ورد، ثمة مشكلة معقدة تتضح معالمها كلما أزدات الدول العظمى قوة وهيمنة، هي أنها تبقى في حمى وحراك دائمين لإيجاد عدو يوقظ حواسها ولوامسها وتغذي توجساتها بما يجعلها متحفزة، يقظة، متهيئة للوثوب في أية لحظة تستدعي ممارسة قوتها وصلاحية استعمال هيبتها في السيطرة على مصالحها في العالم.

 عدو قادر على أن يحيي أسباب ذلك النزاع ويستل تلك اليقظة حتى ولو كان ذلك العدو مجرد وهم أو شيء معقول وموجود نسبيا بحدود فهم متبادل لنوع العلاقة وعمق حاجة تلك الدول الدائمة للتبرير من أجل ان تستمر في الدفاع عن وجودها تحت طائلة قائمة طويلة عريضة لا تنتهي من إيراد مسوغات وتبريرات تصل لدرجة احساس عال بمرض نفسي يدعى (البرانويا) يتعلق بنواحي زيادة الوسواس والأوهام الى درجات من الهذيان تتراوح ما بين شعور بالاضطهاد والعظمة، ولعل من أعراض تلك العقدة النفسية ان صاحبها يدّعي لنفسه العظمة ويزعم أنه قادر ومتدرب لحل مشكلة العالم، كما يتمثل بطريقة الدفاع والاستجابة والاعلان عن تلك المشاعر التي تصيب مثل هذة الدول، مثلما تصيب الأفراد من السياسيين وعامة الناس ما دامت الأمور والمواضيع تتعلق على شماعة تلك الأوهام وطرق صناعتها أو ترويجها لمن كان مهيئا للإصابة بهذا الوسواس، وليعرف من يريد ان يعرف أكثر،، إن الحضارة مثل الإنسان تولد وتبلغ وتنضج وتمرض وتشيخ وتهرم وتموت.

 وبمناسبة ذكر صناعة الأوهام والترويج لها ولغيرها من مزايا مقام المدام (عولمة) نذكر حين سئل الزعيم (غاندي) مرة عما لفت اهتمامه أو أعجابه في عموم أمريكا، أجاب بذكاء أختصار وحسم:(هووليود)!! 

وقواق آخر .. دعوات الانسلاخ من الميزوبوتاميا من عام 1916 إلى عام 2016 !!

نحمد الله إننا مازلنا نعيش في العراق ولسنا في جزر الوقواق, بيد إن ما يجري الآن خلف الكواليس السياسية, وما يلوح في الأفق من نوايا انفصالية مبيتة, يؤكد بما لا يقبل الشك ولا التأويل ظهور طيور الوقواق المريبة, بنزعاتها الأنانية, وخصالها الإتكالية, ونظراتها المخادعة.

لم يكن اسم هذه الطيور رمزا وهميا مقتبسا من حكايات ألف ليلة وليلة, ولا من عصافير الفيلسوف الهندي (بيدبا) المحلقة في عرين (كليلة ودمنة), ولا هي من طيور سوق الغزل ببغداد, فالوقواق طائر انتهازي لئيم, وهذا هو اسمه الحقيقي, ويسمونه بالانكليزية (كوكو Cuckoo), واسمه العلمي كنورس, لكنه ليس كالنورس, وشتان بينه وبين ذلك الطائر الوديع المحلق في فضاءات البراءة. 

يتميز الوقواق بقدراته العجيبة في التطفل على غيره, وينفرد بالعيش الإتكالي على الطيور المسالمة, لكنه سرعان ما يتنكر لها, وينقض عليها بمخالبه, فيمزقها وينتف ريشها, ويقتل أفراخها في اليوم الأول الذي يتعلم فيه الطيران, ثم يغادر العش إلى غير رجعة من دون أن يغرد بنغمة شكر واحدة يهديها للأم التي تربى في عشها, بل على العكس تماما, فهو أول المسيئين لها فور حصوله على الهوية الوقواقية. 

وللوقواق (الكوكو) صفة أخرى اكتسبها من غبائه المفرط, فمفردة (كوكو Cuckoo) بالانكليزية الدارجة, تعني أبله أو أحمق, وتطلق أيضا على الشخص الثرثار, الذي يكثر من (الوقوقة) والكلام الفارغ, ويكرر العبارات نفسها على نحو رتيب, فيقولون عنه: (يوقوق). .

 ربما لا يعلم القارئ الكريم, إن طائر الوقواق هو العامل الرئيس في شيوع المثل الشعبي الدارج: ((البيت بيت أبونا والقوم طردونا)), والذي نردده دائماً, عندما يزاحمنا أقاربنا في بيتنا, ويشاركوننا في مأكلنا ومشربنا وملبسنا, ويقتطعون حصة كبيرة من مصروفنا اليومي لكي يغطوا بها احتياجاتهم الشرائية, ثم سرعان ما ينقلبوا ضدنا, ويعلنوا الاستيلاء على الطابق العلوي من منزلنا, فينفصلوا عنا, وربما يناصبونا العداء من غير ذنب, وقد يجبروننا على العيش في الطابق السفلي أو في الكراج. 

ينفرد الوقواق بخصال عجيبة, فهو طائر مغتصب, يضع بيضه في أوكار غيره من الطيور الأخرى أثناء غيابها لطلب الرزق, وإذا وجد بيضا لصاحبة العش فإنه يدحرجه, ويدعه يسقط ليتكسر على الأرض, فتعود صاحبة العش إلى وكرها لترقد على البيضة الجديدة من دون أن تنتبه إلى التغيرات التي طرأت على العش, فترقد عليها حتى تفقس, وأول عمل يقوم به فرخ الوقواق فور خروجه من البيضة هو إخراج البيض المتبقي من العش, لكي يستحوذ وحده على ما تجلبه الأم من طعام, وتواصل الأم إطعامه حتى يكتمل نموه ويشتد عوده, فإذا كبر وصار قادرا على الطيران أعلن التمرد عليها.  

 هذا هو طائر الوقواق, وهذه هي أكبر رذائله, فلا فرق بينه وبين النماذج التي تعيش الآن على ارض العراق, وتتنعم بخيراته, وتحصد من المكاسب ما لم تحصده ربيبة البيت الأبيض عندما كانت تحت رعاية أمريكا قبل أن تتأمرك عليها. 

هناك ثماثل عجيب بين سلوك الوقواق وسلوك النماذج, التي تفكر الآن بالانسلاخ من جسد العراق, وتخطط للانفصال عنه إن عاجلا أو آجلا, وربما تمادى بعضها كثيرا في سلوكه الوقواقي القائم على استنزاف ثروات العراق لبناء نواة دولته الانفصالية المرتقبة.  

وبموازاة هذا العقوق الوقواقي, تتصاعد نبرة الأصوات السياسية الداعية إلى التكبر على العراق وأهله, من دون أن تشعر بتأنيب الضمير, والانكى من ذلك أنها آمنت بالمنطق الوقواقي, ومفاده إن الأغلبية العراقية الصامتة تستحق الافتراس, فما أقبح الوقوقة عندما تصبح سلوكاً محليا شاذا مدعوما من بعض الكيانات الدولية المجاورة للعراق, 

قولوا لنا بربكم, كيف نتدبر أمر الوقواق الرابض في عشنا إذا كانت دعوات الانفصال تتصاعد حدتها شيئا فشيئا في أروقة الكيانات الدولية المعادية للعراق؟. وكيف نتخلص من شرور الوقاويق والوطاويط الصغيرة التي زرعها الوقواق الأمريكي الأكبر في قلب العراق؟. 

 قبل مئة عام بالتمام والكمال كانت بريطانية هي -الوقواقة العظمى-, التي لا تغيب عنها الشمس بشهادة المهاتما غاندي, وكانت هي التي مهدت الطريق لإجراء عملية استئصال الكويت من خاصرة العراق ابتداء من عام 1916 على يد الجراح الانكليزي (سايكس) , ثم دارت الأهلة دورتها, فهبت علينا عواصف الصحراء, واجتاحت حفر الباطن, وظهر المارد البنتاغوني الشرير من غواصته النووية, وقرر تعويض الكويت من وريدنا السابع, والسماح لها بالتمدد صوب جبل (سنام), وصوب خور عبد الله, وها نحن اليوم نسمع بظهور (وقاويق) جديدة تعيش من خيرات العراق, وتتغذى من رحيقه, لكن غريزتها الوقواقية تجاوزت مظهرها العقلاني, فراحت تطلق دعوات الانفصال, وحددت عام 2016 موعدا تقريبيا لإجراء عملية الاستئصال على يد مجموعة من أبرع الاختصاصيين في جراحة التقسيم والتجزئة . 

 لا ندري كيف قادها تفكيرها الأعمى إلى مغادرة هذا الفردوس, الذي تعيشه الآن في كنف العراق؟. وكيف ترفض هذا النعيم والرخاء والازدهار والدلال لترمي بنفسها في التهلكة, وهل توجد قومية في الكون كله تتمتع بهذه المزايا والعطايا, وتتحكم بهذه الموارد العظيمة وتفكر في الوقت نفسه بالتخلي عنها, لتعلن انفصالها عن العراق؟. 

لكنني أرجع وأقول: إنها طبيعة الوقاويق, وما تمليه عليها غرائزها الغريبة, التي حرضتها على السير في المسار الذي سلكته الوقاويق الخليجية عندما سبقتها في إعلان الانفصال عن العراق والتمرد عليه, فالطيور على أشكالها تقع. ولا فرق بين وقواق وآخر إلا بمقدار المساحة التي سيقتطعها من أرض الرافدين، والله يستر من الجايات..

أنت عراقي:

حينما تحس انك وحدك تفهم ما يدور، ووحدك تقف متصدياً ومتحدياً وساخراً وزاخراً بالخسارات, ومستَلَبا من إنسانيتك. فأنت عراقي…

الشاعرة ريم قيس كبّة

وسواس الدول العظمى

لا نأتي بجديد إذا ما قلنا؛ ان جميع النزاعات الأقليمية مرهونة بمصالح وغايات وأهداف ونوايا معينة، منها المبيتة سلفا ومنها الطارئة وفق مقتضيات الظرف والاستجابة الحضارية، وقبل الدخول الى (لب الموضوع) نرى ضرورة ان نعيد ونذّكر بفكرة الاعتراف بأن اللجوء الى استخدام (القوة) يعني فشل السياسات في تلافي الأزمات التي تؤدي الى حروب تتنوع بتنوع الغايات والمرامي والأهداف وإن ما حصل ويحصل في عالم اليوم هو(حرب الجميع ضد الجميع) كما نوهنا في عمود سابق لاعلاقة له بالنظام السابق لا من بعيد ولا من قريب، فقد كان ذلك النظام الذي لم نزل ندفع أثمان وضرائب تعويضات حماقاته بجهود (مباركة) ليومنا هذا(نايم ورجليه بالشمس).

فثمة نزاعات إقليمية وحروب وتلويحات وتهديدات كانت قد أسهمت بوضوح علني-تحديدا بعد أحداث أيلول/ سبتمبر- من أزدياد وأزدهار تجارة (صراع الحضارات) لكي تكتمل دورة حياتها من أجل سواد عيون و(طفحان) خدود و(نعومة) زنود المدام (عولمة) بسعي تطبيقاتها في واقعي مرئي- محسوس وملموس ومدروس حتى أنها باتت ترفع شعارا يقترب من حدود مثلنا الشعبي المأثور؛ (الميعرف تدابيرة حنطته تأكل شعيرة).!

 وبالرغم من كل ما ورد، ثمة مشكلة معقدة تتضح معالمها كلما أزدات الدول العظمى قوة وهيمنة، هي أنها تبقى في حمى وحراك دائمين لإيجاد عدو يوقظ حواسها ولوامسها وتغذي توجساتها بما يجعلها متحفزة، يقظة، متهيئة للوثوب في أية لحظة تستدعي ممارسة قوتها وصلاحية استعمال هيبتها في السيطرة على مصالحها في العالم.

 عدو قادر على أن يحيي أسباب ذلك النزاع ويستل تلك اليقظة حتى ولو كان ذلك العدو مجرد وهم أو شيء معقول وموجود نسبيا بحدود فهم متبادل لنوع العلاقة وعمق حاجة تلك الدول الدائمة للتبرير من أجل ان تستمر في الدفاع عن وجودها تحت طائلة قائمة طويلة عريضة لا تنتهي من إيراد مسوغات وتبريرات تصل لدرجة احساس عال بمرض نفسي يدعى (البرانويا) يتعلق بنواحي زيادة الوسواس والأوهام الى درجات من الهذيان تتراوح ما بين شعور بالاضطهاد والعظمة، ولعل من أعراض تلك العقدة النفسية ان صاحبها يدّعي لنفسه العظمة ويزعم أنه قادر ومتدرب لحل مشكلة العالم، كما يتمثل بطريقة الدفاع والاستجابة والاعلان عن تلك المشاعر التي تصيب مثل هذة الدول، مثلما تصيب الأفراد من السياسيين وعامة الناس ما دامت الأمور والمواضيع تتعلق على شماعة تلك الأوهام وطرق صناعتها أو ترويجها لمن كان مهيئا للإصابة بهذا الوسواس، وليعرف من يريد ان يعرف أكثر،، إن الحضارة مثل الإنسان تولد وتبلغ وتنضج وتمرض وتشيخ وتهرم وتموت.

 وبمناسبة ذكر صناعة الأوهام والترويج لها ولغيرها من مزايا مقام المدام (عولمة) نذكر حين سئل الزعيم (غاندي) مرة عما لفت اهتمامه أو أعجابه في عموم أمريكا، أجاب بذكاء أختصار وحسم:(هووليود)!! 

وقواق آخر .. دعوات الانسلاخ من الميزوبوتاميا من عام 1916 إلى عام 2016 !!

نحمد الله إننا مازلنا نعيش في العراق ولسنا في جزر الوقواق, بيد إن ما يجري الآن خلف الكواليس السياسية, وما يلوح في الأفق من نوايا انفصالية مبيتة, يؤكد بما لا يقبل الشك ولا التأويل ظهور طيور الوقواق المريبة, بنزعاتها الأنانية, وخصالها الإتكالية, ونظراتها المخادعة.

لم يكن اسم هذه الطيور رمزا وهميا مقتبسا من حكايات ألف ليلة وليلة, ولا من عصافير الفيلسوف الهندي (بيدبا) المحلقة في عرين (كليلة ودمنة), ولا هي من طيور سوق الغزل ببغداد, فالوقواق طائر انتهازي لئيم, وهذا هو اسمه الحقيقي, ويسمونه بالانكليزية (كوكو Cuckoo), واسمه العلمي كنورس, لكنه ليس كالنورس, وشتان بينه وبين ذلك الطائر الوديع المحلق في فضاءات البراءة. 

يتميز الوقواق بقدراته العجيبة في التطفل على غيره, وينفرد بالعيش الإتكالي على الطيور المسالمة, لكنه سرعان ما يتنكر لها, وينقض عليها بمخالبه, فيمزقها وينتف ريشها, ويقتل أفراخها في اليوم الأول الذي يتعلم فيه الطيران, ثم يغادر العش إلى غير رجعة من دون أن يغرد بنغمة شكر واحدة يهديها للأم التي تربى في عشها, بل على العكس تماما, فهو أول المسيئين لها فور حصوله على الهوية الوقواقية. 

وللوقواق (الكوكو) صفة أخرى اكتسبها من غبائه المفرط, فمفردة (كوكو Cuckoo) بالانكليزية الدارجة, تعني أبله أو أحمق, وتطلق أيضا على الشخص الثرثار, الذي يكثر من (الوقوقة) والكلام الفارغ, ويكرر العبارات نفسها على نحو رتيب, فيقولون عنه: (يوقوق). .

 ربما لا يعلم القارئ الكريم, إن طائر الوقواق هو العامل الرئيس في شيوع المثل الشعبي الدارج: ((البيت بيت أبونا والقوم طردونا)), والذي نردده دائماً, عندما يزاحمنا أقاربنا في بيتنا, ويشاركوننا في مأكلنا ومشربنا وملبسنا, ويقتطعون حصة كبيرة من مصروفنا اليومي لكي يغطوا بها احتياجاتهم الشرائية, ثم سرعان ما ينقلبوا ضدنا, ويعلنوا الاستيلاء على الطابق العلوي من منزلنا, فينفصلوا عنا, وربما يناصبونا العداء من غير ذنب, وقد يجبروننا على العيش في الطابق السفلي أو في الكراج. 

ينفرد الوقواق بخصال عجيبة, فهو طائر مغتصب, يضع بيضه في أوكار غيره من الطيور الأخرى أثناء غيابها لطلب الرزق, وإذا وجد بيضا لصاحبة العش فإنه يدحرجه, ويدعه يسقط ليتكسر على الأرض, فتعود صاحبة العش إلى وكرها لترقد على البيضة الجديدة من دون أن تنتبه إلى التغيرات التي طرأت على العش, فترقد عليها حتى تفقس, وأول عمل يقوم به فرخ الوقواق فور خروجه من البيضة هو إخراج البيض المتبقي من العش, لكي يستحوذ وحده على ما تجلبه الأم من طعام, وتواصل الأم إطعامه حتى يكتمل نموه ويشتد عوده, فإذا كبر وصار قادرا على الطيران أعلن التمرد عليها.  

 هذا هو طائر الوقواق, وهذه هي أكبر رذائله, فلا فرق بينه وبين النماذج التي تعيش الآن على ارض العراق, وتتنعم بخيراته, وتحصد من المكاسب ما لم تحصده ربيبة البيت الأبيض عندما كانت تحت رعاية أمريكا قبل أن تتأمرك عليها. 

هناك ثماثل عجيب بين سلوك الوقواق وسلوك النماذج, التي تفكر الآن بالانسلاخ من جسد العراق, وتخطط للانفصال عنه إن عاجلا أو آجلا, وربما تمادى بعضها كثيرا في سلوكه الوقواقي القائم على استنزاف ثروات العراق لبناء نواة دولته الانفصالية المرتقبة.  

وبموازاة هذا العقوق الوقواقي, تتصاعد نبرة الأصوات السياسية الداعية إلى التكبر على العراق وأهله, من دون أن تشعر بتأنيب الضمير, والانكى من ذلك أنها آمنت بالمنطق الوقواقي, ومفاده إن الأغلبية العراقية الصامتة تستحق الافتراس, فما أقبح الوقوقة عندما تصبح سلوكاً محليا شاذا مدعوما من بعض الكيانات الدولية المجاورة للعراق, 

قولوا لنا بربكم, كيف نتدبر أمر الوقواق الرابض في عشنا إذا كانت دعوات الانفصال تتصاعد حدتها شيئا فشيئا في أروقة الكيانات الدولية المعادية للعراق؟. وكيف نتخلص من شرور الوقاويق والوطاويط الصغيرة التي زرعها الوقواق الأمريكي الأكبر في قلب العراق؟. 

 قبل مئة عام بالتمام والكمال كانت بريطانية هي -الوقواقة العظمى-, التي لا تغيب عنها الشمس بشهادة المهاتما غاندي, وكانت هي التي مهدت الطريق لإجراء عملية استئصال الكويت من خاصرة العراق ابتداء من عام 1916 على يد الجراح الانكليزي (سايكس) , ثم دارت الأهلة دورتها, فهبت علينا عواصف الصحراء, واجتاحت حفر الباطن, وظهر المارد البنتاغوني الشرير من غواصته النووية, وقرر تعويض الكويت من وريدنا السابع, والسماح لها بالتمدد صوب جبل (سنام), وصوب خور عبد الله, وها نحن اليوم نسمع بظهور (وقاويق) جديدة تعيش من خيرات العراق, وتتغذى من رحيقه, لكن غريزتها الوقواقية تجاوزت مظهرها العقلاني, فراحت تطلق دعوات الانفصال, وحددت عام 2016 موعدا تقريبيا لإجراء عملية الاستئصال على يد مجموعة من أبرع الاختصاصيين في جراحة التقسيم والتجزئة . 

 لا ندري كيف قادها تفكيرها الأعمى إلى مغادرة هذا الفردوس, الذي تعيشه الآن في كنف العراق؟. وكيف ترفض هذا النعيم والرخاء والازدهار والدلال لترمي بنفسها في التهلكة, وهل توجد قومية في الكون كله تتمتع بهذه المزايا والعطايا, وتتحكم بهذه الموارد العظيمة وتفكر في الوقت نفسه بالتخلي عنها, لتعلن انفصالها عن العراق؟. 

لكنني أرجع وأقول: إنها طبيعة الوقاويق, وما تمليه عليها غرائزها الغريبة, التي حرضتها على السير في المسار الذي سلكته الوقاويق الخليجية عندما سبقتها في إعلان الانفصال عن العراق والتمرد عليه, فالطيور على أشكالها تقع. ولا فرق بين وقواق وآخر إلا بمقدار المساحة التي سيقتطعها من أرض الرافدين، والله يستر من الجايات..

أنت عراقي:

حينما تحس انك وحدك تفهم ما يدور، ووحدك تقف متصدياً ومتحدياً وساخراً وزاخراً بالخسارات, ومستَلَبا من إنسانيتك. فأنت عراقي…

الشاعرة ريم قيس كبّة

سوريا.. يمنية أم ليبية ؟!

إنها مفارقة بحق، دول الخليج العربي تسحب سفرائها من دمشق وتطرد سفراء سوريا من أراضيها، في حين أن الولايات المتحدة ودول أوربا تستدعي سفرائها من دمشق، دون أن تلجأ إلى طرد سفراء سوريا من أراضيها.

أنا لا أدافع هنا عن نظام ما أو موقف ما، الدفاع الأخلاقي دائماً يصبّ في مصلحة الشعوب وتطلعاتها، لكن من المهم جداً أن يجد المتابع مقاربات بين المعاقَب والمعاقِب. الهدف المعلن لموقف دول الخليج هو وقف إراقة الدماء في سوريا، وموقف الولايات المتحدة والغرب مرتبط، كالعادة، بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وموقف الحكومة السورية مرتبط بالأمن الوطني والسيادة وهيبة الدولة.

شعارات هنا وشعارات هناك، لكنها مكتوبة بدم المواطن السوري، مثلما كتبت من قبل بدم المواطن الليبي، والمقاربات تفضح النوايا، فالمواطن السوري قد يكون بلا حرية، وبلا خيارات سورية، قد يكون جائعاً، وقد يكون مضطهداً، لكنه مواطن، وفي الدول المعاقبة، دول الخليج، قد يكون محروماً من كل ذلك، لكنه، وهذا الأهم، ليس مواطناً، إنه البدون في الكويت، والوافد في قطر والبحرين والسعودية، والأدهى من ذلك، أن المرأة في هذه البلدان ليست مواطناً وليست وافداً أو بدون، إنها كائن بلا حقوق، ولولا التنظيم الاجتماعي لحجبت عنها الجنسية أصلاً.  

الأمر مدعاة للخجل، بالأحرى، مدعاة إلى الحزن. الحزن على الفشل الذي تعيشه بلدان المنطقة، وتهافتها على إسقاط بعضها البعض، مع علمها إنها جميعاً ساقطة لا محالة، والمسألة ليست سوى دور تمليه ظروف لا علاقة لها بالأنظمة، قدر علاقتها بالظرف الإقليمي، والتوافقات الدولية حول توزيع أماكن النفوذ. 

في اليمن كانت ثمة خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث تمكّنت المبادرة الخليجية المدعومة دوليّاً من حقن دماء اليمنيين، ولو بحدود دنيا، كما أنها حافظت على وحدة اليمن، إذ خفتت إلى حد كبير، الأصوات المطالبة بانفصال الجنوب، لكن هذه الخطوة ارتدَّت إلى الخلف حين تعلق الأمر بسوريا، إنها تصفية حسابات بين الأنظمة، دون حساب للشعوب، بمعنى آخر، ركنت ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان على رفوف الدبلوماسية، وارتفعت لعلعة الرصاص السياسي من أجل هدف واحد، إسقاط النظام، لكن ماذا بعد ذلك؟.

على الشعب السوري أن يتماهى مع الضحايا الأبرياء. فعرب الخليج أنهوا مهمتهم بنجاح، 

وعلى الشعب أن يختار شكل خراب البلد، وفق التأجيج الطائفي؟ أم المناطقي؟ أم تناحر أحزاب بدأت تتناسل في تركيا وقطر وأمريكا، استعداداً للانقضاض على كعكة السلطة،

إنها الأوهام التعويضية التي تسيطر على جميع المعارضات العربية في الخارج، هي بدلاً عن ضائع هو سنوات (النضال) في المقاهي. وإذا كانت ليبيا بتجانسها الديني والمذهبي والاجتماعي تحتاج إلى سنوات كي تنتج نظاماً سياسياً مستقراً، فإن سوريا بتنوعها الديني والمذهبي والاجتماعي ستحتاج إلى عقود من أجل إنتاج نظام سياسي مستقر، هذا إذا افترضنا أن البعض يقود الأزمة السورية قسراً نحو السيناريو الليبي، أليس اللهاث خلف تدويل الأزمة هو الصفحة الأولى من ذات السيناريو؟.

التغيير في سوريا مقبل، وهو ضرورة تمليها تطلعات الشعب السوري، لكنه يجب أن يسير وفق السيناريو اليمني حفاظاً على دماء الشعب السوري الذي لا يحتمل تنوع نسيجه الاجتماعي أن يرفع أحد أعضاء برلمانه الآذان وسط جلسة ساخنة، كما حصل في أول جلسة للبرلمان المصري..

الأشجار الاصطناعية.. هدر مالي جديد

يأخذ مسلسل هدر المال العام في العراق مديات غريبة وانماطا عجيبة, اصبح الحديث عنها مملا لعدم اكتراث الجهات المعنية بمثل هذه المسائل.

والاشجار الاصطناعية التي فاجأت المواطنين في بعض الجزرات الوسطية في مدن العراق هي ظاهرة محيرة لايمكن ايجاد تفسير منطقي لها، فهل هي حقا للزينة، وهل هي منافسة للأشجار الطبيعية المتوفرة بكثرة والحمد لله، وهل هي ارخص كلفة من الاشجار الطبيعية، وهل اصبحت الطاقة الكهربائية عندنا متوفرة  وفائضة عن حاجة المواطنين حتى نسخر قسما منها لاضاءة كتل جامدة من الاشجار الاصطناعية، ثم هل وصلت بلديات محافظاتنا العتيدة الى درجة من الاكتفاء وتغطية حاجات المواطنين بالمزيد من الترفيه المخطط والزينة المدروسة, بحيث انها رفعت اكداس القمامة من الشوارع والساحات العامة، فضلا عن الازقة ومداخل الحارات التي مازالت تبدو للناظر وكأنها تنتمي لمدن مهجورة، وهل قامت بلديات المدن بزراعة المساحات الخضر التي مازالت متربة  واكتشفت انها بحاجة الى خطوة سريعة للتزيين فسارعت الى شراء الاشجار الاصطناعية من الخارج وباسعار لايعلمها إلا الذين هم وراء هذه الخطوة المريبة والعمل المحير؟ 

هل يعلم الذين استقدموا هذه الاشجار الاصطناعية انهم اضافوا لمجمعات السكراب كمية تراكم ثقيل من الكتل غير المفيدة بعد فترة وجيزة مما سيشوه الشوارع والساحات المشوهة اصلا بسبب الاعمال الارتجالية في الجزرات الوسطية في شوارعنا وطرقنا التي تصل بين بعض المحافظات.  وهل يعلم من كانوا وراء هذه الفكرة المشوهة انهم ارادوا منافسة نخيلنا المثمرة المطعمة في المحل على تعبير العرافة العربية الاولى ” طريفة الخير” وهي قائدة الهجرة العربية الأولى في تاريخ العرب من اليمن والتي قالت لقومها في استدلال على العراق مايلي:

من اراد خضرة الافاق

وكثرة الارزاق

والثياب الرقاق

والخيل العتاق

 والدم المراق

فعليه بالعراق 

ويبدو ان اصحاب فكرة الاشجار الاصطناعية يريدون استبدال خضرة العراق بصدأ الحديد, الذي يذكرنا باستيراد الحاويات المعدنية التي اصبحت بسرعة متهالكة منزوية في منعطفات الشوارع لتشكل عبئا جديدا على البيئة العراقية المثقلة بالقمامة والنفايات والمخلفات الضارة من كل شيء. 

ويقال انه تم استيراد ” ربع مليون حاوية ” -والعهدة على الراوي- والتي اصبحت ركاما من المخلفات التي تشوه مناظر الشوارع والمنعطفات في المدن العراقية, بينما راح اصحاب المشروع المشبوه يشيدون قصورا وعمارات من جراء تلك الصفقات حيث لم يجدوا من يسألهم ومن يحاسبهم, فالعراق على المثل القديم الذي تركته لنا انظمة السلطة الزمنية البائدة:” العراق بستان قريش”.  

ويقول المقربون من مراكز القرار التي استقدمت الاشجار الاصطناعية: ان كلفة الواحدة منها ” مليون دينار”، ولا ندري مع النصب أم بدون النصب، وكم تكلف اعمال الادامة والصيانة والتشغيل.

 كلها اسئلة تقبع في غياهب المجهول، ويبقى العراق واعماره حكاية على شكل رطانة غير مفهومة بين السائل والمسؤول، وتفريخا للفساد المتكاثر بالعناوين وبشراك الوسائل الملتوية التي اصبحت محطة لتخريج حديثي النعمة من سراق المال العام الذين اصبحوا يمثلون مافيا قاتلة متوحشة تتربص بمايلي:

1- باستباحة العقود 

2- وتوظيف كواتم المال 

3- والانتشار في مساحات الاستثمار 

4- ومعرفة مايجري خلف الكواليس 

5- ونزيلا دائما في فنادق ومطاعم الدرجة الاولى, حيث يخلو لها مكان الانفراد بصيد العقود, وكشوفات وتنادر المقاولات والمشاريع التي ترسو على من يريدون, بعيدا عن منافسة الاخرين من الشرفاء الذين عرفوا اللعبة فكفوا عن المنافسة لاعجزا وعدم مقدرة, ولكن يأسا من شراهة القابعين خلف المكاتب التي تعمل بالخناس الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس, وهذه المرة من شياطين الناس فقط من الذين فاقوا بالاعيبهم وتحايلهم وأمراض نفوسهم شياطين الجن، في مشروع الاشجار الاصطناعية المضحك المبكي, نحن امام مسرحية بائسة لنهب المال العام للأسباب التالية:

1- لفجاجتها وابتذالها وسخريتها 

2- لسكوت الجهات الرقابية عنها 

3- لوجود الداعمين في مواقع القرار 

4- للمحاصصة التي اصبحت تشويها ليست للسياسة فقط وانما للاخلاق والاجتماع, والدين والدولة. 

ثم ان بقاء انفلات مثل هذه المشاريع يعني مايلي:

1- بقاء الفقراء على فقرهم

2- بقاء رواتب الموظفين على تدنيها

3- بقاء الايتام والارامل بدون عناية

4- بقاء العاطلين عن العمل على بطالتهم

5- بقاء شوارع وطرق العراق على تهالكها

6- بقاء مرضى العراق على ضياعهم وحيرتهم

ومظاهر متناقضة من هذا المستوى, وفوارق حادة بهذه الدرجة واعمال لا مسؤولة بهذه المواصفات, هي من يصنع الحيف, وللحيف غائلة في النفوس لايمكن معرفة طقوسها, إلا عندما تقع الواقعة, وعندها لاينفع الندم, حيث يتعطل دور العلم والحلم, وتحل الفتنة التي لاترحم احدا. لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا كل هذا السكوت والخالق حي لا يموت؟! 

أستاذ التاريخ!

السيد (……) مدرس مادة التاريخ في ثانوية (….) ، إنسان عصامي ملتزم،  ومخلص في عمله، لايفوت دقيقة من الدرس، ولايميز بين طلابه ولا يقبل هدية أو رشا، ويرفض اية (واسطة) لتغيير درجة الرسوب الى النجاح ولو كان (الوسيط) اخا او صديقا او وزيرا، كما لايغير درجة النجاح الى الرسوب حتى لو كان بينه وبين الطالب ثأر او عداء، انه رجل (حقّاني) وعادل كميزان الذهب. 

غير إن مشكلة هذا المدرس الأخلاقي النموذجي، تكمن في طبيعة عقله الجامدة، فهو لايمتلك أدنى مرونة في تطبيق الأنظمة والقوانين المدرسية، ولا يأخذ بنظر الاعتبار هذا الظرف الاستثنائي أو ذاك مما يقتضي شيئا من التسامح أو التساهل ، فكل شيء عنده كما يقولون، أسود أو أبيض ولاتوجد منطقة وسطى!! 

في العام الدراسي1958 / 1959، اي بعد ثورة 14 تموز مباشرة، قام المشرف التربوي الاختصاص بزيارة تقليدية للثانوية، وكان عبر جولات اشرافية سابقة قد كون انطباعا جيدا عن الدرس، لما لمسه فيه من إلمام جيد بالمادة، وطريقة تدريس ناجحة تشرك الطلاب في الاسئلة والحوار والنقاش، زيادة على جدية واضحة في ادائه المهني، وهكذا دخل المشرف (كان يسمى المفتش) الى الصف.. وتم استقباله بالأسلوب التربوي المتعارف عليه.. وبعد أن حيا الطلاب واستاذهم، وقف قريبا من الباب وراح يتابع المحاضرة، وكانت مادة الدرس تبحث أو تتناول حضارة العراق القديم، ولاحظ المشرف إن المدرس حيثما وردت في كلامه عبارة (مملكة بابل) يغيرها الى (جمهورية بابل)، وحيثما ورد أسم حمواربي ملك بابل يغيره الى (حمورابي رئيس جمهوري بابل) وان الطلاب في اثناء الاسئلة والاجوبة كانوا يفعلون الشيء نفسه، وبخلاف هذه الملاحظة كان كل شيء على أفضل وجه، ولم يشأ المشرف تصويب هذه الخطأ وإحراج الاستاذ أمام طلابه! 

في غرفة الادارة وأمام المدير والمعاون وبحضور مدرس التاريخ ، اثنى الرجل ثناء كبيرا على التزام المدرس بالخطة اليومية، وطريقة تدريسه، وعلى المستوى الطيب للطلاب، ولكنه طلب منه برجاء مهذب ان يصوب عبارة (جمهورية بابل) الى (مملكة بابل) و (حمورابي رئيس الجمهوري) الى (الملك حمورابي) ، وان ينقل هذا التصويب الى طلابه لكي لايلازمهم هذا الخطأ، لان انظمة الحكم في العراق القديم سواء كانت ملكية أم امبراطورية، وكذلك رؤساءها، سواء كانوا ملوكا أم اباطرة، ولاعلاقة لها بما يحدث في العصر الحديث، فالتاريخ القديم ابن مرحلته، وهو قائم بفسه، ولاسلطة لنا عليه حتى إذا انتهى من ملاحظته التوجيهية العابرة، رد عليه المدرس معترضا (أستاذ .. لقد تلقينا كتابا رسميا من الوزارة يلزمنا بتغيير عبارة المملكة العراقية اينما وردت في المنهج المقرر الى الجمهورية العراقية، وكذلك تغيير عبارة ملك العراق الى رئيس جمهورية العراق، وإذا كنت تدعوني الى عدم الالتزام بتعليمات الوزارة (فأرجو أن تتحمل المسؤولية وحدك) وعجب المشرف مما يسمع وقال له: (أنا اتحمل المسؤولية وحدي).. وظن إن الأمر قد حٌسم وبات واضحا، إلا ان المدرس عاد ليقول:( إذا كان الأمر كذلك.. ارجو ان تكتب ورقة رسمية تحت عنوان تعهد خطي لكي ابرئ، ذمتي من المسؤولية!) ولملم المشرف أوراقه وغادر الثانوية على عجل خشية أن يعاوده إلتهاب القولون!!

فقاعة قطرية تائهة

لا فرق بين قطر الآن وبين تلك الخنفساء المغرورة, التي مرت بطابور طويل من الخيول المصطفّة بباب بيطار يركِّب الحدوات لحوافرها, فمدت الخنفساء ساقها مع قوائم الخيول الأصيلة, فسحقتها الحوافر القوية, وداستها الخيول بأرجلها, وانتهى مصير الخنفساء في بالوعة الإسطبل القديم. 

كانت المشادة الكلامية المتشنجة, التي تفجرت في قاعة مجلس الأمن, قبل بضعة أيام, بين رئيس وزراء خارجية قطر ووزير خارجيتها (حمد بن جاسم), وبين مندوب روسيا (فيتالي تشوركين), كانت هي (العلقة) السياسية الساخنة, التي أعادت إلى الأذهان المواقف الطريفة لرئيس وزراء الاتحاد السوفيتي (نيكيتا خروشوف), وفردة حذائه الشهيرة, التي سنأتي على ذكرها لاحقا بعد استعراض آخر أخبار الغرور القطري, الذي بلغ ذروته في التعالي على الأقطار العربية, ثم تجاوز حدوده الإقليمية ليمد قوائمه الهزيلة بين مخالب الدب الروسي الأحمر, فتلقى صفعة مدوية تناقلتها وكالات الأنباء, وسجلتها المحافل الدولية في سجلات المواقف السياسية النادرة.  

 المثير للعجب أن (حمد بن جاسم) هو الذي بادر بالهجوم على العملاق (تشوركين), وهو الذي نفش ريشه العنابي بوجه الوفد الروسي, فتطاول عليهم وهددهم بقوله: (أحذركم من اتخاذ أي فيتو بخصوص الأزمة السورية, ويتعين عليكم إعلان الموافقة على قرار مجلس الأمن, وبخلاف ذلك ستخسرون الأقطار العربية كلها). 

فزجره (تشوركين) بأعصاب باردة, ببرودة سيبريا, وقال له: (إذا عدت لتتكلم معي بهذه النبرة مرة أخرى, لن يكون هناك شيء اسمه قطر بعد اليوم), ثم خاطبه بلهجة توبيخية حازمة, قائلا: (أنت هنا ضيف على مجلس الأمن, فاحترم نفسك, وعد إلى حجمك, فأنا أساساً لا أتحدث مع أمثالك من الصغار, لأني أمثل روسيا العظمى, وأتحدث باسمها مع أقراني من الكبار  فقط). 

 من كان يتصور أن قطر, هذه الجزيرة المراهقة, الناتئة من رحم الخليج, ستنتفخ وتتمدد, وتطير في فضاءات الوهم السياسي, لتتمرد على بغداد ودمشق والرياض والقاهرة, وتحط فوق قباب قصر الكرملين؟؟. 

لقد تقمص (تشوركين) شخصية جده (خروشوف), لكنه لم يكن مضطرا لتكرار ما فعله جده في ستينات القرن الماضي, عندما خلع فردة حذائه في مقر الجمعية العمومية للأمم المتحدة, ليضعه على المنصة بجوار خطابه الفولاذي الموجه ضد الولايات المتحدة الامريكية في عقر دارها.  

سأل الصحفيون (خروشوف) وقتذاك عن السبب, فقال لهم: (أنها رسالة صامتة. . وقد وصلت الرسالة. ولا مكان للأغبياء)), فاكتفى (تشوركين) بتوجيه وخزة واحدة للفقاعة القطرية بدبوس صغير احتفظ به في قبعته (الشابكا) لهذه المناسبات الطارئة. 

 أغلب الظن أن الفقاعات القطرية المنتفخة بغاز البيوتان لن تحلق بعيدا بعد الآن, وستعود قريبا إلى حجمها الطبيعي بعد أن تتلقى المزيد من الوخزات والصفعات والركلات, وربما تنكمش وتسقط قريبا بالضربة القاضية, خصوصا بعد أن فقدت القدرة على تقدير أبعادها الحقيقية, فالخير كله فيمن عرف قدر نفسه, وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدر نفسه, أما الذي لا يعرف قدرها, فسيطير لفترة وجيزة مع الزرازير التي طار طائرها فتوهمت إنها صارت شواهينا, ثم يسقط على منخريه في الإسطبلات, التي ضاعت فيها تلك الخنفساء المغرورة. ورحم الله عبد العزيز بن سرايا الطائي (صفي الدين الحلي) على رائعته التي انشد فيها ذلك البيت في الخطوط الأمامية لمعركة الزوراء. 

ختاما نقول: إذا أراد الله أن يهلك بعوضة أعطاها القرون الطويلة والأنياب الحادة

أمنية

ما أروع قطر عندما تطبق الإصلاحات على نفسها بدلا من انتحالها صفة المصلح المنافق, وما أروعها عندما يكون فيها مجلس برلماني منتخب على غرار مجالس الأمة الخليجية, وما أروعها عندما تكون متحررة من عقدة العبودية, وتتخلص من قيود القواعد الجوية الأمريكية, التي توسعت فوق أرضها حتى لم تعد تضاهيها قاعدة في عموم كوكب الأرض. 

لا خير بمن لا يختار العراق

قبل التصدي بالرد على تصريحات (أدهم بارزاني), وقبل استعراض تحامله المتواصل على العراق العظيم, لابد لنا من التثبت من الوكالات التي نشرت تصريحاته, ومنها على سبيل الإشارة والتنويه وكالة (شفق نيوز) في رابطتها الالكترونية التالية:-

http://www.shafaaq.com/sh2/news/kurdistan-news/37163-2012-02-05-08-08-23.html

 والتي قال فيها: (لم أعترف بعراقية كردستان), وقال أيضا: ((عندما أديت يمين العضوية في برلمان إقليم كردستان عام (2005), لم استطع أن أتلفظ كلمة (العراق) بعد اسم كردستان, وأن سبعة من النواب قاموا من بعدي بالشيء نفسه, ولم يلفظوا اسم (العراق) بعد كردستان)).

وكتب على صفحته الخاصة في (الفيسبوك): ((لم أتخيل نفسي عراقيا في يوم من الأيام, ولم اعترف بأن إقليم كردستان جزء من العراق)), وقال في مناسبات عدة: ((أنا لست عراقياً, ولا اعترف بعراقية كردستان)). 

ونقول له ولأمثاله: أن العراق لا يتشرف بمن يعلن الانسلاخ عنه, ولا تشرفه انتماءات المتذبذبين, فلا خير في من يتنكر للعراق وتربته, ولا خير بمن لا يكون بارّاً للعراق وأهله, فالذي لا ينتمي إلى العراق لا جذور له في باطن الأرض, ولا ينتمي إلى مهد الحضارات الإنسانية, ولا يحق له العيش بين الرافدين. 

أنت يا (أدهم) لست أول من تنكر للعراق, فقد سبقتك طوابير متلونة من الزواحف, انضم إليها كل الأقزام الذين فقدوا مشاعر الحس الوطني الصادق, لكنك كنت أكثرهم جرأة, وأصلفهم جسارة, عندما أعلنت عن أفكارك المشوهة, وعبّرت عن تطلعاتك الضيقة, فتطاولت على هذه الأرض المقدسة بعبارات سمجة تسيء إلى هيبة العراق وعظمته, فما أقبح ما قلت, وما أشنع ما قمت به, عندما اخترت العقوق لسيد الأوطان, بكل ما تحمله لفظة (العقوق) من ملامح الضياع والخسران, فالذي لا ينتمي للعراق لا ينتمي لكردستان, ولا ينتمي إلى القمم التي حملت سفينة سيدنا نوح عليه السلام, ولا ينتمي إلى الصحابي الكردي الجليل (جابان أبو ميمون), ولم يقرأ ما كتبه المؤرخ الكردي الكبير (بهاء الدين أبو المحاسن أبن شداد), ولا ينتمي إلى العلامة الكردي الشهير (ابن خلكان), ولا علاقة له بالناصر صلاح الدين, ولا يؤمن بالدستور الذي سمح للكرد بقيادة الدولة العراقية في الألفية الثالثة, ومنحهم صفة المشاركة الحقيقية الكاملة في العملية السياسية. 

  

أتراك يا (أدهم) جنحت إلى التطرف العرقي, وآمنت كما آمن غيرك بأفكار التقسيم والتجزئة الدخيلة علينا؟, تلك الأفكار المسمومة, التي لم يسمع بها الشعب العراقي من قبل, ولم يقتنع بها أي إنسان أصيل ينتمي إلى أديم الميزوبوتاميا, أم أنك ركبت موجة العقوق والجفاء, وتنكرت لتاريخك وهويتك, غير مدرك بأن من لا تاريخ له, ولا هوية له, لا يمكن أن يكون له مستقبل ؟, أم أنك تنكرت للعراق عن قناعة فطرية موروثة, ورغبة منك في تحقيق أحلام الانفصال في هذه الهلوسة الشيزوفرينية السياسية ؟؟. 

اعلم يا (أدهم) إن الكفر بنعمة العراق خيانة لكل القيم والمبادئ الشريفة التي تربينا على احترامها, وعملنا على صيانتها. 

قدرنا كعراقيين أن نعيش إخوة وأشقاء متحابين, متوحدين, يشد أزر بعضنا البعض, ويتعين علينا أن نعلو فوق انتماءاتنا المذهبية والعرقية والسياسية, فالعراق هو العرق الأصيل الذي يتغذى منه الإيمان المطلق بهذه الأرض المقدسة. وترتوي منه شجرة الأصالة المورقة بالمحبة, فتضمنا كلنا تحت أغصانها الوارفة الظلال. ولن يضيرنا نعيق غربان التقسيم والتشرذم, ودعاة التخريب والتأزم.   

يتعين علينا أن نلغي من قاموسنا كل مفردات التناحر, وان لا ننساق وراء المؤامرات الخبيثة الداعية إلى طمس الهوية العراقية, وان لا نسمح بتفكيك بدن العراق الموحد, وأن لا نتخندق في أقبية التطرف المذهبي, وان لا ننجر إلى الهاوية. 

  

ما الذي تريده منا يا (أدهم) ؟, هل تريد أن نبيع العراق بثمن بخس, وننسلخ من جسده الطاهر, لنرتمي في أحضان الضياع في هذا التيه السياسي البغيض؟. أم انك تريد النقر على طبول ديناصورات التقسيم والانفصال؟, الذين سيلعنهم التاريخ مثلما لعن أبي ريغال وزمرته والى يوم يبعثون, ولن ينالوا غير الخيبة والخذلان, وسيبقى العراق شامخا ساميا موحدا مصانا حتى قيام الساعة, ولا خير بمن لا يختار العراق, أقوم البلدان قبلة, وأعذبها دجلة, وأقومها تفصيلا وجملة. 

يا سيدي يا عراق الأرض. . يا وطناً

تبقى بمرآهُ عينُ الله تكتحلُ

لم تُشرق الشمس إلا من مشارقه

ولم تغِب عنه إلا وهي تبتهلُ

يا أجمل الأرض. . يا من في شواطئه

تغفو وتستيقظ الآبادُ والأزلُ

يا حافظا لمسار الأرض دورته

وآمراً كفة الميزان تعتدلُ

مذ كورت شعشعت فيها مسلّته

ودار دولابه, والأحرْفُ الرسلُ

حملن للكون مسرى أبجديّته

وعنه كل الذين استكبروا نقلوا

يا سيدي. . أنت من يلوون شِعفته ؟

ويخسئون, فلا والله لم يصلوا

سوريا.. يمنية أم ليبية ؟!

إنها مفارقة بحق، دول الخليج العربي تسحب سفرائها من دمشق وتطرد سفراء سوريا من أراضيها، في حين أن الولايات المتحدة ودول أوربا تستدعي سفرائها من دمشق، دون أن تلجأ إلى طرد سفراء سوريا من أراضيها.

أنا لا أدافع هنا عن نظام ما أو موقف ما، الدفاع الأخلاقي دائماً يصبّ في مصلحة الشعوب وتطلعاتها، لكن من المهم جداً أن يجد المتابع مقاربات بين المعاقَب والمعاقِب. الهدف المعلن لموقف دول الخليج هو وقف إراقة الدماء في سوريا، وموقف الولايات المتحدة والغرب مرتبط، كالعادة، بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وموقف الحكومة السورية مرتبط بالأمن الوطني والسيادة وهيبة الدولة.

شعارات هنا وشعارات هناك، لكنها مكتوبة بدم المواطن السوري، مثلما كتبت من قبل بدم المواطن الليبي، والمقاربات تفضح النوايا، فالمواطن السوري قد يكون بلا حرية، وبلا خيارات سورية، قد يكون جائعاً، وقد يكون مضطهداً، لكنه مواطن، وفي الدول المعاقبة، دول الخليج، قد يكون محروماً من كل ذلك، لكنه، وهذا الأهم، ليس مواطناً، إنه البدون في الكويت، والوافد في قطر والبحرين والسعودية، والأدهى من ذلك، أن المرأة في هذه البلدان ليست مواطناً وليست وافداً أو بدون، إنها كائن بلا حقوق، ولولا التنظيم الاجتماعي لحجبت عنها الجنسية أصلاً.  

الأمر مدعاة للخجل، بالأحرى، مدعاة إلى الحزن. الحزن على الفشل الذي تعيشه بلدان المنطقة، وتهافتها على إسقاط بعضها البعض، مع علمها إنها جميعاً ساقطة لا محالة، والمسألة ليست سوى دور تمليه ظروف لا علاقة لها بالأنظمة، قدر علاقتها بالظرف الإقليمي، والتوافقات الدولية حول توزيع أماكن النفوذ. 

في اليمن كانت ثمة خطوة في الاتجاه الصحيح، حيث تمكّنت المبادرة الخليجية المدعومة دوليّاً من حقن دماء اليمنيين، ولو بحدود دنيا، كما أنها حافظت على وحدة اليمن، إذ خفتت إلى حد كبير، الأصوات المطالبة بانفصال الجنوب، لكن هذه الخطوة ارتدَّت إلى الخلف حين تعلق الأمر بسوريا، إنها تصفية حسابات بين الأنظمة، دون حساب للشعوب، بمعنى آخر، ركنت ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان على رفوف الدبلوماسية، وارتفعت لعلعة الرصاص السياسي من أجل هدف واحد، إسقاط النظام، لكن ماذا بعد ذلك؟.

على الشعب السوري أن يتماهى مع الضحايا الأبرياء. فعرب الخليج أنهوا مهمتهم بنجاح، 

وعلى الشعب أن يختار شكل خراب البلد، وفق التأجيج الطائفي؟ أم المناطقي؟ أم تناحر أحزاب بدأت تتناسل في تركيا وقطر وأمريكا، استعداداً للانقضاض على كعكة السلطة،

إنها الأوهام التعويضية التي تسيطر على جميع المعارضات العربية في الخارج، هي بدلاً عن ضائع هو سنوات (النضال) في المقاهي. وإذا كانت ليبيا بتجانسها الديني والمذهبي والاجتماعي تحتاج إلى سنوات كي تنتج نظاماً سياسياً مستقراً، فإن سوريا بتنوعها الديني والمذهبي والاجتماعي ستحتاج إلى عقود من أجل إنتاج نظام سياسي مستقر، هذا إذا افترضنا أن البعض يقود الأزمة السورية قسراً نحو السيناريو الليبي، أليس اللهاث خلف تدويل الأزمة هو الصفحة الأولى من ذات السيناريو؟.

التغيير في سوريا مقبل، وهو ضرورة تمليها تطلعات الشعب السوري، لكنه يجب أن يسير وفق السيناريو اليمني حفاظاً على دماء الشعب السوري الذي لا يحتمل تنوع نسيجه الاجتماعي أن يرفع أحد أعضاء برلمانه الآذان وسط جلسة ساخنة، كما حصل في أول جلسة للبرلمان المصري..