مستر فاضل!!

تحت إلحاح الأهل تزوجت عام 1968 وأنا ابن (23) سنة، وكنت معلما حديث الخدمة، راتبي اقل من 40 دينارا، أصرفه على أسرتي وأدفع أجور الدراسة الجامعية، وكنت عبر ضغط النفقات أصل بالراتب الى منتصف الشهر، وأعتمد في النصف الثاني على القروض الخارجية!

البحث عن عمل مؤقت في العطلة الصيفية، هو الحل الوحيد أمامي، وبعد جهد جهيد، توسط لي أحد الأصدقاء عند قريب له يدعى السيد فاضل السامرائي، يعمل مقاولا مع شركة بلغارية، تقوم بمد أنابيب المجاري، لكي يوافق على تشغيلي عاملا أدفع عربة الأسمنت… وفي الموعد المحدد ذهبت الى موقع العمل، وكان أول من صادفته هناك، مهندس بلغاري بشعره الأصفر وبشرته البيضاء، وشعرت بالارتباك، فأنا لا أعرف ما هي اللغة التي يتحدث بها البلغاريون، فكيف سأسأله؟ وفكرت أن اخاطبة بالانجليزية، على الرغم من إنني لا أتقنها، وهكذا رتبت على عجل جملة مفادها (رجاء… أين أجد السيد فاضل السامرائي) ، يعلم الله وحده كم تضمنت من أخطاء، نظر الرجل اليّ بانزعاج وقال، (خوية.. مستر فاضل هناك) وأشار بأصبعه الى المكان وهو يدردم (احنة العربي ما مدبري… النوبة علينا الأفندي يرطن  بالانكليزي!)، وبعد التحاقي بالعمل، اكتشفت أن المهندس البلغاري هو عامل عراقي من مدينة الثورة… وقد ضحكنا كثيرا !!

التقيت السيد فاضل، ورحب بي ترحيبا كريما، وسألني أن كنت أجيد اللغة الأنجليزية، فأعربت له عن أسفي… هز الرجل رأسه حزنا وقال لي هناك عمل يناسبك جدا، وبأجور جيدة، ولكن ما الفائدة، أنا مضطر الى تشغيلك مثل العمال الآخرين مع الأسف) وكرر عبارة (مع الأسف) مرات عدة، وأشهد أن الرجل عاملني معاملة استثنائية، بحيث كانت عربة الأسمنت الوحيدة التي توضع فيها كمية قليلة هي عربتي!!

على أية حال، الخيرون كثيرون، ولكن الأمر المهم حقا، هو انني بعد قيام قوات التحالف بتحريرنا تعلمت اللغة الأنجليزية، قراءة وكتابة ونطقا وتخاطبا وترجمة، وذلك بحكم الاختلاط الواسع معهم في شوارعنا ومقار عملنا وبيوتنا وأحلامنا، حتى أصبحنا نتفاهم بالمفردات والمصطلحات الأنجليزية، فاذا طلبت من زوجتي مثلا ان تهيء لي  (ثريد البامية) على الغداء أجابتني (ok) ، ومع الأيام، ونتيجة تعاملي المستمر مع هذه اللغة، بدأت شيئا فشيئا أنسى اللغة العربية!!

الحقيقة دفعتني ظروفي المادية الصعبة في العام الماضي خاصة بعد أن ضحكت علينا الحكومة في مسألة تعديل رواتب المتقاعدين وزيادتها ـ الى مراجعة العديد من الدوائر، وعلى وجه الخصوص، الفضائيات العراقية، بحثا عن فرصة عمل، وفي كل مرة يسألني موظف الاستعلامات (حجي… هل تجيد العربية؟) فأعتذر له لأنني نسيتها، ولكنني أبادر وأخبره متباهيا، انني ضليع بالأنجليزية، إلا انه يضرب كفا بكف ويعرب عن أسفه، لأنهم يحتاجون الى من يتقن العربية، ويظل يكرر عبارة.. مع الأسف.. مع الأسف..مع الأسف!!

آخر الديناصورات الغــادرة

اختار عمر المختار الشهادة بمخالب الديناصور السفاح (غراسياني)، فقاتل الغزاة بكبرياء الأبطال، ودافع عن دينه وعرضه ووطنه ببسالة وشهامة، 

حتى جاء اليوم الذي وقف فيه في قاعة المحكمة مرفوع الرأس، ثابت الجنان، وعبثا حاول القاضي أن يثني عزيمته، ويغريه بالعفو العام، مقابل أن يكتب بخط يده بضعة كلمات يلتمس فيها العطف والرحمة من الجلاد الايطالي، ويبدي فيها فروض الولاء والطاعة، ويتأسف له ويذعن لإرادته، 

فرد عليه الأسد الشيخ بهذه العبارة الخالدة: 

((أن السبابة التي تشهد في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لا يمكن أن تكتب كلمة باطل))

كان عمر المختار رحمه الله أنموذجا رائعا من نماذج العز والشرف والإباء والتضحية والإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، في حين انقلبت الصورة هذه الأيام، وظهر علينا مراهق تسلق سدة الحكم في غلطة من غلطات التاريخ. غدر بأبيه الأمير العجوز، سلب منه الحكم والصولجان، طرده خارج البلاد شر طردة، استولى على عرشه، صادر حقوقه كلها في انقلاب تلفازي على قناة الأكشن السياسي، ثم طمس ذكره في الدنيا قبل الآخرة، واختار الوقوف مع الغزاة في حروبهم التوسعية المفتعلة ضد العواصم العربية كلها من دون استثناء. . 

فكان الله في عون الأمة التي يتآمر عليها هذا الديناصور الغادر الذي ما انفك يتحين الفرص لتدمير أشقائه العرب من حكام الأقطار المجاورة له، فالذي يغدر بابيه يسهل عليه الغدر بأخيه ؟؟، والأنكى من ذلك انه كتب اسمه بالحروف العبرانية التوراتية على بوابة أحدث  المستوطنات الصهيونية، وتبرع وحده بدفع تكاليف المستوطنة، التي تعد من أجمل المستوطنات وأكبرها في عموم الأرض العربية المحتلة، ومن لا يصدق هذا الكلام يراجع الروابط التالية ليرى بنفسه مشاهد الافتتاح والحفل المقام لهذه الغاية ؟؟. .

من كان يصدق أن يأتي علينا زمان يتخاذل فيه حاكم عربي إلى هذا الحد، فيبني في بلاده أكبر القواعد الجوية الحربية للبنتاغون، ويمنحهم من الامتيازات والمزايا والعطايا ما لم يمنحه لأي بلد عربي، حتى صارت مدرجات تلك القواعد الجوية هي الأطول في جميع مطارات الشرق الأوسط، فزاد طولها على 4500 متر، وارتفعت حظائرها فوق الأرض كقمم الجبال، وباتت تضم آلاف المقاتلات والقاصفات، التي انطلقت من هذا المكان بالذات لتدك حصون بغداد والمدن العراقية الأخرى؟، فلا خير في الزمان الذي يتآمر فيه علينا متذبذب، اختار التمسح بأذيال حكام تل أبيب، وصار رفيقهم النجيب، وصديقهم الحبيب القريب، أحاط نفسه بفريق منتخب من وعّاظ السلاطين، ومعهم جوقة من المضللين ؟، يتباهى دائما بمؤسساته الإعلامية التحريضية، التي لعبت دورا كارثيا في إذكاء نيران الفتنة الطائفية بين المسلمين، وتمادت في الإساءة إلى شعوب المنطقة وحكامها ومنظماتها، فتبا لمن يتآمر علينا. ألا تبا له ولأسياده وحاشيته. .

تميز بكراهيته للعرب، انفرد بصلافته، حرص كل الحرص على صداقته المتينة مع تل أبيب، تعاطف مع شباب اليهود، شملهم برعايته، سمح لهم بالالتحاق في جامعات عاصمته، كان سخيا معهم إلى الحد الذي تبرع فيه بتسديد نفقات دراستهم وإقامتهم وتنقلاتهم من جيبه. .

لا شك إنكم تعرفونه جيدا، وربما تعرفون عنه الكثير من الأسرار والألغاز، لكن المثير للقلق والباعث على الخيبة انه صار هو الذي يقود حملات تمزيق الشعوب العربية، وهو الذي يتحين الفرص لضرب سوريا، وتقسيم ليبيا، وتهميش السعودية، و(تفليش) اليمن، وهو المحرض الرئيس في هذه الفوضى العارمة، التي تفجرت في البلدان العربية وحدها من دون غيرها من أقطار السماوات والأرض، وهو الذي يعد العدة لتفجير أكبر الحروب الكارثية في حوض الخليج العربي بين إيران والكيانات العربية الآمنة المطمئنة، وسيقحم العرب في حروب بركانية تحرق الأخضر واليابس. .

نحن يا جماعة الخير نعيش أبشع فصول المأساة، فالذي يحدث أمامنا اليوم لا يصدقه العقل، خصوصا بعد أن صار هذا الحاكم، هو الذي يضع النظريات الثورية، وهو الذي يطلق المواعظ السياسية، وهو الذي يشرح للقادة العرب أصول الحكم الديمقراطي، وهو الذي يرعى الانتفاضات العربية من مراكش إلى سد مأرب. .  

والله يستر من الجايات. . .

شباب الاشارات الضوئية

 اغلب حكومات العالم المتقدم تسعى الى تأهيل شبابها – علميا وعمليا – لأنهم بناة الوطن الحقيقيون؛ ومن يعول عليه تاريخ بلادهم في اعلاء اسمه؛ ومن هنا نسمع ونرى ونقرأ ونشاهد المشاريع العملاقة لكيفية إدراج هذا الجيل ضمن الخطط القومية؛ ورصد الميزانيات الكبيرة لاعداده البدني والفكري والنفسي؛ ولذلك لاعجب ان وصلت تلك البلدان الى التصنيف الاول حين يأتي التسلسل الانساني.

على صعيد آخر؛ وبعيدا عن الاعداد العلمي والبدني؛ نسمع ونرى ونقرأ ونشاهد البرامج التي تتناول الشباب وهواياتهم ورياضاتهم واشتراكهم في المسابقات الفنية؛ وبرامج الرحلات؛ للتعرف على ثقافات وعادات شعوب العالم؛ لان ذلك – في المحصلة النهائية – زيادة في مدارك الشاب؛ وسعة في ثقافته الشخصية التي من المؤكد انه سيحتاجها عند تسلمه وظيفة ما.

اعتقد ان هذا الكلام لا يختلف عليه اثنان؛ لانه من صلب الواقع؛ خصوصا وان العالم قد اصبح قرية صغيرة بفضل الفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ كما تردد ذلك جميع الصحف.

لكن (وآه من لكن) لكن الموجع ان البلدان المتخلفة؛ وللأسف يأتي في مقدمتها (العراق العظيم) تحاول ان تذل – اول ما تذل – هذه الشريحة المملوءة بالحياة والطموح؛ وتسعى جاهدة الى تهميشها واقصائها عن دورها الحياتي والوطني!!

وإلا كيف يفسر لنا المسؤولون عنا – امام الله – ازدحام معظم تقاطعات الطرق؛ وأرصفة الاشارات الضوئية؛ بشباب لا أجمل منهم ولا أكثر صحة وعافية؛ وهم يتأبطون الصحف؛ وعلب المحارم الورقية؛ وقطع القماش؛ او يضعون على رؤوسهم (صواني السميط) بحثا عن لقمة حلال؛ يكافحون من اجل انتزاعها من براثن الحر والبرد والاهانات والمذلة والخجل؛ ومما يدمي القلب ان اغلبهم من اصحاب الشهادات!!

في تصريح لوزير العمل والشؤون الاجتماعية (ان مشكلة البطالة في العراق هي بطالة هيكلية وهذا النوع من البطالة هو من أخطر انواعها في العالم لأنها تعني عدم قدرة القطاعات الاقتصادية على خلق وظائف او فرص عمل للعاطلين)؟؟

وبحسبة بسيطة لنفوس العراق؛ يمكن لنا ان نحدد الشيوخ والمتقاعدين والطلاب وربات البيوت والنساء كبيرات العمر؛ فكم يبقى من نسبة؛ لتعلن وزارة السيد نصار الربيعي ان نسبة البطالة في العراق هي 16 بالمئة؛ اي ما يعني ان غالبية الشباب العراقيين هم من رواد الـ(ترافك لايت) ومستقبلهم الزاهي سيزهو مع (عربات الدفع) في الشورجة؛ ولا عزاء للشهادات.

ألف عافية.. لا والله؛ بل 60 ألف عافية لاعضاء البرلمان العراقي؛ وهم يرصدون لسياراتهم المصفحة 60 مليار دينار ولتذهب للجحيم (قدرة القطاعات الاقتصادية على خلق وظائف او فرص عمل للعاطلين)!!

لا حرمة للبيوت

الثلاثاء، 31/1/2012 وضحى معتم، ابتدأ بطرق مشؤوم على الباب.. طرق عنيف ومتواصل ومربك.. وتفتيش.. تفتيش، افتحوا الباب تفتيش.. ويا الله سلمنا.. ويندفع الجنود الى داخل الدار.. والحاجة وابنها مشدوهان.. ولم يتعلما من المداهمات السابقة، ولم يألفا انتشار الغرباء في أركان البيت.. وتوزع الجنود الى غرف الدار.. يكشفون خصوصياتها.. ويرون أسرارها، وإنهم أحرار فيها إلا من ضمائرهم وأخلاقهم، يأخذون ما يأخذون ويتركون ما يتركون، والإعلام يذكر ان الأجهزة الأمنية مخترقة من المحتالين وأرباب السوابق والمجرمين والنشالين.. وعسى الله ألا يكون بين هذا الحشد الذي ملأ البيت من هؤلاء.

ان الإنسان، أي إنسان، لا يحب ان يكون مرئيا رغما عنه، وبلا إرادته، فتلك أعلى درجات الاهانة والانتهاك..  والإنسان في مثل هذا الموقف، موقف التفتيش، تفتيش بيته، وإلغاء خصوصيته، ووضعه موضع الاتهام، إخضاعه ذليلا لا للملابسات والأخطاء المحتملة، بل لمزاج ونزوات العسكري، يدرك وبوعي حاد انه بلا إنسانية، وبلا أي حق من حقوق المواطنة، وانه ممحو، وإذا صادف وداس عليه العسكري وعلق بحذائه فانه قد يحتجز وينسى في الحجز وقد يموت قهرا وكمدا وان ظهرت براءته، وان المواطن إزاء اندفاع الجنود وانتشارهم في غرف وزوايا بيته يعرف وبيقين انه متهم، وانه جاء الى الدنيا ليكون في قبضة هؤلاء العسكريين، ورهن مشيئتهم، ولا من احد يشهد على غير ذلك، فقد اقتحموا الدار بلا أمر قضائي، وإنهم أن أذابوا أهله بالتيزاب، وأحالوه قاعا صفصفا وزعموا بعدم وجود دار اصلا وقرروا تشييد قصر على أرضه فان أحدا لا يجرؤ ويقول غير هذا، ولا إشارة رسمية لواقعة التفتيش، اذ لا وجود لأمر قضائي.

هذا يحدث بعد تسع سنوات من الديمقراطية ومن إصابة كائنات الارض والسماء بالصمم جراء الصراخ والضجيج بحقوق الانسان التي فاز بها العراقي كما لو لم يفز بها كائن آخر في الدنيا، حتى ثمل بها الساسة وقرروا ان يتصدقوا على مخلوقات الله بشآبيب منها، وان يتمادوا في البر والكرم ويقدموا الدروس لمن يتطلع لإنقاذ شعبه ويتمنى له ان يكون عملاقا وسيدا بإنسانيته لوحدها، فما الذي سيكونه إذا أضاف ما يقدمه الدين لإنسانيته؟؟

واحدة من مشاكل الانسان انه يحصن نفسه دائما باعذار ومسوغات لكل حماقاته وعدوانياته وشروره ونزواته، ولا يوجد بين المحكومين بالإعدام، قديما وحديثا من لا يجد سببا وعذرا ووجها من البراءة، واذا وجد هذا الكائن الذي يعترف بمرضه وأوهامه وانقطاعه عن الواقع، فيعني انه قد استيقظ، ولكن بعد فوات الأوان، ولذا قال الأخلاقيون بان من يعترف بذنبه كمن لا ذنب عليه، وهذا ما يصعب العثور عليه في دنيا السياسة، ولان ضحايا السياسي بحجم منصبه، ولأنه رشف كأسا تناوله من يد الشيطان مع سبق الإصرار ان يسكر ويفقد الوعي، ولا يرى ان البيوت ما زالت بلا حرمة. 

سيارات مدرعة وقصور محصنة .. ترى متى تشعرون بأوجاعنا ؟؟؟

لا علاقة للبورجوازية الأوربية وأدوارها القديمة بطبقات البورجوازية العراقية الناشئة, التي ظهرت في السنوات الأخيرة داخل التشكيلات العليا وخارجها, ويتعين على علماء الاصطلاح (التيرمنولوجي Terminology) البحث عن مصطلح بديل يشير إلى مفهوم محدد, يتلاءم مع طبيعة هذه الطبقات المنتفخة المتعالية, التي جمعت بين ملامح الإقطاع القديم وملامح الأمراء والقياصرة الممزوجة بالنزعات الرأسمالية. 

إنها برجوازية هجينة اختارت العزلة والانعزال عن عامة الناس بمحض إرادتها, فتقوقعت على نفسها, وفضلت العيش في الأبراج العالية, وتميزت بنسجها لعلاقات معقدة ومتشابكة مع مختلف أجهزة السلطة, وأحيانا نراها تميل إلى العوالم الداخلية للسلطة, إما عن طريق الارتماء في أحضان الأحزاب لولوج قبة البرلمان, أو عن طريق الإبحار بقوارب الجهازين (الأمني والعسكري), حتى أصبحت البورجوازية الجديدة من الدولة والى الدولة, بيد ان الخبر الذي ينبغي أن يضاف إلى المبتدأ هو كلمة (شرهة), فالشراهة من أقوى خصالها, فهي شرهة في امتلاك أجمل المساكن, وشرهة في تناول أشهى الأطعمة, وارتداء أحلى الملابس, والسفر إلى أغنى المنتجعات, واقتناء أثمن الحلي والمجوهرات, وركوب أفخم العربات, ولا يطيب لها السير في شوارع مدننا إلا في مواكب مهيبة تحف بها الحمايات الراجلة والمجوقلة والمهرولة. لقد وضعت البرجوازية الأوربية ثقلها كله في ثلاثية (الاقتصاد والسياسة والثقافة), فلعبت في هذا الحيز ولم تبرحه, إما البرجوازية العراقية الجديدة فقد اختارت العزف على إيقاعات ثلاثية متداخلة, مقتبسة من العصور الحجرية, فلعبت في الملاعب المغلقة على أوتار (الطائفية, والفساد, والبطر). .

تحولت قصورهم إلى ثكنات عسكرية, محصنة بكتل كونكريتية عملاقة, فبسطوا نفوذهم على الأرصفة والأزقة الخدمية, وأغلقوا مداخل الطرق المؤدية إلى قصورهم في المدن والأحياء السكنية, ووزعوا نقاط التفتيش المعززة بالحراسات المسلحة على الجهات الأربعة, ثم تمادوا في استعراض قوتهم الضاربة, فنشروا الأسلاك الشائكة, والعوارض الأنبوبية, والمعرقلات البلاستيكية, والمطبات الحجرية, ونصبوا مجموعة من الأبراج والكاميرات المخصصة للرصد والمراقبة حول مقراتهم. 

 ثم تفجرت شرايين شراهتهم في كل الاتجاهات فحصلوا على الامتيازات المالية السخية, ووضعوا الجوازات الدبلوماسية في جيب, وسندات تمليك الأراضي في جيب آخر, والتحقت بهم مجاميع جديدة من ذوي الرؤوس الحليقة, وأصحاب النظارات المعتمة, والعضلات المفتولة, والوجوه المقنعة.

ثم جاءت منحة الوقاية والحماية والرعاية, وبات من المؤمل حصول كل مسؤول منهم على عربة مدرعة, رباعية الدفع, متعددة النفع, من طراز 2012, بمواصفات دفاعية كاملة, تقيهم من شرور الكمائن, والعبوات اللاصقة, والأحزمة الناسفة والقذائف الموجهة, ويحميهم من عياران القنص. تحميهم من عيون الحساد والمزعجين. . 

 سيارات مدرعة وقصور محصنة لحماية نخبة من الشعب, انتخبها أفراد الشعب, فعزلت نفسها عنهم, وحصنت نفسها من الألغام والمتفجرات, وتركتهم يواجهون الموت بصدور عارية وبطون خاوية. . 

سيارات مدرعة وقصور محصنة لوقاية فئة قليلة من أصحاب الجاه والوجاهة والسعادة والسمو, الذين عزت عليهم أنفسهم فاسترخصوا دماء الناس, ووصل بهم البطر إلى المستوى الذي جعلهم يفكرون في حماية أنفسهم وأولادهم, من دون أن يلتفتوا إلى مصير شعب بكامله ينتظره الموت في السوق والمقهى والمسجد, ويطارده حتى في المقبرة. 

فمتى يتعلم هؤلاء من سيد الشهداء الذي استرخص دمه في مواجهة الظلم والطغيان, فسكن الخلد, وأضحى مشعلا يقتدي به كل مجاهد, فمن أراد أن يستعصم فليستعصم بالله, ويتمسك بشريعته, ويجاهد نفسه, ومن كان يريد العزة فلله العزة جميعاً, ومن لا يخشى المواجهة لا يعزل نفسه عن الناس. 

ألا يفترض بالمسؤول أن يكون أول المضحين في سبيل شعبه وأبناء جلدته, وأن يتقدمهم بخطوات ثابتة لا تعرف الخوف ولا التردد ؟, أليس هذا غاية الجود ؟, أليس الجود بالنفس أقصى غاية الجود ؟, ألا يعلم هؤلاء إن المسؤول الأناني هو الذي لا يبالي بمشاعر الآخرين, ولا يقيم لهم وزناً, ولا يرى أحداً غيره يستحق العيش.

اللهم أعطنا القوة لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء. 

حكمة مفخخة

الأمان فكرة خرافية لا يمكن أن توفرها السيارات المدرعة ولا القصور المحصنة, وإن الاختباء خلف الحواجز المصفحة لتجنب الخطر ليست خطوة سديدة على المدى الطويل, فالحياة السياسية إما مغامرة تخوضها بشجاعة, أو لا شيء. 

شباب الاشارات الضوئية

 اغلب حكومات العالم المتقدم تسعى الى تأهيل شبابها – علميا وعمليا – لأنهم بناة الوطن الحقيقيون؛ ومن يعول عليه تاريخ بلادهم في اعلاء اسمه؛ ومن هنا نسمع ونرى ونقرأ ونشاهد المشاريع العملاقة لكيفية إدراج هذا الجيل ضمن الخطط القومية؛ ورصد الميزانيات الكبيرة لاعداده البدني والفكري والنفسي؛ ولذلك لاعجب ان وصلت تلك البلدان الى التصنيف الاول حين يأتي التسلسل الانساني.

على صعيد آخر؛ وبعيدا عن الاعداد العلمي والبدني؛ نسمع ونرى ونقرأ ونشاهد البرامج التي تتناول الشباب وهواياتهم ورياضاتهم واشتراكهم في المسابقات الفنية؛ وبرامج الرحلات؛ للتعرف على ثقافات وعادات شعوب العالم؛ لان ذلك – في المحصلة النهائية – زيادة في مدارك الشاب؛ وسعة في ثقافته الشخصية التي من المؤكد انه سيحتاجها عند تسلمه وظيفة ما.

اعتقد ان هذا الكلام لا يختلف عليه اثنان؛ لانه من صلب الواقع؛ خصوصا وان العالم قد اصبح قرية صغيرة بفضل الفضائيات والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ كما تردد ذلك جميع الصحف.

لكن (وآه من لكن) لكن الموجع ان البلدان المتخلفة؛ وللأسف يأتي في مقدمتها (العراق العظيم) تحاول ان تذل – اول ما تذل – هذه الشريحة المملوءة بالحياة والطموح؛ وتسعى جاهدة الى تهميشها واقصائها عن دورها الحياتي والوطني!!

وإلا كيف يفسر لنا المسؤولون عنا – امام الله – ازدحام معظم تقاطعات الطرق؛ وأرصفة الاشارات الضوئية؛ بشباب لا أجمل منهم ولا أكثر صحة وعافية؛ وهم يتأبطون الصحف؛ وعلب المحارم الورقية؛ وقطع القماش؛ او يضعون على رؤوسهم (صواني السميط) بحثا عن لقمة حلال؛ يكافحون من اجل انتزاعها من براثن الحر والبرد والاهانات والمذلة والخجل؛ ومما يدمي القلب ان اغلبهم من اصحاب الشهادات!!

في تصريح لوزير العمل والشؤون الاجتماعية (ان مشكلة البطالة في العراق هي بطالة هيكلية وهذا النوع من البطالة هو من أخطر انواعها في العالم لأنها تعني عدم قدرة القطاعات الاقتصادية على خلق وظائف او فرص عمل للعاطلين)؟؟

وبحسبة بسيطة لنفوس العراق؛ يمكن لنا ان نحدد الشيوخ والمتقاعدين والطلاب وربات البيوت والنساء كبيرات العمر؛ فكم يبقى من نسبة؛ لتعلن وزارة السيد نصار الربيعي ان نسبة البطالة في العراق هي 16 بالمئة؛ اي ما يعني ان غالبية الشباب العراقيين هم من رواد الـ(ترافك لايت) ومستقبلهم الزاهي سيزهو مع (عربات الدفع) في الشورجة؛ ولا عزاء للشهادات.

ألف عافية.. لا والله؛ بل 60 ألف عافية لاعضاء البرلمان العراقي؛ وهم يرصدون لسياراتهم المصفحة 60 مليار دينار ولتذهب للجحيم (قدرة القطاعات الاقتصادية على خلق وظائف او فرص عمل للعاطلين)!!

لا حرمة للبيوت

الثلاثاء، 31/1/2012 وضحى معتم، ابتدأ بطرق مشؤوم على الباب.. طرق عنيف ومتواصل ومربك.. وتفتيش.. تفتيش، افتحوا الباب تفتيش.. ويا الله سلمنا.. ويندفع الجنود الى داخل الدار.. والحاجة وابنها مشدوهان.. ولم يتعلما من المداهمات السابقة، ولم يألفا انتشار الغرباء في أركان البيت.. وتوزع الجنود الى غرف الدار.. يكشفون خصوصياتها.. ويرون أسرارها، وإنهم أحرار فيها إلا من ضمائرهم وأخلاقهم، يأخذون ما يأخذون ويتركون ما يتركون، والإعلام يذكر ان الأجهزة الأمنية مخترقة من المحتالين وأرباب السوابق والمجرمين والنشالين.. وعسى الله ألا يكون بين هذا الحشد الذي ملأ البيت من هؤلاء.

ان الإنسان، أي إنسان، لا يحب ان يكون مرئيا رغما عنه، وبلا إرادته، فتلك أعلى درجات الاهانة والانتهاك..  والإنسان في مثل هذا الموقف، موقف التفتيش، تفتيش بيته، وإلغاء خصوصيته، ووضعه موضع الاتهام، إخضاعه ذليلا لا للملابسات والأخطاء المحتملة، بل لمزاج ونزوات العسكري، يدرك وبوعي حاد انه بلا إنسانية، وبلا أي حق من حقوق المواطنة، وانه ممحو، وإذا صادف وداس عليه العسكري وعلق بحذائه فانه قد يحتجز وينسى في الحجز وقد يموت قهرا وكمدا وان ظهرت براءته، وان المواطن إزاء اندفاع الجنود وانتشارهم في غرف وزوايا بيته يعرف وبيقين انه متهم، وانه جاء الى الدنيا ليكون في قبضة هؤلاء العسكريين، ورهن مشيئتهم، ولا من احد يشهد على غير ذلك، فقد اقتحموا الدار بلا أمر قضائي، وإنهم أن أذابوا أهله بالتيزاب، وأحالوه قاعا صفصفا وزعموا بعدم وجود دار اصلا وقرروا تشييد قصر على أرضه فان أحدا لا يجرؤ ويقول غير هذا، ولا إشارة رسمية لواقعة التفتيش، اذ لا وجود لأمر قضائي.

هذا يحدث بعد تسع سنوات من الديمقراطية ومن إصابة كائنات الارض والسماء بالصمم جراء الصراخ والضجيج بحقوق الانسان التي فاز بها العراقي كما لو لم يفز بها كائن آخر في الدنيا، حتى ثمل بها الساسة وقرروا ان يتصدقوا على مخلوقات الله بشآبيب منها، وان يتمادوا في البر والكرم ويقدموا الدروس لمن يتطلع لإنقاذ شعبه ويتمنى له ان يكون عملاقا وسيدا بإنسانيته لوحدها، فما الذي سيكونه إذا أضاف ما يقدمه الدين لإنسانيته؟؟

واحدة من مشاكل الانسان انه يحصن نفسه دائما باعذار ومسوغات لكل حماقاته وعدوانياته وشروره ونزواته، ولا يوجد بين المحكومين بالإعدام، قديما وحديثا من لا يجد سببا وعذرا ووجها من البراءة، واذا وجد هذا الكائن الذي يعترف بمرضه وأوهامه وانقطاعه عن الواقع، فيعني انه قد استيقظ، ولكن بعد فوات الأوان، ولذا قال الأخلاقيون بان من يعترف بذنبه كمن لا ذنب عليه، وهذا ما يصعب العثور عليه في دنيا السياسة، ولان ضحايا السياسي بحجم منصبه، ولأنه رشف كأسا تناوله من يد الشيطان مع سبق الإصرار ان يسكر ويفقد الوعي، ولا يرى ان البيوت ما زالت بلا حرمة. 

سيارات مدرعة وقصور محصنة .. ترى متى تشعرون بأوجاعنا ؟؟؟

لا علاقة للبورجوازية الأوربية وأدوارها القديمة بطبقات البورجوازية العراقية الناشئة, التي ظهرت في السنوات الأخيرة داخل التشكيلات العليا وخارجها, ويتعين على علماء الاصطلاح (التيرمنولوجي Terminology) البحث عن مصطلح بديل يشير إلى مفهوم محدد, يتلاءم مع طبيعة هذه الطبقات المنتفخة المتعالية, التي جمعت بين ملامح الإقطاع القديم وملامح الأمراء والقياصرة الممزوجة بالنزعات الرأسمالية. 

إنها برجوازية هجينة اختارت العزلة والانعزال عن عامة الناس بمحض إرادتها, فتقوقعت على نفسها, وفضلت العيش في الأبراج العالية, وتميزت بنسجها لعلاقات معقدة ومتشابكة مع مختلف أجهزة السلطة, وأحيانا نراها تميل إلى العوالم الداخلية للسلطة, إما عن طريق الارتماء في أحضان الأحزاب لولوج قبة البرلمان, أو عن طريق الإبحار بقوارب الجهازين (الأمني والعسكري), حتى أصبحت البورجوازية الجديدة من الدولة والى الدولة, بيد ان الخبر الذي ينبغي أن يضاف إلى المبتدأ هو كلمة (شرهة), فالشراهة من أقوى خصالها, فهي شرهة في امتلاك أجمل المساكن, وشرهة في تناول أشهى الأطعمة, وارتداء أحلى الملابس, والسفر إلى أغنى المنتجعات, واقتناء أثمن الحلي والمجوهرات, وركوب أفخم العربات, ولا يطيب لها السير في شوارع مدننا إلا في مواكب مهيبة تحف بها الحمايات الراجلة والمجوقلة والمهرولة. لقد وضعت البرجوازية الأوربية ثقلها كله في ثلاثية (الاقتصاد والسياسة والثقافة), فلعبت في هذا الحيز ولم تبرحه, إما البرجوازية العراقية الجديدة فقد اختارت العزف على إيقاعات ثلاثية متداخلة, مقتبسة من العصور الحجرية, فلعبت في الملاعب المغلقة على أوتار (الطائفية, والفساد, والبطر). .

تحولت قصورهم إلى ثكنات عسكرية, محصنة بكتل كونكريتية عملاقة, فبسطوا نفوذهم على الأرصفة والأزقة الخدمية, وأغلقوا مداخل الطرق المؤدية إلى قصورهم في المدن والأحياء السكنية, ووزعوا نقاط التفتيش المعززة بالحراسات المسلحة على الجهات الأربعة, ثم تمادوا في استعراض قوتهم الضاربة, فنشروا الأسلاك الشائكة, والعوارض الأنبوبية, والمعرقلات البلاستيكية, والمطبات الحجرية, ونصبوا مجموعة من الأبراج والكاميرات المخصصة للرصد والمراقبة حول مقراتهم. 

 ثم تفجرت شرايين شراهتهم في كل الاتجاهات فحصلوا على الامتيازات المالية السخية, ووضعوا الجوازات الدبلوماسية في جيب, وسندات تمليك الأراضي في جيب آخر, والتحقت بهم مجاميع جديدة من ذوي الرؤوس الحليقة, وأصحاب النظارات المعتمة, والعضلات المفتولة, والوجوه المقنعة.

ثم جاءت منحة الوقاية والحماية والرعاية, وبات من المؤمل حصول كل مسؤول منهم على عربة مدرعة, رباعية الدفع, متعددة النفع, من طراز 2012, بمواصفات دفاعية كاملة, تقيهم من شرور الكمائن, والعبوات اللاصقة, والأحزمة الناسفة والقذائف الموجهة, ويحميهم من عياران القنص. تحميهم من عيون الحساد والمزعجين. . 

 سيارات مدرعة وقصور محصنة لحماية نخبة من الشعب, انتخبها أفراد الشعب, فعزلت نفسها عنهم, وحصنت نفسها من الألغام والمتفجرات, وتركتهم يواجهون الموت بصدور عارية وبطون خاوية. . 

سيارات مدرعة وقصور محصنة لوقاية فئة قليلة من أصحاب الجاه والوجاهة والسعادة والسمو, الذين عزت عليهم أنفسهم فاسترخصوا دماء الناس, ووصل بهم البطر إلى المستوى الذي جعلهم يفكرون في حماية أنفسهم وأولادهم, من دون أن يلتفتوا إلى مصير شعب بكامله ينتظره الموت في السوق والمقهى والمسجد, ويطارده حتى في المقبرة. 

فمتى يتعلم هؤلاء من سيد الشهداء الذي استرخص دمه في مواجهة الظلم والطغيان, فسكن الخلد, وأضحى مشعلا يقتدي به كل مجاهد, فمن أراد أن يستعصم فليستعصم بالله, ويتمسك بشريعته, ويجاهد نفسه, ومن كان يريد العزة فلله العزة جميعاً, ومن لا يخشى المواجهة لا يعزل نفسه عن الناس. 

ألا يفترض بالمسؤول أن يكون أول المضحين في سبيل شعبه وأبناء جلدته, وأن يتقدمهم بخطوات ثابتة لا تعرف الخوف ولا التردد ؟, أليس هذا غاية الجود ؟, أليس الجود بالنفس أقصى غاية الجود ؟, ألا يعلم هؤلاء إن المسؤول الأناني هو الذي لا يبالي بمشاعر الآخرين, ولا يقيم لهم وزناً, ولا يرى أحداً غيره يستحق العيش.

اللهم أعطنا القوة لندرك أن الخائفين لا يصنعون الحرية، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء. 

حكمة مفخخة

الأمان فكرة خرافية لا يمكن أن توفرها السيارات المدرعة ولا القصور المحصنة, وإن الاختباء خلف الحواجز المصفحة لتجنب الخطر ليست خطوة سديدة على المدى الطويل, فالحياة السياسية إما مغامرة تخوضها بشجاعة, أو لا شيء. 

خطوط الطول.. خطوط العرض

الولايات المتحدة الأميركية تترقّب ما يجري في سوريا عن كثب، ودول العالم الأخرى تترقّب ما يجري هناك أيضاً. لكن الملاحظ في الأزمة السورية، أن مواقف خط الطول تتناقض مع مواقف خط العرض، خط الطول السوري يبدأ من تركيا شمالاً، ويمر بالمملكة الأردنية في الوسط، وينتهي بالمملكة العربية السعودية، ومع اختلاف درجات التنسيق الإقليمي بين الدول الثلاث، إلا أنها تلتقي جميعاً في اللون المذهبي، الذي يشكل عاملاً مهماً من عوامل الصراع على الهيمنة الإقليمية الذي تشكّل كل من تركيا وإيران الطرفين الرئيسين فيه، فيما تشكل الدول العربية في الإقليم، قوى مساعدة تلتقي، أو تتبع هذا الطرف أو ذاك. أما خط العرض فيبدأ من إيران ويمتد نحو العراق، ليقطع خط الطول في نقطة في المساحة السورية الفاصلة بين تركيا والأردن.

خط الطول السوري يشكل رأس النفيضة في الهجوم على سوريا، من أجل إسقاط النظام فيها، وان اختلفت النوايا وآليات التدخل بين عناصره، فتركيا التي ترفع راية التغيير في العالم العربي، تهدف إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، من خلال تفعيل دورها كوكيل لأعمال حلف الناتو في المنطقة، لاسيما بعد نجاح دورهما المشترك في إسقاط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، ووضوح دور تركيا المتنامي في كل من مصر وتونس، إثر صعود قوى الإخوان المسلمين في كلا البلدين، الأمر الذي مهد الطريق لتدخلها المباشر والقوي في الشأن السوري الداخلي، إلى حدّ احتضان قوى المعارضة السورية في أنقرة واسطنبول وتقديم الدعم المادي واللوجستي لهم، بل والعسكري المباشر أيضاً كتدريب المعارضة العسكرية ومدها بالسلاح والعتاد، إضافة إلى عقد اجتماعات ومؤتمرات المعارضة بكل أطيافها على الأراضي التركية. أما دخول الأردن على خط التدخل في الأزمة السورية، فإنه وإن لم يكن قوياً، مثلما هو حال تركيا والسعودية، إلا أن خطورته تكمن في قوة وشائج العلاقات الاجتماعية والعشائرية بين أبناء الشعبين السوري والأردني في منطقة الحدود التي تجمع بين محافظتي درعا التي شهدت أولى شرارات الحراك الشعبي السوري، ومدينة الزرقاء الأردنية، التي احتضنت أعداداً من السوريين الفارين من جحيم المواجهات العسكرية في المدينة. أما المملكة العربية السعودية، فإن الهاجس الأكبر لتدخلها الساخن في الملف السوري، والذي توج أخيراً بخطاب وزير خارجيتها سعود الفيصل في الاجتماع الوزاري العربي، والذي عدّه  المراقبون، بيان إعلان حرب سعودي على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، فأنه يأتي على خلفية الصراع المزمن بين الدولتين، وخاصة في ميدان الصراع الدائم، وهو الساحة اللبنانية، إضافة إلى الصراع على الساحة العراقية بعد عام 2003، والذي جعل العلاقة بينهما في حالة مد وجزر، وصلت حد القطيعة بعيد اقتراب موقف الرياض من موقفي أنقرة والدوحة الداعيين إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

خط الطول السوري يشكّل موقفاً متجانساً مع التحالف الستراتيجي بين سوريا وإيران، والذي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود، وتمثل في التنسيق العالي لموقفي البلدين في الكثير من الملفات الإقليمية الساخنة، ولاسيما ملفي لبنان وفلسطين، حيث وصل موقف البلدين منهما حد التطابق، كما أن التهديد الأميركي–الغربي المتواصل للبلدين، زاد من درجة التقارب بينهما ودعم كل منهما للآخر في مختلف المجالات. أما الموقف العراقي، فإنه، وبرغم التباين في موقف مختلف الكتل السياسية، إلا أنه على المستوى الرسمي يمثل وعياً بخطورة التغييرات في موازين القوى الدينية والمذهبية ومدى ارتداداتها على المشهد العراقي، كما أن مصلحة العراق الاقتصادية في هذه المرحلة تستوجب بقاء الأبواب مشرّعة بين بغداد ودمشق، لمصلحة البلدين والشعبين، وبما ينسجم مع مصلحة مئات آلاف العراقيين المقيمين في سوريا.

الخط الأول، يشكل تهديداً جدياً لزعزعة النظام في سوريا، إن لم يكن لإسقاطه، أما الخط الثاني، فهو يمثل ضمانة لإطالة عمر النظام، بانتظار مبادرة جدية لحل الأزمة، من الناحية الاقتصادية، على أقل تقدير.

تمثال نصفي لـ (هناء)

  إقدام دائرة السينما والمسرح متمثلة بمديرها العام (د.شفيق المهدي) وجهد وحرص ونكران ذات الفنان المخضرم (فؤاد ذنون) على اقامة تمثال نصفي للفنانة (هناء عبد الله) كونها رائدة الفرقة القومية للفنون الشعبية،، يوقد فينا جذوة احساس راق وجرئ،، مشفوع بفعل نهج حضاري- انساني خلاق،، ليس حصرا بحق عطاء وثراء ما قدمت واغدقت (هناء) طيلة نصف قرن من عمرها الفني ولم تزل،، بل بحق قيم الفن الحقيقي وسمو غاياته المثلى في نبل ما يصبو وصدق وسعادة ذلك الفنان والفيلسوف حين نادى قائلا بعقل ثاقب وقلب مفتوح للحياة: (نحن نبتكر الفن… لكي لانموت بسبب الواقع!).

  قبل قرابة أربعة أعوام كتبت عمودا عن واحد من فرسان تلك الفرقة التي طافت العالم وهي تحمل تراثنا الشعبي رقصا تعبيريا خالصا مزهوا بلوحات عابقة بروح ونكهة فلكلورنا البهي،، ذلك هو(فؤاد ذنون) الذي واكب فرقة الفنون الشعبية منذ بواكير تأسيسها وظل حريصا وفيا لها متفانيا من أجل سمعة تأريخها الطويل حتى أصبح مديرها ومدربها طيلة سنوات عزت فيها توفير أبسط مقومات استمرار ازدهار هذة الفرقة أثناء فترة الحصار اللعين وما تلاها من حروب وأزمات وأعمال عنف وخوف مستمر وإرهاب وقتل وتهديد يطال كل يوم جميع مفاصل الحياة، لكنه لم يوقف اصرار بعض أعضاء هذه الفرقة بحكم واجبات الوعي وسلامة عمق الموقف في مواجهة من يريد اطفاء نور الحياة ويسعى بظلاميته لإيقاف زحف جحافل الخير من عشاق الجمال وذلك النور ومسارب الأمل وعبر تواصل الثقة بالعمل تحت خيمة هذه الفرقة العتيدة وهي تستعيد عافيتها وسحر ألق حنين انفتاحها-مجددا- في مدن ومسارح العراق والمهرجانات العالمية بفعل حرص وتفاني (فؤاد وهناء) قطبي معادلة بقاء هذا النوع من الرقص التعبيري فعالا،، متساميا،، وحقيقيا في نسيج وثنايا تراثنا الشعبي ومباهج فلكلورنا الأصيل مع كل من يعي أهمية دفع ورفع مكانة هذه الفرقة صوب ما تستحق وبجدارة ملاكها من الراقصين والفنيين والاداريين من القدماء والجدد،، وتأتي-اليوم- التفات دائرة السينما والمسرح بتتويج نرجستها الرائقة عبر إقامة تمثال نصفي كبير لها من مادة البرونز لكي يتوسط مدخل مبنى المسرح الوطني، خلاصة واعية-راقية- بل جريئة في تعظيم دور الفن والفنانين وبالاخص من هم من طراز (هناء عبد الله) التي استحقت نهاية العام الماضي جائزة (امرأة من الشرق) في مهرجان (لوسيا) في مدينة (يوتوبوري) السويدية بعد ان نالت العديد من الشهادات التقديرية والدروع والجوائز والتذكارات في أكثر من سبعين دولة شاهدت عروض هذه الفرقة العتيدة والتي تحتفي-اليوم- بعشاقها الأزليين من خلال تكريم فنانتهم المواضبة والمخلصة لفنها،، الزنبقة الرائقة (هناء) بعد ان أفنت أبهى سنوات حياتها دون أدنى كلل أو ملل أو مجرد أنين لشكوى، بل لم ينقطع أبدا- يوما- ضوء وسحر ابتسامتها الرائقة مثل روحها الوائقة ودأبها المتواصل مع قيمة الفن الذي أحبت وعشقت فأستحقت (هناء) كل هذا الثناء.